تقييمات المواطنين الصينيين تترواح بين 350 و950 على نظام التقييم الاجتماعي

إذا كنت من عشاق الدراما الخيالية، ربما ستكون من أكثر المعجبين بمسلسل نيتفليكس الشهير "المرايا السوداء" الذي يحاكي واقع البشر بعد بضع سنوات من الآن في شكل درامي سحر أعين المشاهدين، ذلك لاستطاعة طاقم العمل إيصال فكرة أن المستقبل القريب مرعب بحق.

كانت أكثر الحلقات المؤثرة في المسلسل تلك التي بدأت موسمه الثالث على شبكة نيتفليكس، الحلقة باختصار تدور حول عملية التقييمات، مستوحية الفكرة من زر إعجاب أو "لايك" أو زر القلب الصغير الموجود على أغلب المواقع الاجتماعية ليدل على إعجاب المستخدمين بالصورة أو المنشور أو الفيديو المنشور على المواقع الاجتماعية المختلفة، لكن التقييم في الحلقة لم يكن على الأشياء المادية أو المنتجات أو حتى تقييم بعض الأماكن أو المطاعم، بل كان تقييم البشر لأنفسهم.

كانت الصورة العامة للحلقة هي تقييم البشر لبعضهم البعض من خلال جهاز في أيديهم يستطيعون من خلاله منح تقييم للآخرين من خلال خمس نجوم، وكلما كان تقييم الشخص يقترب من النجمة الخامسة كان شخصًا محبوبًا من الجميع يود الجميع مصادقته، ذلك لأن بمجرد الدخول إلى دوائر معارفه يزداد تقييم الفرد تلقائيًا، حيث يعتمد التقييم بشكل عام على طريقة الكلام والوظيفة وطريقة معاملة الفرد للآخرين، من الأفراد الموجودون في دوائر معارفه، وما الأماكن التي يرتادها أو يسكنها.

ربما كانت الحلقة مؤثرة في نظر الكثيرين، ولم يتوقعوا أيضًا أن يصل البشر لهذه المرحلة من الأنانية لكي يقيموا بعضهم البعض كما لو كانوا مجرد منشورات على صفحات المواقع الاجتماعية، فكل شخص فريد من نوعه ويختلف عن الآخر وكلنا مميزون بشخصياتنا المختلفة، فكيف يمكن أن يصل بنا الذكاء الاصطناعي إلى هذه المرحلة، كان مسلسل "بلاك ميرور" أو "المرآه السوداء" خيالًا، إلا أن اليوم هناك دولة وحيدة ترغب في تحويله إلى واقع.

الصين تبدأ نظام التقييم الاجتماعي

كيف سيكون الوضع لو كان هناك نظام تقييم اجتماعي يقيمك كمواطن في دولتك وعلى أساسه يتم تحديد ما إن كنت مواطنًا صالحًا يستطيع بقية المواطنين الثقة فيك أم لا؟ لم يبق ذلك مجرد تساؤل في الصين، بل يتحول إلى واقع يطبق بشكل عشوائي وتطوعي الآن، إلا أنه في سبيل أن يكون إجباريًا عام 2020.

تكون نتيجة التقييم إما بالسلب أو بالإيجاب في معدل يتراوح من 350 إلى 950 نقطة، ليس ذلك فحسب، بل سيتم إعلان التقييم الذي سيتلخص فيما يُسمي "ناتج أو هدف المواطن" (Citizen Score)  للعامة

سيجعلك نظام التقييم الاجتماعي (china credit rating system) هذا أن تتخيل عالمًا تُقيم فيه نشاطاتك اليومية من النظام، حيث سيُقيم ما تشتريه من ملابس وطريقة التسوق الخاصة بك على الإنترنت، ومن أصدقاؤك وكيف تتعامل معهم؟ وما الأماكن التي توجد فيها بشكل يومي في ساعات النهار والليل؟ وما طريقتك في دفع الفواتير؟ وهل تدفعها أم لا؟ ما المحتوى الذي تختار مشاهدته على الإنترنت؟ وكل ما تتوقعه وما لا تتوقعه.

