ترجمة وتحرير: نون بوست

يوافق اليوم الأحد، تاريخ الانتخابات البرلمانية في النمسا، ومن المتوقع أن تُحدث استطلاعات الرأي زلزالا على الساحة السياسية. فوفقا للاستطلاعات الأخيرة، من المحتمل أن يشهد الديمقراطيون الاشتراكيون انهيارا سيؤدي بهم إلى فقدان الحكومة. في المقابل، من المحتمل أن يفوز المحافظون في الانتخابات البرلمانية، الحزب الذي يقوده سيباستيان كورتس، وهو شاب طموح ناشئ يبلغ من العمر 31 سنة.

في الواقع، لطالما عرف هذا الشاب بعلاقته بقضايا الهجرة، كما يعتبر من بين السياسيين الذين يفضلون إيجاد اتفاق مع اليمين المتطرف لدعم وزارة الخارجية، بدلا من إعادة تعديل تشكيل ائتلاف واسع. وهذا من شأنه أن يهدد النظام التوافقي النمساوي التقليدي.

من جهة أخرى، عززت استطلاعات الرأي الحديثة اتجاهاتها خلال الأشهر الأخيرة. فمن الواضح أن حزب الشعب النمساوي، التابع للوسط اليميني، هو أكثر الأحزاب التي ستحظى بأعلى نسبة تصويت في الانتخابات بحوالي 33 بالمائة من الأصوات، يليه بنسبة قليلة الحزب اليميني المتطرف، حزب الحرية النمساوي، إلى جانب الحزب الديمقراطي الاجتماعي النمساوي، اللذين من المتوقع أن يحظيا بنسبة أصوات متساوية، من الناحية النظرية.

بناء على هذه المعطيات، من المتوقع أن يحصل الحزب الأول على ما بين 25 و26 بالمائة من الأصوات، مقابل ما بين 24 و27 بالمائة بالنسبة للحزب الثاني. فضلا عن لذلك، من المرجح أن تفقد التشكيلات الأخرى أهميتها في البرلمان بنسبة خمسة بالمائة من الأصوات، بما في ذلك حزب الخضر النمساوي لألكسندر فان دير بيلين. ومع ذلك، يبدو أن هناك مواطنا من بين كل أربعة نمساويين لم يقرر التصويت بعد.

عندما طالب كورتس بإغلاق مركز حضانة إسلامية وحذر من خطر أن تستعمل في خلق "مجتمعات موازية"، واجه هذا الزعيم اتهامات مباشرة من قبل حزب الحرية النمساوي بسبب نسخ مقترحاته

 

 رئيس النمسا، ألكسندر فان دير بيلين

على ضوء المعطيات السياسية الحالية، يرغب السياسي النمساوي كورتس، الذي كان يشغل منصب وزير الخارجية منذ سنة 2013، وهو أيضا رئيس حزب الشعب النمساوي منذ شهر أيار/ مايو المنقضي، على إثر التقدم المذهل الذي أحرزه في مسيرته، في إحداث ثورة هائلة في بلاده بعد اقتحام حزبه الساحة السياسية النمساوية.

في الحقيقة، يكمن هدف كورتس المنشود في القضاء على السنوات العشر الأخيرة من التحالفات الكبيرة بين المحافظين والديمقراطيين الاشتراكيين في فيينا، مؤكدا أن هذه الاتفاقيات قد أدت إلى تضاؤل الأحزاب التقليدية الرئيسية وتسميم علاقتها، فضلا عن إحباط المواطنين. كما يعتقد كورتس أن هذه التشكيلة الحكومية، الأكثر شيوعا في البلاد منذ الحرب العالمية الثانية، قد استنفذت صلاحيتها.

مشابه لليمين المتطرف في قانون الهجرة

في ظل غياب شريك له، سلط الزعيم المحافظ أنظاره نحو حزب الحرية النمساوي لتشكيل الحكومة، إذ من المتوقع أن يكتسبا أغلبية ساحقة. ففي الأشهر الأخيرة، قام كورتس بتغيير توجهات وخطابات حزبه نحو اليمين بطريقة تجعل برامجه مشابهة له في مسائل متعلقة، على سبيل المثال، بمسألة سياسة الهجرة التي تعد أحد المواضيع الساخنة في البلاد منذ أزمة اللاجئين.

