تتوقع المؤسسات المالية الدولية، أن يشهد الأردن تضييقا في أحوال مواطنيه الاقتصادية وتدنيا في مستوى معيشتهم الحياتية، الأمر الذي سيعمل على زيادة جيوب الفقر ونسبة الفقراء في المملكة.

بعبارة أخرى، توقع البنك الدولي في وثيقة صدرت عنه في الآونة الأخيرة، أن يعيش ثلث الأردنيين أي مليونين و200 ألف مواطن، تحت خط الفقر خلال السنة المقبلة.

نعم سنة واحدة مقبلة، وهذه مدة قريبة جدا إذا ما تم احتسابها من عمر الشعوب، فهذا العدد أي ثلث الأردنيين سيضاف طبعا إلى عدد الفقراء الموجود أصلا، الذي يصل نسبتهم إلى 14% من عدد السكان، وبذلك ستزداد المعاناة والمصاعب والجرائم والبطالة والأمراض.

الأردن العاشر عربياً من بين الدول الأكثر فقراً

الفقر والفقراء في تراكم وازدياد، حتى بات الأردن يحتل المركز العاشر عربيا من بين الدول الأكثر فقرا، إذ يبلغ دخل الفرد 4940 دولارا سنويا.

إزاء ذلك، لا يستبعد أن يبدأ هذا العدد من الفقراء بتلقي معونات غذائية ومساعدات مالية، فتراهم يقفون في طوابير بالطرقات حتى يتمكنوا من العيش الكريم بأقل مستوياته وأضيق حدوده.

فشعب بدأ بنبش النفايات التي استقطبت الصغار بعد أن انخرط فيها الكبار، لا يستبعد أن يقف في طوابير طلب المساعدات العينية أو النقدية، في ظل عائلات بأكملها تعتمد على نبش النفايات لتحصيل قوتها، بينما تسكن عشرات الأسر بجوار مكب للنفايات للبحث فيها عما يصلح منها لالتقاطه وبيعه.

الاحصاءات: 51% من الأردنيين يتقاضون رواتب بين 300 و499 دينار

يبدو أن مستقبل الأردنيين القريب غير واعد، فالفئات المحرومة والمهمشة ستزداد، وجيوب الفقر التي تصل إلى 35 منطقة في المملكة ويبلغ عدد مواطنيها 394.2 ألف نسمة وفق إحصائيات حكومية، في توسع بالرغم من جهود حكومية لتشخيص المشكلات الاقتصادية، ووضع استراتيجيات للتقليل من نسب الفقر وعدد الفقراء.

أرقام واحصائيات صادمة

وفي أحدث مسح للعمالة والبطالة صادر عن دائرة الإحصاءات العامة، كشف التقرير عن أن 51% من العاملين في الأردن يتقاضون رواتب بين 300 و499 دينار فقط.

لا يحسد الفقراء في الأردن على أوضاعهم، فهم لا يعانون من ارتفاع الأسعار وكثرة الضرائب والرسوم فحسب، بل إنهم الأكثر تعرضا للإصابة بالأمراض النفسية، وفق ما كشف عنه مدير المركز الوطني للأمراض النفسية الدكتور نائل العدوان.

“فواتير الكهرباء والمياه والهاتف وإيجار المنزل وتكاليف العلاج والدواء إضافة إلى المواصلات، جميعها التزامات ومصاريف ابتلعت راتبي بالكامل”، هكذا بدأ كمال حمدان بالحديث عن معاناته وامتعاضه من وضعه المادي.

ارتفاع تكاليف المعيشة ترهق الأردنيين

حمدان موظف في أحد المصانع يتقاضى راتبا مقداره 400 دينار، وهو يعيل أسرة مكونة من 4 أفراد، يصرف راتبه كاملا في الأسبوع الأول من الشهر دون قدرة على توفير أي مبلغ.

تحدث الثلاثيني لـ”أردن الإخبارية” وكله أمل في إيجاد فرصة عمل ثانية، قائلا “أبحث عن عمل إضافي كي أتمكن من تأمين الحاجيات غير الضرورية” متسائلا بقوله “ألا يحق لنا أن نتمتع بما يتمتع به الآخرون؟”.

