بغداد وتركيا تنويان محاصرة أربيل نفطيًا عبر السيطرة على نفط كركوك

تعتمد وزارة النفط العراقية فتح خط أنابيب نفط قديم يصل العراق بتركيا لتصدير النفط عبره إلى موانئ البحر المتوسط من تركيا متجاوزة بذلك الخط الذي تديره حكومة إقليم كردستان العراق، والذي تصدر عبره إلى تركيا قرابة ربع مليون برميل نفط يوميًا. 

وقد طلب وزير النفط العراقي، جبار اللعيبي، من شركة نفط الشمال المملوكة للدولة -التي تتولى تشغيل حقول كركوك- وشركتي المشاريع النفطية وخطوط الأنابيب الحكومية بالبدء في "عملية إصلاح وتأهيل شاملة وعاجلة لشبكة الأنابيب الناقلة للنفط الخام من حقول كركوك إلى ميناء جيهان التركي".

بغداد تحاصر كردستان العراق 

تحركت العراق بالتعاون والتنسيق مع تركيا متذرعة بتعزيز صادراتها النفطية ولكن الحقيقة تكمن في ردها على الاستفتاء الكردي الذي أجري في 25 سبتمبر/أيلول الماضي من جهة أخرى، إذ لا يمكن قراءة هذه الخطوة في هذا التوقيت والظرف إلا من خلال الأزمة الراهنة بين بغداد وأربيل على انفصال الإقليم عن العراق وعلى قضية نفط كركوك. 

حيث تأتي هذه التحركات غداة طلب الحكومة العراقية قبل أيام من تركيا وإيران بإيقاف جميع التعاملات التجارية، خصوصًا المتعلقة بتصدير النفط، مع إقليم كردستان. وذكر بيان صادر عن وزارة النفط، أن اللعيبي استقبل يوم الإثنين الماضي السفير التركي في بغداد، فاتح يلدز، أكد فيه الأخير حصر التعاملات النفطية مع الحكومة العراقية. ويأمل العراق من هذه الخطوة استعادة طاقته التصديرية السابقة من المنفذ الشمالي والمتوقفة حاليًا والتي كانت تتراوح بين 250 و 400 ألف برميل يوميًا، وعلى حد زعم الوزارة فإنها تهدف الى زيادة الصادرات عبر خط الأنابيب إلى 400 ألف برميل يوميًا. 

قبل ضم كركوك في 2014، لم تكن حكومة كردستان تسيطر سوى على 6% من احتياطيات العراق، وفق الاتفاق مع بغداد الذي جرى في 2005

وزير النفط العراقي، اللعيبي، شدد على أهمية تعزيز وتوسيع العلاقات الثنائية بين العراق وتركيا بما يعزز توسيع حجم التعاون الثنائي بين البلدين الجارين، وفي إطار جهود الدولتين بعد التقارب الحاصل بينهما على عدة أصعدة لمواجهة انفصال كردستان عن العراق.

من جهته أكد المتحدث باسم الوزارة، عاصم جهاد، أن وزير النفط أوعز إلى الشركات المذكورة بالإسراع بتنفيذ مشروع إعادة تأهيل شبكة الأنابيب النفطية الناقلة للنفط الخام بعد الانتصارات التي حققتها القوات العراقية وتحرير المدن في محافظات كركوك وصلاح الدين ونينوى والتي تعرضت فيها هذه الأنابيب خلال فترة سيطرة تنظيم "داعش" على بعض المدن في شمال البلاد لعمليات تخريبية منظمة كانت تهدف لاستنزاف الاقتصاد الوطني عبر سرقة النفط الخام وإلحاق الأضرار بالمنشآت النفطية والحقول النفطية. 

يُذكر أن ضخ النفط الخام عبر الخط المملوك لبغداد كركوك - جيهان توقف منذ صيف 2014، عندما اجتاح تنظيم "داعش" شمالي وغربي البلاد وسيطر على مساحة واسعة واضطرت الحكومة العراقية إلى فتح معركة بالتعاون مع التحالف الدولي لطرد "داعش" من تلك المناطق. وفي تلك الأثناء استغلت القوات الكردية انهيار القوات الاتحادية العراقية في 2014 خلال الهجوم الواسع لتنظيم "داعش" على جنوب وغرب العراق وفرار القوات العراقية، لتتحول بعدها إلى منطقة نزاع مع الحكومة المركزية في بغداد، بعد فرض القوات الكردية سيطرتها بشكل كامل على مدينة كركوك الغنية بالنفط وتحويل مسار الأنابيب النفطية إلى داخل إقليم كردستان وتباشر بالتصدير بدون موافقة بغداد.

إصلاح الأنبوب الآن حركة سياسية أكثر منها اقتصادية، فهي تأتي بهدف إيقاف تصدير النفط عبر خطوط النفط المارة بإقليم كردستان العراق، إلى ميناء جيهان التركي، وهذا كفيل بخنق الإقليم الذي يعتمد على إيرادات النفط بشكل كبير.