أما في الآونة الأخيرة، عندما طالب كورتس بإغلاق مركز حضانة إسلامية وحذر من خطر أن تستعمل في خلق "مجتمعات موازية"، واجه هذا الزعيم اتهامات مباشرة من قبل حزب الحرية النمساوي بسبب نسخ مقترحاته.

بالإضافة إلى ذلك، هذه ليست المرة الأولى التي يتحالف فيها وسط اليمين مع اليمين المتطرف في فيينا. وخلافا لما يحدث في البلدان الأوروبية الأخرى، فإن الاتفاق مع اليمين المتطرف في النمسا لا يعد من بين الأمور المحظورة. كذلك، من المعلوم أن حزب الشعب النمساوي قد حكم في البلاد بين سنتي 2000 و2006، خلال فترة الزعيم النمساوي يورج هايدر المثيرة للجدل، حيث لم يتمكن التنصل الدولي الذي شمل عقوبات في أوروبا، من منع حدوث هذا التحالف.

في سبيل تحقيق مبتغاه، يسير كورتس في جميع الاتجاهات، فانطلاقا من القاعدة الليبرالية لحزبه، كان الميول الذي شهده حزبه نحو اليمين موضع ترحيب القطاعات الأكثر تحفظا في البلاد. فضلا عن ذلك، كان الوزير الشاب كورتس من أوائل الأشخاص الذين طالبوا بسقوط الرئيس السابق لحزبه، رينهولد ميترلنر، وعندما أعلن هذا الأخير عن تراجعه، لم يتردد كورتس في الترشح، لكن بأي ثمن؟

في هذا السياق، قام كورتس بوضع سلسلة من الشروط التي كانت تفترض ممارسة،  "هارا كيري"، المؤسسة المحافظة. وهكذا حصل كورتس على الحرية المطلقة لمطابقة قائمة المرشحين وفقا لرغبته الملحة وأيضا بهدف تحقيق المسار السياسي لحزب الشعب النمساوي. ووفقا للدراسات الاستقصائية الأخيرة، حظي هذا الحزب خلال شهر أيار/ مايو الفارط بنسبة 99 بالمائة من التأييد داخل حزبه، وقد شهدت هذه النسبة ارتفاعا.

أزمة اللاجئين

تعود الأزمة التي شهدها الحزب الديمقراطي الاجتماعي النمساوي إلى عدة عوامل، لعل أهمها استنزافه كمصدر قوة للحكومة خلال السنوات العشر الماضية، وخاصة خلال أزمة اللاجئين. من جهة أخرى، أدى التدفق الكبير لطالبي اللجوء خلال سنة 2015، إلى جانب التوقعات الكبيرة التي أطلقها اليمين المتطرف، إلى معاقبة الحزب الذي يقود الحكومة الائتلافية.

بعد عدة أشهر من التوتر، فسح المستشار النمساوي السابق، الديمقراطي الاجتماعي، فيرنر فايمان، المجال لممارسة الضغوط، وعكس مسار سياسة حدوده المفتوحة، التي كان قد اتفق عليها مع الألمانية أنغيلا ميركل خلال الفترة الحرجة منذ أيلول/ سبتمبر 2015. لكن، بعد ذلك بفترة قدم استقالته.

تضرر الحزب الديمقراطي الاجتماعي النمساوي أيضا في الأسابيع الأخيرة جراء حملة التشهير التي سُلطت ضده. وقد ساهمت الأدلة، التي تم التوصل إليها خلال الحملة، إلى مزيد التأثير على خيارات الديمقراطيين الاشتراكيين في مكاتب الاقتراع، ما من شأنه أن يمهد الطريق للمعارضة

في الأثناء، خلف كريستيان كيرن، فيرنر فايمان، وقد ترأس آنذاك شركة السكك الحديد الاتحادية النمساوية. ولم تجرؤ أي شخصية اجتماعية ديمقراطية أخرى على التقدم نحو الأمام. في المقابل، دق المحافظون طبول الحرب، وسئموا من هذا التحالف الكبير، وطالبوا بإجراء انتخابات مبكرة. وبحلول ذلك الوقت، تمكن الحزب الديمقراطي الاجتماعي النمساوي، من الحصول على المركز الأول، وفقا لسبر الآراء. وبعد ذلك بقليل، تمكن اليمين المتطرف من حشد أعلى نسبة وفقا لسبر الآراء، كما كان على وشك تولي رئاسة البلاد.