ما مدى قدرة الشباب على الزواج وتوفير مصاريفه، في ظل الغلاء المعيشي وتآكل مداخيل المواطنين وتراجع القدرة الشرائية لديهم؟

لم تختلف الأوضاع لدى محمد غنيم الذي يعمل بائعا في أحد محلات الألبسة، فهو يتقاضى راتبا يصل إلى 350 دينار ويعمل من الساعة العاشرة صباحاً وحتى العاشرة مساء، دون عطلة أسبوعية سوى نصف نهار يوم الجمعة.

ويقول غنيم ل”أردن الإخبارية”: “إن عملي غير منصف، فلا ضمان ولا تأمين ولا إجازات ولا إضافي، وراتبي لا يغطي مصاريفي ولا التزاماتي الحياتية، في ظل الارتفاع المستمر لأسعار المشتقات النفطية التي يصاحبها ارتفاع في أسعار المواد الغذائية”.

وأردف غنيم وهو أب لطفلين، أنه “يسعى للسفر خارج البلاد ليحصل على فرصة عمل ليواكب الغلاء في الأسعار”، متسائلا في الوقت ذاته عن “مدى قدرة الشباب على الزواج وتوفير مصاريفه، في ظل الغلاء المعيشي وتآكل مداخيل المواطنين وتراجع القدرة الشرائية لديهم”.

حلول صعبة لحياة أصعب وأمرّ

أما سعاد موفق، فقد تخلت عن دورها المعتاد كربة منزل، فخرجت للبحث عن فرصة عمل لتوفر مصاريف عائلتها بعد أن أصيب زوجها بإعاقة اضطر بعدها للجلوس في المنزل.

لم تتمكن أم جمال التي تبلغ من العمر 35 عاما، من إيجاد وظيفة سوى العمل في المنازل، فوافقت موافقة المضطر على التنظيف بالبيوت لتعين أسرتها على تجاوز الفقر والعوز وأعباء الحياة.

تعيش أم جمال التي قالت إن حياتها كلها شقاء، في شقة مكونة من غرفتين وحمام ولا يتوفر فيها سوى فراش للنوم، أما ابنيها اللذان لم يكملا دراستهما الأساسية فقد أجبرهما والدهما على ترك المدارس للعمل في جمع الخردة وعلب الألمنيوم وغيرها من أجل بيعها للمساهمة في توفير مصاريف الحياة.

مواطن: أقصى ما يتطلع إليه الفقراء هو تأمين فرص عمل تؤمن لهم حياة كريمة وهانئة بدلا من مد اليد وتلقي المساعدات

في حين انتقد سليمان وهدان، تقصير المقتدرين ماليا في مساعدة المحتاجين والفقراء، الذي يعانون من ظروف معيشية قاسية وصعبة.

وقال وهدان الذي يبلغ من العمر 50 عاما ويعمل في غسيل السيارات، إن أقصى ما يتطلع إليه الفقراء هو تأمين فرص عمل تؤمن لهم حياة كريمة وهانئة بدلا من مد اليد وتلقي المساعدات، فبهذا فقط لا يعودون بحاجة إلى طلب العون.

يعيش وهدان في أحد أحياء عمان الفقيرة، حيث يعمل بدخل لا يتجاوز 400 دينار شهريا، رغم ذلك فهو مضطر للعمل لساعات تصل إلى 10 يوميا لسد رمق أبناءه الستة.

وأضاف وهدان والحسرة بادية على وجهه: “أنا مضطر للعيش بهذا المبلغ الذي لا يكفي التزاماتي ومصاريفي، فعائلتي منذ أسبوع لم تتذوق طعام جيدا، فاليوم كان غداؤنا سردين وبالأمس تناولنا البيض فقط، لم نذق اللحم أو الدجاج منذ أشهر”.

