مدخل

"إنها كلمة حق وصرخة في واد، إن ذهبت اليوم مع الريح فقد تذهب غدا بالأوتاد"، كانت هذه صرخة عبد الرحمن الكواكبي في بداية القرن التاسع عشر في وجه عواصف التخلف والجهل .. مر على هذه الصرخة ما يقارب المئة عام، كبرت خلالها العواصف، وبحّت معها مزيد من الحناجر، في فترة كانت أكثر الفترات تأثيرا في أيامنا هذه، لا لأنها أقرب فترة تاريخية لنا مما جعل تأثيرها مباشرا علينا وحسب، بل لأنها كانت – هنا وفي العالم كله – م أكثر الفترات كثافة بالأحداث والمفاهيم والأشخاص؛ مما دعا ثلاثة من الفرق المعرفية الشبابية في الأردن (إنسان، وقارئ النهضة، وكتاب) لعقد ملتقى التاريخ والفكر العربي المعاصر، لتقديم وتحليل ما استطاعت من هذه الفترة التاريخية، على مدى أربعة أيام مكثفة.

هذه الفرق الثلاثة هي عينة من الحناجر الصارخة الشابة على امتداد الوطن العربي في أيامنا هذه، والساعية لإكمال مسيرة الإصلاح والنهضة والتقدم، مؤمنة بالكلمة والفكرة منطلقا لها، ومحولة إياها لمناهج وخطط منظمة تأخذها لغايات محددة واضحة – لا قارئة وباحثة بقصد القراءة والبحث فقط -، ومستغلة قدرة أدوات العصر على تبسيط هذه الأفكار ونشرها، وتوفيرها مساحة للتفاعل.

الفرق المعرفية الشبابية، البنية والأهداف والتنفيذ

منذ ما يقارب الخمس سنوات بدأت هذه الفرق بالظهور والانتشار، ساعد وشجّع على ذلك بعض المشاريع الجاهزة – مثل مشروع النهضة للدكتور جاسم سلطان -، وانتشار التفاعل الاجتماعي الالكتروني – مفسرا الحالة الشبابية العالية في هذه الفرق، لأنهم الأكثر استخداما لهذه الأوساط – الذي وفر مساحات للنقاش، وساعد الشباب ذوي المحتوى الفكري على عرض أفكارهم ومشاريعهم، مشجعاً الباقي ومساعدا إياهم على القراءة ذاتيا، ثم التفاعل مع من حولهم في هذا الفضاء أولا، قبل استخدامه للتخطيط والانتقال إلى النشاطات الواقعية الفكرية البسيطة، وأخيرا متحولة لظاهرة تمايزت، ودعت المقتنعين بذات الأفكار، والراغبين بالتطبيق لتشكيل الفرق.

ما سبق ذكره يمكن اعتباره ظروفا وميّسرات ساعدت على تعزيز هذه الظاهرة، أما الأسباب الحقيقية فهي أزمات التخلف والتراجع – كما ذكر سابقا -، والتي شكلت الهمّ الأكبر لدى كل المشاركين في هذه الفرق ما بين أعضاء لهذه الفرق ومتفاعلين معها، خصوصا مع اتساع الفجوة الفكرية في المجتمع؛ ما بين تقصير المؤسسات الرسمية – إهمالا أو عمدا – سواء أكانت أكاديمية أم اجتماعية، وبين تحول الحركات والخطابات الفكرية إلى أيديولوجيات تعيد سرد الحلول والمشاكل التي بدا أنها فقد نجاعتها خلال هذه المدة الطويلة، أو إلى أحزاب ذات حراك سياسي في أوساط سياسية عربية ما بين المحتضرة والميتة، أو حركات عجزت عن التكيف مع هذا العصر واستخدام أدواته للتأثير فيه، وبين مؤسسات مجتمع مدني – إن وجدت في بعض البلدان – إما أنها تنقل التجربة الحداثية المؤسسية بكامل تفاصيلها دون مراعاة لخصوصية اجتماعية ثقافية وفكرية فصارت غريبة عنه، أو مؤسسات بسطت المشاكل والأزمات إلى ظواهر اجتماعية لا علاقة لها بالأفكار، فتحولت لقنوات لملء وقت للشباب، دون تطرق حقيقي لجوهر المشاكل والعمل على حلها.