خلال الجولة الثانية من تلك الانتخابات المثيرة للجدل، التي كان ينبغي إجراؤها ثانية بسبب بعض المخالفات التي تم تسجيلها في عدد الأصوات، تمكن  حزب الخضر النمساوي، لألكسندر فان دير بيلين من كسب 53.8 من الأصوات، بينما حقق اليميني المتطرف نوربرت هوفر، 46.2 بالمائة من الأصوات. وبالتالي، تم إقصاء مرشحي حزب الشعب النمساوي والحزب الديمقراطي الاجتماعي النمساوي، التي تعتبر من الأحزاب التقليدية التي كانت تحظى بأغلب الأصوات منذ الجولة الأولى.

من جانب آخر، تضرر الحزب الديمقراطي الاجتماعي النمساوي أيضا في الأسابيع الأخيرة جراء حملة التشهير التي سُلطت ضده. وقد ساهمت الأدلة، التي تم التوصل إليها خلال الحملة، إلى مزيد التأثير على خيارات الديمقراطيين الاشتراكيين في مكاتب الاقتراع، ما من شأنه أن يمهد الطريق للمعارضة.

 زعيم الحزب الشعبي سيباستيان كورتس أمام مرشح الديمقراطيين الاشتراكيين، كريستيان كيرن، خلال نقاش في فيينا

حملة تشويه

وفقا لصحيفة بروفايل الإلكترونية، قام المستشار الخارجي لكيرن، تال سيلبرشتاين، بإنشاء حملة لمحاولة تشويه سمعة كورتس على موقع فيسبوك، حيث قام بنشر أخبار وهمية وشائعات كاذبة عنه. وقامت إحدى الصفحات التي تم إنشاؤها تحت اسم "حقيقة سيباستيان كورتس"، بتقديم الزعيم المحافظ بأنه سياسي مؤيد للهجرة ويرغب في فتح الحدود، كما أنه كان متورطا مع الملياردير الأمريكي جورج سوروس.

في المقابل، قامت صفحة أخرى بعرضه على أنه شخص متطرف يسعى إلى غلق الحدود مع إيطاليا لمنع دخول المهاجرين واللاجئين إلى البلاد. ومما زاد الأمر سوء، أن سيلبرشتاين كان عرضة للاعتقال منذ شهر آب/ أغسطس الماضي في إسرائيل بتهمة ارتكاب جريمة غسل الأموال، وبالتالي قام الحزب الديمقراطي الاجتماعي النمساوي بإلغاء عقده.

سلطت الانتخابات الرئاسية التي جرت خلال السنة الماضية، الأضواء على أزمة نظام الحكم الذي ساد البلاد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وبالتالي، ستكون نتائج الانتخابات اليوم بمثابة الضربة القاضية الحقيقية

من جهته، نفى كيرن أي علاقة له بهذه الحملة، التي وصفها بأنها حملة لا أخلاقية وغبية بشكل كبير. بالإضافة إلى ذلك، قام كيرن بإجبار الأمين العام للحزب الديمقراطي الاجتماعي، جورج نيدرمولبيشلر، على الاستقالة، لكن الحزب الديمقراطي الاجتماعي النمساوي لايزال إلى اليوم في الانتخابات.

في نهاية المطاف، إذا تم تشكيل الائتلاف بين حزب الشعب النمساوي والحزب الديمقراطي الاجتماعي النمساوي، فإن النظام التقليدي النمساوي، الذي يرتكز على هيمنة قوتين رئيسيتين، وهما يمين الوسط ويسار الوسط، سيكون موضع جدل واسع. فقد سلطت الانتخابات الرئاسية التي جرت خلال السنة الماضية، الأضواء على أزمة نظام الحكم الذي ساد البلاد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وبالتالي، ستكون نتائج الانتخابات اليوم بمثابة الضربة القاضية الحقيقية.

المصدر: الكونفيدينسيال