“ما يشهده الأردن من تفاقم لظاهرة الفقر وازدياد لأعداد الفقراء هو ظاهرة خطيرة، إذا لم يتم الانتباه لها ومعالجتها فإنها ستؤثر على جميع المستويات، سواء السياسية أو الأمنية إضافة إلى الاجتماعية”

حكايات الفقر لا تنتهي، فإلى جوار منزل وهدان، تسكن عائلة رياض الحاج الذي يغادر منزله منذ الصباح ليلتحق بعمله في أحد المصانع بإحدى ضواحي عمان، لقاء راتب لا يتجاوز 300 دينار.

وقال الحاج إنه لصعوبة الوضع وضيق الحياة، فإن زوجته تخرج بعد توجهه إلى عمله يوميا، إلى منزل أهلها لتتمكن من إطعام بناته الثلاثة، فهي لا تستطيع الطبخ يوميا أو شراء الفاكهة.

لا تقف معاناة الحاج الذي يبلغ من العمر 40 عاما عند توفير الطعام، بل يواجه صعوبة في فصل الشتاء، فمياه الأمطار تملأ أرضيات المنزل المكون من غرفتين وحمام، وسقف المنزل من الزينكو الذي تملأه الثقوب لا يكفي ليكون ساتراً له من الأمطار.

سياسات اقتصادية مفقرة

من جهته رأى الخبير الاقتصادي الدكتور قاسم الحموري، إن “ارتفاع الأسعار ومتطلبات الحياة العصرية، إضافة إلى سياسات الحكومات الاقتصادية، أدت إلى وجود هذه الأعداد الكبيرة من الفقراء”.

وقال الحموري لـ”أردن الإخبارية” إنه “بالرغم من وجود وإعداد استراتيجيات مواجهة الفقر، إلا أن الحكومات لم تتخذ الخطوات المناسبة لمعالجة هذه الظاهرة المجتمعية الخطير”.

الحموري: سياسات الحكومات الاقتصادية أدت إلى وجود هذه الأعداد الكبيرة من الفقراء

واعتبر الخبير أن “كل الإجراءات الحكومية المتخذة في هذا المجال سواء الاستراتيجيات أو اللقاءات أو ورشات العمل، ما هي إلا في سياق الدعاية الإعلامية فقط”.

ووصف الحموري ظاهرة الفقر بـ”القنبلة الموقوتة”، داعيا في الوقت ذاته الحكومة إلى “اتخاذ خطوات فعلية تجاه معالجة هذه المشكلة، تستوجب تدخلا سريعا لتغيير سياسات الضريبة بما يتواءم مع مداخيل المواطنين”، مشددا على “ضرورة العمل على تشجيع جذب الاستثمارات، التي من شأنها أن توجد فرص عمل وتنشط الصناعات والتنمية المحلية”.

ما هو تأثير الفقر على الحالة النفسية للمواطن؟

ولعلم الاجتماع رأي في هذا الشأن، فقد أكد أستاذ علم الاجتماع الدكتور حسين الخزاعي، على أن “من نتائج الفقر النقمة على المجتمع، كما أن الفقير سرعان ما يصاب بحالة من العصبية والتفكير السلبي والاكتئاب، وربما يضطر في بعض الحالات إلى الانتحار”.

وقال الخزاعي لـ”أردن الإخبارية” إن “من الملاحظ أن سبب أكثر الجرائم التي تقع في المجتمع سببها ودافعها الفقر والعوز”، موضحا أنه “يدخل على خط الفقر 36 ألف مواطن سنويا، وفق تقارير رسمية وإحصائيات حكومية”.

واعتبر الخبير أن “ما يشهده الأردن من تفاقم لظاهرة الفقر وازدياد لأعداد الفقراء هو ظاهرة خطيرة، إذا لم يتم الانتباه لها ومعالجتها فإنها ستؤثر على جميع المستويات، سواء السياسية أو الأمنية إضافة إلى الاجتماعية”.

وأوضح الخزاعي أن “صندوق المعونة الوطنية بدأ في العام 1985 بمساعدة 5 آلاف أسرة فقيرة فقط، لكن الآن فإن الصندوق يقدم مساعدات لنحو 90 ألف أسرة”، متسائلا بقوله “أين الجهود الحكومية والرسمية في مكافحة الفقر في ظل ارتفاع هذه الأرقام”.

المصدر: أردن الإخبارية