ليس صعبًا تخيل ما سبق، فهذا يحدث بالفعل في حياتنا اليومية، ولكن ليس من الأنظمة والحكومات، بل يحدث بفضل شركات التكنولوجيا العملاقة، مثل تعقب فيسبوك لدوائر معارفنا وتقييمه لما ننشره من منشورات وصور وفيديوهات، أو تعقب جوجل لأماكن وجودنا على الخريطة في الساعات المعينة، أو لتنصت جوجل على مكالماتنا ورسائلنا البريدية، أو تنصت فيسبوك لمحادثاتنا اليومية لتظهر لنا على شكل إعلانات على جوانب صفحات حساباتنا الشخصية على فيسبوك، أو التطبيقات التي تتبع لياقتنا البدنية مثل (Fitbit).

ما تحاول أن تطبقه الصين من خلال نظام التقييم الاجتماعي ذلك دمج كل التطبيقات السابقة وجمعها في نظام تقييم واحد مُراقب من الحكومة وليس من عمالقة التكنولوجيا، لتكون نتيجة التقييم إما بالسلب أو بالإيجاب في معدل يتراوح من 350 إلى 950 نقطة، ليس ذلك فحسب، بل سيتم إعلان التقييم الذي سيتلخص فيما يُسمي "ناتج أو هدف المواطن" (Citizen Score)  للعامة لسكان الصين الذي يُقارب عددهم 1.3 مليار نسمة، وتحدد مدى مصداقية كل مواطن ودرجة الثقة فيه من خلال تقييمه، لتُحدد أهليته في أن يأخذ قرضًا من البنك، أو أهليته لكي يتم توظيفه في شركة معينة، بل وأهليته أيضًا ليطلب يد الفتاة التي يحبها للزواج.

من أجل مجتمع صادق وآمن!

ترى الحكومة الصينية أن البرنامج يدعو لخلق أمة صادقة وآمنة، ولا ترى أنه نسخة مُحدثة من رواية الكاتب جورج أوريل 1948 عن مفهوم "الأخ الأكبر" الذي يراقب كل نشاط يقوم به كل فرد داخل تلك الأمة من النظام الشمولي في الصين، الذي يراقب في الأساس قبل تطبيق نظام التقييم الاجتماعي، حيث تفرض الدولة سلطتها على جوانب المجتمع كافة من خلال جوانب الأفراد الشخصية والعامة بما في ذلك أخلاقيات المواطن نفسه وصولًا إلى الاقتصاد والسياسة والفن والثقافة والتعليم.

تأتي شركة AliPay أيضًا من بين الشركات التي عينتها الحكومة الصينية للعمل على المشروع، وهي أكثر الشركات التي تتعقب المواطنين الصينيين بالفعل من خلال التسوق الإلكتروني والحجز أونلاين

يكون الاشتراك في نظام التقييم الاجتماعي في الصين فعلاً تطوعيًا الآن، إلا أنه بحلول عام 2020 ستطبقه الحكومة الصينية التي تتبع نظام الحكم الشمولي، إجباريًا على كل المواطنين الصينيين، ليخضع الكل للتقييم الاجتماعي حتى ولو لم تعجبهم الفكرة أو لم يرضوا بها.

التزاوج بين الشيوعية والرأسمالية

يعد هذا المشروع تزواجًا واضحًا بين النظام الشيوعي الصيني الحاكم وما تستطيع الرأسمالية إنتاجه، إذ عينت الحكومة الصينية ثمانية من عمالقة التكنولوجيا في الصين للعمل على تحديد لوغاريتميات وطريقة عمل نظام التقييم الاجتماعي، من بين تلك الشركات شركة China Rapid Finance التي أسست تطبيق "WeChat" الذي يستخدمه 850 مليون مستخدم حول العالم.

تأتي شركة AliPay أيضًا من بين الشركات التي عينتها الحكومة الصينية للعمل على مشروع الأمة الضخم، والمثير في شركة AliPay أنها أكثر الشركات التي تتعقب المواطنين الصينيين بالفعل، فهي إحدى الشركات التي يستخدم المواطنون موقعها وتطبيقها لشراء كل ما يحتاجه من منتجات عبر الإنترنت أو لحجز تذاكر السفر أو لحجز رحلات سياحية أو لحجز تذاكر للسينما أو لمطاعمهم المفضلة وحتى لدفع مصاريف المدارس أو لتحويل الأموال.