مجموعات صغيرة من الشباب والفتيات، ولد أكبرهم مع بداية الحرب العراقية الإيرانية، وأصغرهم مع حرب الخليج الثانية أو بعدها بقليل، ونضجوا ووعوا مع مشهد الدبابات الأمريكية في بغداد .. فعاشوا محملين بالقضايا، مثقلين بالتاريخ، صاخبين بالأسئلة، مؤمنين بأن حلّها – أو على الأقل فهمها – في عالم الأفكار، فتوجهوا إليه، مع أن غالبهم درسوا – أو يدرسون – التخصصات العلمية التطبيقية كالطب والهندسة والصيدلة – ولا يحبونها كذلك، وإنما لجؤوا إليها لـ"تأمين المستقبل" – لا العلوم الإنسانية .. أغلبهم كذلك مر أو تأثر أو احتك بتجربة أيديولوجية، لكنه لا يفتأ أن يتخلى عنها – أو يتجاوزها ولو ظرفيا – بحكم سعة المعرفة، مع احتفاظ غالبيتهم بالمرجعية الإسلامية دينا وثقافة وتاريخا للمنطقة وهوية لذواتهم ومجتمعاتهم، فهم لا يستطيعون الفكاك عن هذا الامتداد الإسلامي التاريخي بحال، لا لكونهم مسلمين وحسب، بل لكونه مكونا تاريخيا ثابتا في هذا الوطن.

اجتمع الهم والمعرفة والميّسرات، لتشكل هذه الفرق أولا، ثم لتتمايز عمليا فيما بينها .. فمع أن ما يجمع أفرادها إيمان أفرادها بأهمية التغيير واقتناعهم بأن الأفكار هي سبيل هذا التغيير، وطبيعة بيئتها الشبابية، وغائية هذه الفرق وسيرها نحو أهداف بخطط ومنهجية، إلا أنها تتنوع فيما بينها بعلاقة وارتباط هذه الأفكار بالواقع؛ فمنها مثلا من تعمق في عالم الأفكار ليؤصل معرفة متينة واسعة – كفريق إنسان في الأردن، وزدني في فلسطين، ويقظة فكر في مصر -، ومنها من سار على مشروع يجتمع به الواقعي التطبيقي والفكري النظري – كقارئ النهضة في الأردن، ووعي في مصر -، ومنها من أخذ قضية معينة من الواقع كنقطة بدء، ثم عمل على حل إشكالياتها وتأصيلها فكريا – مثل كتاب، الذين تناولوا القضية السورية -.

ومن هذا التنوع، لم تتنوع أنشطة هذه الفرق في أماكنها وحسب، ما بين المقاهي والمراكز الثقافية والمكتبات وأماكن عرض الأفلام – خصوصا مع غياب مقرات لغالب هذه الفرق بسبب صعوبة الإجراءات الإدارية، والتكلفة المادية – مما يجعلها أكثر انتشارا وقربا واحتكاكا بالمجتمع وقربا من مشاكله وهمومه الحقيقة، بل امتد هذا التنوع لبنية وطبيعة هذه النشاطات ما بين نقاشات لكتب وأفلام وجلسات حوارية ومحاضرات وندوات، وامتد كذلك إلى مواضيع هذه النشاطات في العمق والمحتوى لتغطي الفكر والأدب والفن والقضايا الاجتماعية – مما يجعلها عرضة للنقد في بعض المواضيع وطبيعة الجو والنقاش مما يعتبره المجتمع خطوطا حمراء - ، وأخيرا كان هذا التنوع بطريقة عرض الأفكار والتفاعل معها، ما بين النقاش الفعلي، والتحويل لوسائط أخرى ما بين مكتوبة – مجلات ومقالات – ومرئية – مقاطع وصورا – ليصلوا إلى أكبر قدر ممكن من المتأثرين.

ملتقى التاريخ أنموذجا

يمكن اعتبار ملتقى التاريخ أنموذجا لأنشطة هذه الفرق بسبب الشريحة الكبيرة التي حضرته على مدى أربعة أيام (حضره ما يقارب الـ150 تقريبا من بين 250 طلب انتساب)، ولأن المعدين له ثلاثة فرق معرفية – إنسان، وقارئ النهضة، وكتاب – استطاعت أن تتجاوز المسميات وتعدّه كفريق جديد، ولكونه يصب في جوهر طبيقة وأهداف وطريقة تطبيق الفرق المعرفية ككلّ.

استغرق الإعداد من الفرق ما بين معرفي – ذاتي لأفراد الفرق بقراءة ومدارسة مادة التاريخ، واختيار العناوين والمحاضرين والمواد للمشتركين – وإداري تجهيزي ما يقارب السبعة شهور، استطاعت خلاله هذه الفرق أن تنتج حدثا على مستوى عال من التظيم والتجهيز وكثيفا ومليئا بالمعرفة والنقاشات، واستطاعوا – وهو الأهم – بذلك إعادة نشر فكرة التاريخ والفكر العربي المعاصر في الوسط الاجتماعي كله، سواء أكان ذلك في الوسط الافتراضي (وسم #ملتقى_التاريخ كان وسما نشطا عربيا طيلة الأربعة أيام)، أم في الواقع من خلال ردود الفعل المتفاعلة والراغبة بالحضور والمليئة بالأسئلة والاقتراحات.