وقد عزمت حكومة حيدر العبادي على إعادة السيطرة على حقول النفط في كركوك وانتزاعها من السيطرة الكردية، وبالأخص بعد الاستفتاء الذي أجراه الإقليم وأقر فيه بانفصاله عن العراق، وتطالب بعض الأوساط النيابية الشيعية في البرلمان العراقي، حكومة العبادي باستعادتها حتى "لو اقتضى الأمر استخدام القوة"، إلا أن رئيس الوزراء يشدد دائمًا على استعادتها وفق القانون.

وصوت البرلمان العراقي بعد الاستتفاء على دعوة الحكومة العراقية المركزية، لإعادة حقول النفط في المناطق المتنازع عليها بحيث تبقى تحت إشراف وسيطرة وزارة النفط العراقية، وصرح مصدر نيابي أن البرلمان قرر منع الشركات بمام فيها النفطية من العمل في المناطق المتنازع عليها، في إشارة إلى كركوك. 

طريق الأنبوب الذي تنوي الحكومة العراقية إصلاحه وإعادة تشغيله 

وفي هذا السياق، أكدت حكومة كردستان العراق اليوم الجمعة أن بغداد تقوم بحشد قواتها لاستعادة حقول النفط في منطقة كركوك بالقوة. وتأتي هذه الاتهامات بعد ان أقدمت قوات "البشمركة" على إغلاق الطرقات الرئيسية التي تربط إقليم كردستان بمحافظة الموصل شمال العراق لفترة وجيزة إثر مخاوفها من هجوم محتمل. وكان رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي نفى أمس الخميس أي استعدادات لشن هجوم ضد مواقع كردية التي أكدت أنها رصدت تحركات عسكرية قرب المناطق المتنازع عليها بين بغداد وأربيل.

وأكد مجلس أمن حكومة كردستان العراق أعلى سلطة أمنية في الإقليم "نشعر بالقلق من تحشيدات عسكرية عراقية وقوات للحشد الشعبي في بشير وتازه بجنوب كركوك مع دبابات ومدفعية ثقيلة وآليات هامفي ومدفعيان هاون". وأضافت السلطات الكردية أن "هذه القوات تتمركز على بعد ثلاثة كيلومترات عن خط جبهة البشمركة (المقاتلون الاكراد) وأجهزة استخباراتنا تشير الى الغاية هي السيطرة على آبار النفط القريبة وعلى المطار والقاعدة العسكرية".

من شأن انتزاع بغداد لنفط كركوك، وإغلاق صنبور تدفق النفط من قبل أنقرة أن يضع الإقليم في عزلة عن الأسواق العالمية، ويبدد حلم الطفرة النفطية للدولة الوليدة.

محللون فسروا إصلاح الأنبوب الآن بأنه حركة سياسية أكثر منها اقتصادية، فهي وكما وصف مراقبون تأتي بهدف إيقاف تصدير النفط عبر خطوط النفط المارة بإقليم كردستان العراق، إلى ميناء جيهان التركي، وهذا كفيل بخنق الإقليم الذي يعتمد على إيرادات النفط بشكل كبير حيث يصدر قرابة ربع مليون برميل نفط يوميًا من نفط كركوك والحقول الموجودة في الإقليم إلى تركيا، وجاءت هذه الحركة أيضًا بدافع من تركيا التي تحتاج تشغيل هذا الخط وربما أكثر من بغداد نفسها، فمن غير المتوقع أن تقوم تركيا بإغلاق صنبور النفط مع إقليم كردستان العراق، ما لم يتم إصلاح الأنبوب التابع للحكومة العراقية، لأن هذا من شأنه أن يلحق أضرار جسيمة لتركيا. 

ورأى البعض في هذه الخطوة بأنها لا تتعلق بزيادة صادرات النفط إلى تركيا من قبل بغداد وحسب، بل هي تستهدف "أس المشكلة" بين بغداد والإقليم المتمثلة بنفط كركوك. وربما رأت الحكومة أن هذا الوقت مثالي لتطبيق هذه الخطوة بعدما أقدمت عليه أربيل من تنظيم للاستفتاء ونية بالانفصال عن العراق.

خارطة النفط العراقية

الأنبوب الذي تنوي الحكومة العراقية إصلاحه لا يمر عبر أراضي الإقليم، حيث يبدأ من حقول كركوك ويمر بمنطقة صغيرة قرب قضاء الشرقاط ويسير باتجاه الجانب الغربي لسدة الموصل ونهر دجلة، لأن حدود الإقليم تنتهي عند الساحل الشرقي للنهر، ثم يصل إلى زمار وفيشخابور ومنها إلى تركيا. ويشار أن تلك الأنابيب، لا تنقل النفط إلى ميناء جيهان من حقول كركوك فقط، إنما أيضا من الحقول النفطية المختلفة في صلاح الدين ونينوى.

