تعزيزات عسكرية تركية إلى الحدود مع سوريا

لا تزال تركيا لليوم الرابع على التوالي ترسل تعزيزات عسكرية إلى حدودها مع سوريا، بالتزامن مع تثبيت منطقة خفض التوتر الرابعة في إدلب والتي تم إقرارها في محادثات أستانة السورية بجولتها السادسة، حيث أقرت الدول الضامنة لوقف إطلاق النار في سوريا (روسيا وتركيا وإيران) اتفاق خفض التوتر في سوريا بشكل كامل لينتهي بذلك مسار التفاوض على تلك المناطق بشكل تام، في حين بقي ملف المعتقلين والأسرى موضع خلاف سيتم مناقشته في الجلسات القادمة.

وحسب الوثائق الختامية لأستانة 6، فقد تم إنشاء مركز تنسيق ثلاثي، روسي إيراني تركي، من أجل تجنب وقوع أي صدامات في سوريا، وأشار إلى أن اتفاقات "خفض التوتر" في المناطق التي تم التوافق عليها ستكون مدته 6 أشهر قابلة للتمديد، ومن المقرر أن ترسل كل من الدول الثلاثة نحو 500 مراقب إلى إدلب.

عملية عسكرية مرتقبة 

حتى الآن لم تصدر أي تصريحات رسمية عن أسباب زيادة التعزيزات العسكرية على الحدود في الوقت الذي بررتها فقط بالترتيبات الأمنية والعسكرية، وحسب ما أشارت إليه وكالة الأناضول فإن قوافل التعزيزات وصلت إلى الحدود مع سوريا وهي مؤلفة من وحدات مختلفة من الجيش ومصحوبة بفرق أمنية.

تأتي هذه التعزيزات بعد أنباء عن عملية عسكرية روسية تركية على محافظة إدلب تستهدف "هيئة تحرير الشام" الفصيل المسيطر على المحافظة بعد الاقتتال الدامي الذي حصل الشهور الماضية وتمكنت فيه الهيئة من السيطرة على مفاصل المحافظة وباب الهوى. 

وحسب صحيفة الشرق الأوسط فإن العملية ستبدأ عبر ضربات جوية في المحافظة ثم يتوغل فيها الجيش التركي ضد هيئة تحرير الشام انطلاقًا من الحدود الشمالية في حين يتقدم الجيشان الروسي والإيراني من الجنوب، وفي نفس السياق قسم مركز عمران للدراسات الاستراتيجية محافظة إدلب إلى 3 مناطق بحيث تسيطر تركيا على المنطقة القريبة من حدودها.  

موسكو وواشنطن ليستا بصدد منح محافظة إدلب للأتراك، بسبب موقعها الجغرافي وثقلها الديمغرافي ووزنها العسكري، وفي نفس الوقت ليس واردًا منح المحافظة لقوى معادية لتركيا مثل القوى الكردية. 

وبينما يعتبر النظام السوري كلاً من روسيا وإيران ضامنتين إلى جانب النظام السوري وأتاح لهما التدخل العسكري في سوريا، فقد اعتبر النظام هذه الاتفاقات بشأن مناطق تخفيف التوتر "لا تعطي الشرعية على الإطلاق لأي وجود تركي على الأراضي السورية، وبالنسبة لحكومة الجمهورية العربية السورية فهو وجود غير شرعي" كما نقلت وكالة سانا السورية للأنباء.

ونقلت الوكالة السبت الماضي، عن مصدر في الخارجية السورية أن الاتفاق الأخير مؤقت وهدفه الأساسي إعادة الحياة إلى طريق دمشق - حماة – حلب القديم، والذي من شأنه تخفيف معاناة المواطنين، على حد قوله.

وبالتزامن مع التعزيزات التركية على الحدود والحديث عن ضربة عسكرية ضد "هيئة تحرير الشام" أبدى الجيش الحر شمال حلب استعداده لدخول مدينة إدلب بالتنسيق والتعاون مع تركيا، وترى فصائل في الجيش الحر أن فصائله يجب أن لا تبقى فقط في الريف الشمالي بحلب بل يجب أن يكون لها سيطرة كاملة على إدلب، والتي سيطرت عليها مؤخرًا "هيئة تحرير الشام" حسب ما أفاد موقع عنب بلدي المعارض.

يُشار أن "الهيئة" عادت إلى نواتها الأولى بعد موجة الانشقاقات التي اجتاحت صفوفها، خوفًا من استهداف العملية العسكرية المرتقبة، حيث انشق تشكيل "جيش الأحرار" أكبر الفصائل العسكرية في الهيئة، كما انشق سابقًا فصيل "نور الدين الزنكي" عن الهيئة، إضافة إلى انشقاق الشرعيين السعوديين عبد الله المحيسني ومصلح العلياني، بعد التسريبات الصوتية الأخيرة التي سخرت من الشرعيين العاملين فيها.

وبينت تحكم القائد العسكري العام أبو محمد الجولاني بالأمور السياسية والعسكرية كافة، إضافة إلى اغتيالات طالت شرعيين ومسؤولين في "الهيئة"،  فيما لا تزال القوة المركزية للهيئة هي جبهة النصرة والمعنية بالمعارك الأخيرة مع حركة "أحرار الشام الإسلامية".

