جنايات متتالية يرتكبها مشايخ أزهريون في حق الأزهر الشريف، ذلك الصرح الديني العريق الذي له تاريخه وجذوره الممتدة في الوعي الديني والحضاري، فقد ساهم، بفضل سعة علومه وتفاني مشايخه في أن يفقه المسلمون دينهم ويفهموا أوامره ونواهيه وبجهود المخلصين من طلابه، في انتشار الإسلام وتعاليمه السمحة في أرجاء المعمورة.

فبين فينة وأخرى يخرج علينا شيخ أزهري بفتوى لا العقل يستسيغها ولا الأخلاق تستوعبها، كتلك التي أجازت للزوج معاشرة زوجته الميتة! أو تلك التي أباحت وطء البهائم! ولم يتوقف ذلك عند حدود الفتوى بل تعداها بعض مشايخه، فشبهوا القادة والساسة بالأنبياء والصحابة في تملق واضح لأصحاب السيادة، كل ذلك على ما فيه من إساءة واستهزاء واستصغار لهيبة الأزهر والدين الإسلامي، يمكن أن يبرره البعض من زاوية الاجتهاد الفقهي أو درء الشبهات ووأد الفتن، غير أن بعض السقطات لا يمكن تبريرها، منها ما قام به شيخ أزهري من غناء مقطع من أغنية لأم كلثوم في أثناء استضافته في إحدى الفضائيات!

بالتأكيد ليس هناك مانع من أن يستمع أو يغني شيخ أزهري لأم كلثوم أو لغيرها، وليس على مشايخ الأزهر حرج لو فعلوا أكثر من ذلك من صغائر المعاصي أو كبائرها شريطة أن يكون ذلك بصفتهم الشخصية  وفي حدودها فما من أحد معصوم، لكن الحرج كله في أن تصدر عنهم هذه التصرفات الرعناء واللامسؤولة بصفتهم مشايخ أزهريين وبثوب الأزهر الذي له هيبته ومكانته ووقاره، إذ إنهم بأفعالهم هذه يحطمون هيبة المؤسسات الدينية وينزعون وقارها وقيمتها من قلوب الناس وأفئدتهم، ويمنحون المتربصين والمشككين فرصة التجرؤ على الإسلام ومؤسساته وقاماته.

لم تجد هذه العينة من المشايخ من يردعها ويلزمها بالصواب، ولم يجد الأزهر الشريف من يدافع عنه ويحمي كيانه من شطحاتهم

لا يمكن الجزم بأن هؤلاء المشايخ حين يتنافسون على الظهور في وسائل الإعلام، ضيوفًا في برامج لا تليق بشيخ أزهري ليسيئوا للأزهر بفتاويهم العقيمة وتصرفاتهم الشنيعة، يحصلون على جزيل شكر أو كثير عطاء أو أنهم يقلدون مناصب عالية ورفيعة في الدولة، بل هم على أغلب الظن يتطوعون لهذا تطوعًا ويتهافتون إلى هذه المهزلة من تلقاء أنفسهم، فقد أصابهم على ما يبدو مرض إرضاء الحكام وشهوة البروز عبر وسائل الإعلام.

وللأسف، لم تجد هذه العينة من المشايخ من يردعها ويلزمها بالصواب، ولم يجد الأزهر الشريف من يدافع عنه ويحمي كيانه من شطحاتهم، فقد ابتلي هو الآخر بإدارة ضعيفة ومتواطئة لا تفتح فمها إلا في رضى السلطات.

في ظل هذا التهافت المستمر لا بد من حجب البلهاء والسفهاء عن التخصص في العلوم الدينية وارتياد الأزهر الشريف، وضرورة أن يقبل في هكذا تخصصات أوائل الطلبة وعقلاؤهم ومبدعوهم من أصحاب النفوس المستقيمة والأخلاق الحميدة، وألا تترك المنابر الدينية والإعلامية مشاعًا يعتليها كل من هب ودب من مرتدي الجبّة والقفطان، ليساهم ذلك في الحد من هذا التهاوي والانحدار، فمن المستحيل أن يصعد بهذا الدين ضعاف النفوس وفقراء الأفهام.