لكن، هل حقق الملتقى تغييرا فكريا في المنهجية؟ أم أن ما فعله هو إضافة للأفكار وحسب؟ أم أنه كان حالة شكلية كرنفالية نشرت الفكرة وحسب دون تأثير حقيقي لها؟
في الواقع أن كل هذا قد حصل، ولا يمكن البت تماما بأكثرية أحد هذه الاحتمالات عن الأخرى، خصوصا لأن طبيعة التغيير المعرفي بطيئة وصعبة القياس، وبسبب العدد الكبير الذي لا يمّكن من ملاحظة حقيقية للتغير، وإنما مجرد توفير فرصة للاستقراء من بعض المداخلات والنقاشات خلاله وبعده؛ هذا الاستقراء نفسه أعطى مؤشرا عن حضور أيديولوجي – حتى في ملتقيات معرفية كهذه -، وعن حاجة لكسر المزيد من الصخور – حتى في وسط مهتم كوسط المشاركين -، وأهمية وضرورة التوسع ومحاولة الوصول إلى غير المهتمين لجذبهم لهذا الوسط .. وبأقل تقدير، فإن كان مجرد ما حققه الملتقى هو نشر الفكرة، وإعطاء مؤشر يمكن البناء عليه والاستقراء منه للواقع والمستقبل،  فهو كاف على المستوى الاجتماعي في هذه الظروف.

مما يجدر الإشارة إليه أن الدور التجميلي الفني جذب كثيرا – وربما – أكثر مما فعلت الفكرة، واستطاع توسيع الشريحة المستهدفة، فإن كان "الخط الجميل يزيد الحق وضوحا" كما يقول علي رضي الله عنه، فإن التنفيذ الجميل والعرض الراقي يوازي في تأثيره أهمية الفكرة ودورها.

إلى أين؟

أكبر تحديات التغيير المعرفي هو أنها عملية تغيير طويل أولا، وأنها غير سهلة الاستقراء والقياس ثانيا، وبأن بنيتها المعرفية متجددة ومتغيرة كلما تغير الإنسان في الأيام.

فإن لم تكن هذه الفرق أولا مؤمنين بأهمية ما تفعل، ومتمسكة به، ومصرة عليه، فإن هذا التغيير سيخسرهم وسيخسرونه، خصوصا في هذا الزمن الصعب الذي لا يمكن تفسيره وفهمه في الكثير من الأحيان.

وإذا لم يستفيدوا من تجاربهم وعملوا على مراجعات وتقييمات لأدائهم أولا، ومن ثم استفادوا من تجارب غيرهم بالحفاظ على أماكنهم داخل المجتمع وبه، لا نخبا ومنظرين عليه، مخالطين لهم وصابرين على أذاهم فسيعيدون إعادة تجربة النخب العربية .. وخلال هذا السير عليهم أن يحذروا من فخ التحول لأيدولوجيا – كفكرة - وهم يحاولون التحرر من كل الأيديولوجيات الموجودة.

وفي هذا العصر المتسارع، عليهم أن يحافظوا على ديناميكية عالية في الوسائل والطروحات، وأن يتحرروا من الصناديق الوهمية التي تحيط بهذا الواقع، بدءا من رتابة الوسائل، وانتهاء بالأسئلة العربية الكبرى كسايكس بيكو .. خصوصا في لحظة راهنة كالتي نعيشها اليوم، لحظة الربيع العربي؛ والذي بقدر ما يشكل فرصة للتحرك والتفاعل الفكري والاجتماعي الذي لم يكن متاحا، فإنه يشكل مسؤولية وواجبا هم – لعمرهم ورساليتهم – الأولى بحمله والبقاء متصلين به، فبقدر ما احتاجوا هذه اللحظة، فإنها تحتاجهم.

لا شك أن هذه الفرق تمثل استكمالا لجهود من سبقهم في طريق عمره مئات السنين، فطالما ما بقيوا هم ثابتين عليه، متأقلمين مع ظروفه، مؤمنين برساليته، متفاعلين لأجله مع واقعهم ومجتمعاتهم، متمسكين بقيهم، فسيتغير التاريخ .. فكما يقول مالك بن نبي – الذي يشبههم في كونه مهندسا وصاحب رسالة كذلك - : إنها لشرعة السماء، غير نفسك، تغير التاريخ!