تدفع تركيا باتجاه تفعيل القوى المدنية المعارضة في إدلب وتفكيك "هيئة تحرير الشام" لإضعافها وسهولة القضاء عليها لتجنيب المحافظة أي عمل عسكري قد يؤدي لتكلفة إنسانية باهظة

يُشار أن الهيئة شهدت انقسامًا داخليًا بين تيارين أحدهما يريد إنهاء الاقتتال الداخلي وإنهاء العزلة الدولية، والتيار الآخر الذي يتزعمه الجولاني والذي يريد قتال تركيا والفصائل التي تدعمها من أفراد الجيش الحر وأحرار الشام، في الوقت الذي أشارت تقارير إلى تنسيق بين الجولاني مع روسيا وخطوات للتقرب من إيران.

تغيرات في سوريا 

لا يمكن الجزم أن التحركات العسكرية على الحدود لأجل التدخل العسكري، وكل الكلام عن هذا لا يزال في صدد السيناريوهات والتكهنات، وربما يتم تحديد مصير العملية خلال الأيام القادمة بعد انعقاد مجلس الأمن القومي التركي في 22 من سبتمبر/أيلول الذي سيتم فيه مناقشة استفتاء إقليم كردستان للانفصال عن العراق، إضافة إلى اجتماع سيجري بين الرئيسين التركي والأمريكي على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة قد يجري فيها محادثات جدية عن دعم أمريكا للقوات الكردية، وإمكانية تغيير موقفها منهم، هذه الأمور ستحدد مصير التدخل العسكري في سوريا بنظر مراقبين. 

رفضت الحكومة السورية المؤقتة مخرجات المؤتمر السوري العام في إدلب ووصفها رئيس الحكومة جواد أبو حطب، بأنها "إعلان لمشروع إدلبستان كما فعلت قوات سوريا الديمقراطية في القامشلي وعفرين".

إذ لا يمكن لتركيا التحرك في سوريا إلا من خلال دعم دولي روسي أو أمريكي، إلا أن أنقرة على خلاف مع واشنطن بسبب تسليح أمريكا للأكراد في سوريا وعدم أخذ مخاوف تركيا في هذا السياق في الاعتبار، فيما وجدت تركيا في روسيا حليفًا قويًا بسبب امتلاكها ناصية القرار العسكري وقدرتها على ضبط الإيقاع والقوى التابعة لها، كما سمح لها التحالف مع روسيا بالحصول على حصة جغرافية مهمة في الشمال السوري، ومكنها ذلك أن تكون أحد الأطراف الفاعلة في الملف السوري إلى جانب إيران في محادثات أستانة السورية.  

أشار محللون أن القاموس الأمريكي الروسي لا يمكن أن تُمنح فيه تركيا بقعة جغرافية في الشمال السوري، حتى لا تصبح قوة ضاربة في الشمال الغربي من سوريا، وأن موسكو وواشنطن ليستا بصدد منح المحافظة للأتراك، بسبب موقعها الجغرافي وثقلها الديمغرافي ووزنها العسكري، وفي نفس الوقت ليس واردًا منح المحافظة لقوى معادية لتركيا مثل القوى الكردية. 

في الواقع فإن تركيا حددت أن الحدود السورية مهدد أمني لها، فهذا يعني أن سيطرة الأكراد على الحدود أو "هيئة تحرير الشام" يعد خطًا أحمر بالنسبة لها، فيما ستكون سيطرة أي قوة أخرى بالنسبة لها تحظى بقبول حتى لو كان من بينها النظام السوري. 

لم تعلن تركيا حتى الآن بشكل صريح أنها تنوي خوض عملية عسكرية في إدلب، وصرح بن علي بلدريم قبل أيام بعدم وجود نوايا لدى السلطات التركية بشن هجوم عسكري على المحافظة، في الوقت الذي تُجري تنسيقات مع إيران على منع "قوات سوريا الديمقطراية" من دخول محافظة إدلب، لذا قد يُرضي جميع الأطراف أن تُعطي المحافظة للنظام السوري، ومن بينها تركيا.

مناطق تخفيف التوتر في سوريا لا تعطي الشرعية على الإطلاق لأي وجود تركي على الأراضي السورية بالنسبة للنظام السوري.

مع ذلك لا تزال هناك مشكلة بالنسبة لواشنطن، فدخول النظام إلى إدلب يعني قبول واشنطن مشاركة القوى التابعة لإيران، وهو محل خلاف لدى واشنطن، وبالنسبة لتركيا فهي تدفع باتجاه تفعيل القوى المدنية المعارضة في إدلب وتفكيك "هيئة تحرير الشام" لإضعافها وسهولة القضاء عليها لتجنيب المحافظة أي عمل عسكري قد يؤدي لتكلفة إنسانية باهظة، وفي هذا السياق عقد قبل يومين "المؤتمر السوري العام" في إدلب وتم التوصل إلى تشكيل هيئة تأسيسية  لتشكيل حكومة جديدة، تتشكل في الداخل السوري على أن يتم تحديد مهام الهيئة بتسمية رئيس الحكومة والمصادقة على الوزارات وتشكيل لجنة لصياغة الدستور. 

هذه المخرجات ستضع الحكومة الجديدة في مواجهة الحكومة المؤقتة داخل سوريا، حيث رفضت الحكومة المؤقتة مخرجات المؤتمر ووصفها رئيس الحكومة جواد أبو حطب، بأنه "إعلان لمشروع إدلبستان كما فعلت قوات سوريا الديمقراطية في القامشلي وعفرين"، بالنسبة لتركيا ألا تكون جارتها أي من الوحدات الكردية أو هيئة تحرير الشام هي من الأمور المرفوضة وموجودة على سلم أولوياتها في الفترة القريبة القادمة بالتنسيق والتعاون مع روسيا وإيران، فأي وجود عسكري في سوريا لا بد أن يحدد بأيادي روسية وأمريكية.