بدأت المرأة السعودية حراكها الواقعي لقيادة السيارة عام 1990حينما قررت 47 سيدةً قيادة سياراتهن في شوارع السعودية، في أول تحرك جماعي لنيل حقهن الطبيعي في قيادة السيارات، إلا أن رد السلطة السعودية التي كانت منهمكة في حرب الخليج الثانية، كان غير مفاجئ. حيث تقول حصة آل الشيخ وعائشة محمد المانع في كتابهما "السادس من نوفمبر المرأة وقيادة السيارة 1990" إن القوات الأمنية اعترضت المسيرة واقتادتهن إلى قسم شرطة السليمانية، إلا أنهن رفضن النزول من السيارات إلا بعد لقاء الأمير سلمان بن عبد العزيز أمير منطقة الرياض حين ذاك، إلا أن الضابط كانت لديه معلومات مشددة تقضي بتوقيف الجميع والتحقيق معهن. تضيف الكاتبتين في كتابهما، أن السيدات تم تهديدهن من قبل رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالضرب والقتل والفضيحة! وتسهب الكاتبتين في وصف الحملة الشرسة التي تعرضن لها والتشويه والسب والقذف والوصف بالإلحاد والكفر، ونشرت هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قائمة بأسماء الناشطات تشهيرًا بهن، كما نشرت جامعاتهن بياناتٍ تتبرأ فيها من هذه الفعلة الشنيعة! أنصحكم بقراءة الكتاب وستجدونه متاحًا على الإنترنت، للاطلاع على معلومات أكثر.

إلى الملك هذه المرة، ففي عام 2009، رفعت الناشطتان وجيهة الحويدر وابتهال المبارك، عريضة إلى الملك مطالبتين فيها بالسماح للمرأة بالقيادة، لكن أحدًا لم يجب على مطلبهن، ليعاد فتح الباب مرة أخرى، مع ثورات الربيع العربي، التي ألهمت بكل تأكيد كل شعوب المنطقة بالحرية. حيث انطلقت حملة "سأقود سيارتي بنفسي"، وحققت الحملة نجاحًا واسعًا، كما ردت السلطات بإيقاف منال الشريف، لتسجن ويشهر بها في الإعلام، ووجِهت إليها تهمة إخلال النظام خلال التحقيقات، هذه التهمة الجاهزة، فالمفاجأة لمن يبحث في هذا الأمر سيجد أن القانون السعودي لا يمنع قيادة المرأة للسيارة، ولا توجد تهمة بالقانون اسمها قيادة سيارة، بل تهمة فضفاضة تفصّل على مقاس كل ناشط، تحت اسم الإخلال بالنظام والخروج على القواعد المجتمعية.

 استيقظ العالم قبل أن ينام ليلة الأربعاء على القرار الملكي بالسماح للمرأة بقيادة سيارتها واستخراج رخصة قيادة سعودية

حراكٌ جديد، بدأه النشطاء مرة أخرى في الـ26 من أكتوبر عام 2013 للتأكيد على مطالب القيادة، وسدًا للأصوات القائلة إن قيادة المرأة يخدش الحياء العام، نشرت الحملة مقاطع لسيدات يقدن وهن يغطين كل جسدهن عدا العينين، وأعيد إحياء الحملة عام 2014، إلا أن السلطات سعت لإنهائها قبل بدايتها، حيث جرت تحذيرات وفتاوى وتحريض إعلامي على المشاركين، وألقي القبض على عدد منهم.

عهدٌ جديد.

 استيقظ العالم قبل أن ينام ليلة الأربعاء على القرار الملكي بالسماح للمرأة بقيادة سيارتها واستخراج رخصة قيادة سعودية، وانتفض تويتر فرحًا بقرار الملك الحكيم، كما انهمك شيوخ السعودية في إيجاد تبريرات للقفز على كل الفتاوى القديمة التي عانى منها المجتمع السعودي لعقود، وتناست هيئة كبار العلماء كل فتاويها السابقة عن حرمة القيادة وتناسى نجوم الإعلام المدعومين من السلطة الأبحاث الغريبة التي أعلنوها وهي أن القيادة تسبب مشاكل صحية بالحوض ومشاكل في التبويض.

بعد القرار وقف مندوب المملكة لدى الأمم المتحدة، ليعلن للعالم أن السعودية سمحت للمرأة بقيادة السيارة، لينظر الحاضرون لبعضهم البعض في اندهاش ودون تفاعل مع الحدث المهم، ليبدأ السفير نفسه بالتصفيق لدولته فيصفق الحاضرون حتى لا يحرجوه.

 إننا وفي عام 2017 إذ نحتفل بالسماح للمرأة بالقيادة، هو أمر غاية في البؤس، فنيل المرأة السعودية لحقوقها ليس تفضلًا من ولي العهد الجديد، الذي قدم نفسه كوجه جديد للدولة السعودية التي تنعدم فيها أي وسيلة للتعبير عن الرأي وتراقب فيها كل وسائل الاتصالات وتُحجب فيها المواقع ويجرم قانونها أي تجمعٍ للتعبير عن الرأي، حتى لو كان لا يتنافى مع الموقف الرسمي للدولة.

لا ننكر أن هذا يوم فرح للمرأة السعودية أن نالت أحد حقوقها البسيطة، التي عانت طويلًا لنيله واستبسلت لانتزاعه من أروقة الحكم الملكية.

إننا وإذ نتحدث عن تحديثٍ للمملكة يقوده ولي العهد الحديث العهد بالسياسة، يجب علينا ألا نغفل ما يرتكبه التحالف الذي أعلن ابن سلمان قيادته له في اليمن من جرائم، إذ يعاني اليمن من تدمير للبنية التحتية وتجويع للأطفال وانتشارٍ للأوبئة والأمراض ولا تتوقف الاستغاثات الدولية التي تحاول الحد من انتشار وباء الكوليرا الذي يفتك بأطفال اليمن الذي يعانون من مجاعةٍ نتيجة سوء التغذية أو انعدامها.

الحقوق المدنية والحريات الشخصية لا يمكن الفصل بينها وبين الحريات السياسية والحقوق الاجتماعية والاقتصادية، لا يقود التحديث السطحي إلا لمزيدٍ من القمع مع مسحةٍ علمانية كما في الإمارات، بعد أن أزاح ابن سلمان المسحة الدينية التي تغلف بها قمع آل سعود لسنوات.