وصلنا إلى الجزء الرابع من خماسية مدن الملح، الذي اختار له عبد الرحمن منيف اسم "المنبت"، وهذا الجزء أصغر أجزاء الرواية من حيث الحجم، وتغلب فيه النبرة الحزينة، لأنه زاخر بالمأسي والصدمات، فهو بمثابة حصاد لما زرع أبطال الرواية في الأجزاء السابقة من شرور وأخطاء.

أول ما خطر في ذهني عندما قرأت عنوان هذا الجزء "المنبت" هو حديث الرسول صلى الله عليه وسلم عن المنبت عندما قال "فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى"، وهذا الحديث هو توصيف مثالي لحالة الضياع الكامل، وبالفعل عندما فتحت الرواية وشرعت في قراءتها، وجدت أن الكاتب افتتح الرواية بهذا الحديث الشريف.

بدأ الكاتب أحداث هذا الجزء من حيث انتهت أحداث الجزء الثاني"الأخدود"، والتي تمثلت في انقلاب قام به الأمير فنر أخو السلطان خزعل، مستغلاً سفر الأخير إلى ألمانيا لقضاء شهر العسل مع زوجته الجديدة ابنة الحكيم الذي عشنا معه آخر أحداث الجزء الأول ومعظم الجزء الثاني.

صور لنا الكاتب حجم الظلم الذي وقع على الشعب على لسان السلطان خزعل في لحظة صدق مع نفسه، وهو يعدد ما يريد أن يفعله عندما يعود إلى سلطنة موران بعد أن يفرغ من قضاء إجازته، وذلك قبل أن يتم إخباره بتنحيته عن السلطة.

توقف عبد الرحمن منيف مع الصدمة التي شعر بها أتباع السلطان المخلوع الذين شعروا بالرعب لزوال قوتهم التي استخدموها في ظلم الناس

وجسد لنا ببراعة شديدة مشاعر السلطان عندما علم بما فعله شقيقه وأقرب أعوانه الذين اصطنعهم على عينه، فالسلطان لم يستطيع استيعاب أنه انتهى بهذه البساطة، وكيف ينتهى كل شيء هكذا فجأة؟ كيف نام عن هذه المؤامرات التي حيكت ضده ببراعة واقتدار؟ رغبته في الانتقام ممن ائتمنهم على ملكه وحياته تنغص عليه كل شيء، عطشه لدماء من تجرأ على نزع الملك من بين يديه يجعله في حالة جنون، لم يعتد أن يكون عاجزًا إلى هذه الدرجة، هذا العجز يحرجه، يجعله يخجل من مواجهة أقرب الناس إليه.

هذا بخلاف الغربة التي فرضت عليه فرضًا، ومما زاد الأمر سوءًا بوراق الأمل التي كانت تلمع من حين لآخر في إمكانية عودته إلى سلطته، وتلك الأخبار التي كانوا يخدعونه بها، جعلت من حياته جحيمًا، فاليأس إحدى الراحتين، اليأس يجعل الإنسان ينظر إلى  منفاه على أنه وطنه الجديد الذي سيعيش فيه كل حياته ويدفن فيه، وهنا يستطيع أن يعيش حياته كما يجب. فهذا الأمل كان يجعله ينظر إلى منفاه على أنه مكان مؤقت، لن يلبث فيه إلا قليلاً ريثما تستقر الأمور، هذا الشعور يفقد الإنسان كل شعور بالمتعة، يجعله ينظر إلى كل ما حوله نظرة مؤقتة، يترقب الأفق من حين لآخر ولا يلتفت إلى ما في يده فيغدو كل ما حوله مؤقتًا لا يستحق الاهتمام، فالمتعة والاهتمام سيأتيان عندما أعود، وهذا شعور المنفي.

توقف عبد الرحمن منيف مع الصدمة التي شعر بها أتباع السلطان المخلوع الذين شعروا بالرعب لزوال قوتهم التي استخدموها في ظلم الناس، والتحكم بمصائرهم وحيواتهم، هذه اللحظات التي يتذكر فيها الإنسان فجأة عدد الضحايا الذين لقوا حتفهم على يديه، أو دفنوا بجرة قلم زهرة شبابهم في غياهب القبور التي يطلق عليها سجون، في هذا الوقت فقط - وقت انتزاع السلطة - يستغرب الإنسان نفسه، لماذا كان بهذه القسوة، لماذا لم يرحم من وقع تحت يديه؟ لماذا؟ لماذا؟ أسئلة كثيرة غرق فيها أتباع السلطان.

الحكيم - صاحب الشخصية المليئة بالأوهام - طرد من موران بطريقة مهينة للغاية، بعد أن كان يرى نفسه من أهم رجال العالم

أما الشخصية الثانية التي دارت حولها أحداث هذا الجزء فهو الحكيم الدكتور صبحي المحملجي، والذي  طردته السلطة الجديدة من موران في الساعات الأولى من الانقلاب، وذلك لقربه الشديد من السلطان خزعل، ولسوء سمعته بين الناس حيث اشتهر بينهم بنهمه الشديد للمال، واستغلاله لنفوذه في الإثراء.

وطوال قراءتي لهذا الجزء كنت مصابًا بالحيرة عن المقصود بالمنبت، هل الحكيم أم السلطان خزعل؟ وهذه الحيرة تلازمك طوال الرواية، وإذا سلمنا أن كلاهما منبت فإني أرى أن الحكيم ينطبق عليه هذا الوصف بصورة أقوى، حيث إنه يعتبر صورة مجسده عن الحديث النبوي الذي أشرنا إليه في البداية.

فالحكيم - صاحب الشخصية المليئة بالأوهام - طرد من موران بطريقة مهينة للغاية، بعد أن كان يرى نفسه من أهم رجال العالم، وبعد أن ذهب إلى السلطان في منفاه، حاول أن يوجد فيه أي دور لنفسه، ولكنه سرعان ما فقد احترام وحب السلطان المخلوع الذي طلق ابنته بصورة مهينة، ليجد أن كل ما بناه في عالم السياسة يذهب أدراج الرياح.

أما على المستوى العائلي فقد اكتشف الحكيم أنه قد بنى أسرته على شفا جرف هار فانهارت عند أول عاصفة قابلتها، فزوجته لم تصبر على البقاء معه في منفاه فهربت وتركته، وابنه الأكبر تملص من المجئ إليه والاستجابة لأوهامه، وكان يتسول منه المكالمات التليفونية، أما ابنته التي طلقها السلطان فقد انتحرت، الأمر الذي قضى على ما تبقى من قواه العقلية.

إذًا فكل ما بناه الحكيم طوال السنوات التي عاشها في سلطنة موران ضاع، فلا أسرة قوية أسس، ولا مجدًا سياسيًا أبقى. فلنر ما سيفاجئنا به عبدالرحمن منيف في الجزء الخامس والأخير من خماسيته "مدن الملح".