إن قلت النتيجة على نظام التقييم الاجتماعي، سيُحرم المواطن من الإنترنت السريع وسيحرم أيضًا من حقه في حجز تذاكر لفيلمه المفضل أو لمطعم يحبه، بل وسيُحرم أيضًا من الحق في السفر

تكون من ضمن الشركات شركات خاصة بطلب سيارات الأجرة مثل Didi Chuxing منافس شركة أوبر الصيني، وأيضًا شركات خاصة بالخدمات التسويقية، من الواضح أن الحكومة اختارت المجموعة الصحيحة التي تعمل خدماتها وتطبيقاتها ومواقعها على تعقب المواطنين من مختلف الجوانب ومختلف مجالات الحياة، فإحداها تتعقبهم من خلال بطاقات الائتمان الخاصة بهم، والأخرى تتعقبهم من خلال سيارات الأجرة التي يطلبونها لتُحدد تحركاتهم اليومية، وأخرى تُحدد مع من يتحدثون من خلال تطبيقات المراسلة.

خصائص نظام التقييم الاجتماعي

يحتوي نظام التقييم الاجتماعي على أربع خصائص رئيسية، أولها يكون تاريخ بطاقة الائتمان أو تاريخ دين الفرد بشكل عام، هل يدفع فواتيره الرئيسية بشكل منتظم أم لا، وثانيها القدرة على الإنجاز أو التحقيق، وهذا يعني قدرة الشخص المادية على تنفيذ بنود العقود التي يمضيها، سواء كانت عقود تأجير البيت أو سيارة أو عقد عمل، أما ثالثها فيكون الخصائص الشخصية بما تحويه من معلومات عن الفرد، أما الخاصية الأخيرة، وهي أكثر الخصائص غرابة، هي سلوكيات الفرد وتصرفاته.

نظام التقييم ما هو إلا جرعة جديدة من الخوف تجعل من طاعة النظام والحكومة أمرًا يشبه اللعبة أو أمرًا ممتعًا

لا يكون ذلك جديدًا، حيث يتم تطبيق ذلك بالفعل في علوم الاقتصاد السلوكية (Behavioral Economices) و العلوم الإدارية السلوكية (Organization Behavior) يتم تقييم الأفراد على حسب المنتجات التي يشترونها، وعلى أساسه يتم تحديد طريقة عرض المنتجات للزبائن من خلال تعقب تاريخ المشتريات للعملاء والزبائن وعليه يتم معرفة صورة عامة عن سلوكهم الشرائي والاقتصادي.

هذا يعني أن في عالم نظام التقييم الاجتماعي، كل من يشتري حفاضات بشكل مستمر يعني أنه أب أو أم، وهذا يعني أيضًا أنه ملتزم ومسؤول، وبهذا يكون حدد نظام التقييم الاجتماعي بضعة من سلوكيات المواطن على أساس تعقب ما يشتريه من خلال تعقب بطاقة الائتمان الخاصة به وتحركاته اليومية أو حتى الشهرية.  

كلما كانت نتيجة الفرد على التقييم عالية نال امتيازات وحقوق مواطنة أفضل وأعلى وأكثر احترامًا له، فمثلًا إن وصلت نتيجته لـ650  فهذا يعني أنه يمكنه تأجير سيارة دون دفع عربون مقدم، وإذا ارتفعت نتيجته عن ذلك أكثر يمكنه الحصول على قرض من البنك تصل قيمته لأكثر من 5000 دولار أمريكي، بينما إن قلت النتيجة على نظام التقييم الاجتماعي، سيُحرم المواطن من الإنترنت السريع، وسيحرم أيضًا من حقه في حجز تذاكر لفيلمه المفضل أو لمطعم يحبه، بل وسيُحرم أيضًا من الحق في السفر.

نظام التقييم ما هو إلا جرعة جديدة من الخوف تجعل من طاعة النظام والحكومة أمرًا يشبه اللعبة أو أمرًا ممتعًا، لكنه في واقع الأمر وسيلة أكثر حزمًا وصرامة لمراقبة الأنظمة لنشاط المواطن اليومي، فهي رقابة اجتماعية مغلفة بنظام من النقاط والمكافآت.

بالطبع سيسأل المواطنون ما الذي يجب عليهم فعله لكي يرفعوا من نتيجتهم على نظام التقييم الاجتماعي، لن يكون هناك إجابة في نظام شمولي يفرض سلطته على المواطنين في جوانب حياتهم المختلفة سوى أن يمدح المواطنون الحكومة والاقتصاد الصيني في رسائلهم مع أصدقائهم على الهاتف أو على شبكات التواصل الاجتماعي، فلم يكن أبدًا من الحكمة أن يذم الصينيون الحكومة أو يعترضوا عليها على شبكات التواصل الاجتماعي من قبل، فما بالك بعد تطبيق نظام التقييم الاجتماعي في 2020!