يقدر الاحتياطي النفطي الموجود في حقول النفط الوسطى والشمالية والتي تتركز في كركوك بحوالي 13 مليار برميل، أي أنه يشكل حوالي 12% من إجمالي الاحتياطي العراقي من النفط. ويعد حقل كركوك النفطي خامس أكبر حقل في العالم من حيث السعة وهو عبارة عن هضبة يقطعها نهر الزاب الصغير ويبلغ طولها حوالي 96.5 كم في عرض يبلغ حوالي أربعة كم. ويتراوح عمق آبار حقل كركوك بين 450 مترًا إلى 900 متر. ومعدل إنتاج البئر الواحدة 35 ألف برميل يوميًا.

يأمل العراق من هذه الخطوة استعادة طاقته التصديرية السابقة من المنفذ الشمالي والمتوقفة حاليًا والتي كانت تتراوح بين 250 و 400 ألف برميل يوميًا.

فيما يحتوي إقليم كردستان على 5 حقول نفطية من ضمنها قبة خرمالة التي هي الامتداد الشمالي لحقل كركوك، وهذه الحقول تحوي 3.16 مليار برميل، بطاقة إنتاجية تخمينية قدرها 375 ألف برميل يومياً، اي أن الاحتياطي النفطي المعروف حاليًا في كردستان يمثل حوالي 3% من مجموع الاحتياطي النفطي العراقي.

وهناك حقول النفط الجنوبية الرئيسية، والمقصود بها تلك الحقول القابعة في محافظة البصرة حيث يوجد فيها 15 حقلا، حيث تحتوي احتياطيًا نفطيًا يقدر بأكثر من 65 مليار برميل، أي نسبة 59% تقريبًا من إجمالي الاحتياطي النفطي العراقي. ويشكل الاحتياطي النفطي لمحافظات البصرة وميسان وذي قار مجتمعة حوالي 80 مليار برميل، أي نسبة 71% من مجموع الاحتياطي العراقي.

يُذكر أن وزارة النفط العراقية، أصدرت مطلع الشهر الجاري بيان جاء فيه إن متوسط صادرات البلاد من الخام ارتفعت إلى 3.240 ملايين برميل يوميًا في سبتمبر/أيلول الماضي مرتفعة من 3.216 ملايين برميل يوميا في أغسطس/آب. وذكرت الوزارة في بيانها أن جميع كميات النفط المصدرة في سبتمبر/أيلول جاءت من الحقول الجنوبية، وجرى تصديرها من موانئ الجنوب على الخليج. وأضاف البيان أن متوسط سعر البيع في سبتمبر/أيلول الماضي بلغ 50.23 دولار للبرميل مقارنة مع 46.22 دولار للبرميل في الشهر السابق، لتصل الإيرادات إلى 4.9 مليار دولار.

بعد سيطرة أربيل على نفط كركوك بات الإقليم ينتج ما يصل إلى 600 ألف برميل من النفط يوميًا، قرابة الثلثين من حقول كركوك الغنية، وهذه المستويات من شأنها أن تضع الدولة الوليدة في مصاف أعضاء في "أوبك" كالإكوادور وقطر وقد تتخطى نيجيريا من حيث حجم الإحتياطي النفطي، ومن شأنها أيضًا أن تحظى بأهمية استراتيجية بالغة بفضل هذه الثروة والإيرادات وتجذب الشركات الأجنبية للاستثمار بهذا القطاع تفيد بالمحصلة اقتصاد الإقليم. 

وكانت سلطات إقليم كردستان قد أعلنت أن المنطقة التي تقع تحت إدارتها تطفو فوق احتياطيات نفطية تقدر بـ 45 مليار برميل من الخام، وهو ما يقارب ثلث احتياطيات العراق ثاني منتج للنفط الخام في منظمة "أوبك"، والتي تبلغ 142.5 مليار برميل، بحسب بيانات المنظمة.

يحتوي إقليم كردستان على 5 حقول نفطية من ضمنها قبة خرمالة التي هي الامتداد الشمالي لحقل كركوك، وهذه الحقول تحوي 3.16 مليار برميل.

وقبل ضم كركوك في 2014، لم تكن حكومة كردستان تسيطر سوى على 6% من احتياطيات العراق، وفق الاتفاق مع بغداد الذي جرى في 2005، فيما يتركز أكثر من 70% من الثروة النفطية العراقية جنوب البلاد، أما النسبة المتبقية فتكتنزها كركوك ومحيطها. من شأن انتزاع بغداد لنفط كركوك، وإغلاق صنبور تدفق النفط من قبل أنقرة أن يضع الإقليم في عزلة عن الأسواق العالمية، ويبدد حلم الطفرة النفطية للدولة الوليدة.

والأهم من هذا أنه سينجم عنها إخلال بالتزامات أربيل بسداد مستحقات الشركات الأجنبية، حيث كانت حكومة إقليم كردستان قد بثت تطمينات لشركات الطاقة العاملة في المنطقة، من خلال سداد أو إعادة هيكلة الديون والمدفوعات المستحقة للشركات الأجنبية التي تبلغ قيمتها أكثر من 3 مليارات دولار.