لم تمضِ سوى أيام قليلة على انتهاء اجتماعات أستانة 6 والتي قررت ضم محافظة إدلب إلى اتفاقية خفض التصعيد، حتى تفاجئ السوريون بحملة جوية واسعة للطيران الروسي الذي استهدف العشرات من مدن وبلدات الشمال السوري المحرر، موقعاً العديد من الضحايا في صفوف المدنيين بينهم نساء وأطفال ومدمراً المستشفيات والمدارس ومراكز الدفاع المدني.

وتبرر روسيا وهي إحدى الجهات الضامنة لاتفاق خفض التصعيد حملتها العسكرية والتي بدأتها في 18 أيلول/ سبتمبر 2017، بأنها جاءت رداً على المعركة التي أطلقتها هيئة تحرير الشام وفصائل الثوار في ريف حماة الشمالي، حيث اتهم الروس الهيئة باستهداف اجتماع عسكري لعناصرها والتسبب بمقتل 5 من قاداتها العسكريين.

وقد تعمد الطيران الروسي من خلال حملته أيضاً، استهداف فصيل فيلق الشام والذي له تمثيل في مؤتمر أستانة حيث تم قصف عدة مواقع للفيلق مما أوقع العشرات من القتلى في صفوفه وسط معلومات تؤكد أن الفيلق قد سلم إحداثيات عن مواقعه العسكرية لتجنيبها القصف في ظل نية الطيران الحربي الروسي استهداف فصيل تحرير الشام المصنف كفصيل إرهابي عند الروس والأتراك والأمريكان.

وقد بدأت الطائرات الروسية حملتها على بلدات وقرى ريف حماة الشمالي القريبة من المعركة ثم توسعت لتصل ريف إدلب الشمالي وريف حلب الغربي ما جعل أجواء الرعب تخيم على كامل المنطقة من جديد بعد أن أحس الناس بالأمن والأمان مع توقف القصف لأكثر من أربعة أشهر وفق اتفاق خفض التصعيد والذي دخل حيز التنفيذ أول شهر أيار/مايو 2017.

القصف الروسي الذي جاء رداً على معركة حماة، لم يتوقف رغم توقف المعركة

واللافت للنظر أن القصف الروسي الذي جاء رداً على معركة حماة، لم يتوقف رغم توقف المعركة، بل على العكس ازدادت وتيرته وتوسعت المناطق المستهدفة لتصل لأكثر من 150 منطقة مختلفة توزعت بين محافظات حلب وإدلب وحماة واللاذقية، ورافق الحملة الجوية الروسية قصف مدفعي من قبل قوات النظام والتي استهدفت لمرات عدة مدينة بداما في ريف إدلب الغربي.

فما السر وراء هذه الحملة وما الهدف الحقيقي من التصعيد الروسي والذي الأصل فيه أن يكون له دور الضامن والمحافظ على صمود الاتفاق؟

ولعل النظر في مخرجات الجولة السادسة من مؤتمر الأستانة يعطينا إجابات على هذه التساؤلات، فقد اتفقت الدول الراعية للمؤتمر وهي كل من روسيا وإيران وتركيا على ضم محافظة إدلب ومناطق من ريف حلب إلى اتفاق خفض التصعيد وتم الاتفاق على نشر 1500 مراقب من دول (تركيا وروسيا وإيران) ضمن المنطقة وهدفهم "منع وقوع اشتباكات بين قوات النظام والمعارضة أو أي انتهاك للهدنة" حسب بيان وزارة الخارجية التركية بُعيد المؤتمر.

وقد لاقت فكرة إدخال قوات روسية وإيرانية مع القوات التركية رفضاً من الشارع السوري وقوات المعارضة، التي تعتبر الروس والإيرانيين أعداء للثورة مع تقبلها لفكرة التواجد التركي في إدلب، وهو ما دفع كلاً من الرائد ياسر عبد الرحيم والسيد مصطفى السيجري واللذان حضرا مؤتمر الأستانة، لبيان أنه لن يدخل إدلب إلا قوات تركية مع نفيهم القاطع لدخول أي قوات روسية أو إيرانية.

رفض الشارع السوري لدخول قوات روسية وإيرانية قد يكون من أسباب الحملة الجوية

هذا الموقف الرافض لدخول الروس وحلفائهم الإيرانيين لعله كان من أسباب الغضب الروسي وحملة سلاحه الجوي البربرية التي قتلت النساء والأطفال ودمرت المدارس والمرافق الحيوية ولعل أبلغ تعبير عن هذا العداء والمحاولة المستميتة لإخماد جذوة ثورة الشعب السوري ما صرح به رئيس الوفد الروسي بأستانة حيث قال: "بعد خفض التصعيد والقضاء على الإرهابيين، سنحارب التنظيمات التي كان هدفها الإطاحة بالحكومة السورية!".

إذن هي محاولة لإخضاع الشعب السوري وكسر شوكة المعارضين للنظام لأن يقبلوا بكل شيء تريد فرضه روسيا، متناسين أن 6 سنوات من القصف المستمر لم تثنِ الشعب السوري المقاوم عن الاستمرار بالثورة، وما زالت حناجرهم تصدع بإسقاط النظام وحلفائه الروس والإيرانيين بل الأمريكيين الذين تبين بوضوح أنهم واقفون في صف نظام الأسد يحاولون إنقاذه بشتى الطرق والوسائل.

من ناحية أخرى قد تكون هذه الحملة الجوية العنيفة تهدف إلى التمهيد لدخول قوات تركية إلى محافظة إدلب وعزل هيئة تحرير الشام التي تعالت أصوات الشارع السوري باتهامها بالتسبب بالقصف وزيادة معاناة المدنيين، وهذا الاحتمال لعله الأرجح مع وجود تجربة مناطق درع الفرات، فبعد أن ضاقت السبل بالأهالي هناك مع تقدم تنظيم الدولة ووصوله إلى مشارف مدينة اعزاز شمال حلب، دخلت القوات التركية إلى مدينة جرابلس ودحرت التنظيم بالتعاون مع فصائل المعارضة، حتى استطاعت فرض نوع من الوصاية على المنطقة مع منع الفصائل بأن تقوم بأي عمل عسكري بشكل منفرد سواءً باتجاه القوات الكردية أو قوات النظام المتمركزة شمال أو شرق حلب.

وهذا السيناريو يتم الآن استنساخه في إدلب بهدف فرض اتفاق خفض التصعيد وإنهاء أي عمل عسكري ضد قوات النظام تمهيداً لحل سياسي اتفقت عليه الدول الضامنة في ظل غياب أي إرادة لأطراف الصراع سواءً النظام السوري أو فصائل المعارضة التي لم تعد سوى جهات خاضعة لقرارات الخارج في ظل استمرار مأساة الشعب السوري الذي ما زال يبحث عن حل يحفظ له أمنه وكرامته وحقه في العيش الكريم