بحصولك على المال فالشيء الوحيد الذي ستقوم به هو أن تنفق (تخسر) ذلك المال

فاز بجائزة نوبل يوم الإثنين الماضي ريتشارد ثالر Richard Thaler وهو أستاذ علم الاقتصاد السلوكي بجامعة شيكاغو، في ربيعه الـ72، وقد سبق له أن ظهر في فيلم The Big Shortبلقطة يتحدث فيها مع المغنية سيلينا غوميز عن انهيار السوق، غير أن شهرة وتأثير ثالر جاءت عبر كتاب أصدره سنة 2008 بمشاركة الأستاذ كاس بي سانستين، وأطلقا عليه Nudge "نغزة" وقد حقق أعلى المبيعات، بما في ذلك إشادة إدارة أوباما بأفكار الكتاب، حتى إن الحكومة البريطانية أسست وحدة اقتصادية - بعد عام من صدور الكتاب - بنفس عنوان الكتاب.

الناس يفكرون في تجنب الخسارة أكثر مما يهتمون بتحقيق الأرباح

ما هذه النغزة؟ لنفترض مثلاً أنك تمشي مع صديق لك في الطريق وإذا بك تلاحظ أن هناك حفرة أمامه ولكنه يبدو غافلاً عن رؤيتها (بسبب سهوه) الأمر الذي قد يؤدي لأذيته، بالطبع ستقوم بوكزه (نغزه) لكي ينتبه لها. نفس الأمر ينطبق على الاقتصاد السلوكي لدى ثالر الذي يرى أن الناس - وبعكس ما كان سائدًا في علم الاقتصاد - حينما تتعلق أمورهم بالمال فإنهم لا يتصرفون بعقلانية! أي أنه بحصولك على المال فالشيء الوحيد الذي ستقوم به أن تنفق (تخسر) ذلك المال، هنا يبرز مفهوم النغزة، فقد سبق لثالر أن نصح موظفين في شركة بأن يتعلموا تخصيص جزء معين من رواتبهم دون لمسها لأجل المستقبل، مع علمه بأنهم لن يفعلوا ذلك لأن الإنسان يستهويه إنفاق المال والعيش بعدها في أحلام اليقظة، بعد 4 سنوات، الموظفون الذين عملوا بنصيحته وجدوا أن مدخراتهم مضاعفة بأربع مرات مقارنة بالموظفين الآخرين.



السؤال هنا هو: إذا كنت أخسر أموالي ولا أعرف كيف استثمرها (فهذا علم الاقتصاد) فمن سيقوم بنغزة لتنبيهي؟ لثالر مفهوم توسعي يطلق عليه "الأبوية الحرة"، ينطلق هذا المفهوم من الذات - بالمبادرة في التفكير في هذه المسائل - وإفادة المقربين، أيضًا بالنسبة للمثقفين الاقتصاديين ودورهم المساعد في تبسيط مفاهيم الاقتصاد، إلى أن نصل للسلطة (الدولة). فإذا كانت إدارة الدولة غبية أو جاهلة فهذه مصيبة كبيرة! فهنا الإدارة تصبح معنية بمبدأ يطلق عليه ثالر "هندسة الاختيار" أي أن تقوم الإدارة بوكز/نغز/تنبيه الناس المنضوين تحت إدارتها - أكانت مقاولة/شركة متفرعة/دولة - وذلك بالعمل على تحفيز السلوكيات التي تعود بالربح والنفع على هؤلاء الناس، لأن الناس يفكرون في تجنب الخسارة أكثر مما يهتمون بتحقيق الأرباح (أي الاستثمار وهو شيء جد مهم) وبالمجمل يخسرون أموالهم، لأن المال يحفز الإنسان على القيام بتضييعه، والكارثة عندما تتم خسارة المال على شيء عبثي لا أنت تستفيد منه ولا هو يصلح لإعادة بيعه.



نوبل الاقتصاد لهذه السنة، تشجيع لهذه الرؤية التي تجمع بين علم النفس (الدوافع) وعلم الاقتصاد (المنفعة)، وتدمجهما معًا حتى تتمكن الإدارات - صغيرة كانت أم كبيرة - من تطوير دوافع نفعية تخدم الأفراد دون سيطرة عليهم، بل بمجرد "نغزة" تنبيهية، يساهم عبرها الجميع في إنعاش الاقتصاد.