تسير تركيا في تنفيذ إجراءاتها العقابية ضد الإقليم بتعاون مع منافسها الأول في المنطقة إيران

وكأنه إنذار بالحرب، أعلنت الحكومة التركية قبل إجراء عملية الاستفتاء في الإقليم، أن موقفها سيكون قاسيًا جدًا ضد إقليم كردستان في حال أصر على موقفه من إجراء عملية الاستفتاء، مبررة ذلك بعدم مواتية الساحة الإقليمية لمزيد من التوترات والاضطرابات.

لكن لم يأبه الإقليم بتحذير الحليف الأقرب له اقتصاديًا وسياسيًا، مصرًا على موقفه من إجراء العملية، الأمر الذي قابلته تركيا بإجراءات عقابية أنذرت بأن سياستها حيال الإقليم لن تكون كما كانت عليه من قبل، وهذا ما يدفع للتساؤل إلى أين ستصل حدة الإجراءات التركية العقابية؟ وما طبيعة المسار الذي يمكن أن تسير عليه؟

حفاظًا على الهوية والهيبة الدبلوماسيتين لها، تسعى دول العالم، وحتى العُظمى، إلى تقديم مسوغات قانونية بشأن الإجراءات التي يقومون بها حول العالم، تجنبًا للضغوط الدبلوماسية والمساءلات القانونية التي قد يتعرضون لها، فضلًا عن رغبتها في إبقاء هويتها قانونية تُقنع الدول الأخرى بسهولة في مشاركتها الإجراءات، وفي سياق هذا الطرح تسند تركيا إجراءاتها العقابية إلى اتفاقية أنقرة لعام 1926، والتي تنص في المادة الأولى على أن العراق صاحب السيادة على الموصل، وتشترط في المادة الخامسة على أن الحدود بين العراق وتركيا لن تتغير.

تصريح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بأن انسحاب القوات الكردية من كركوك هو أمر جيد، وعدم حديثه عن تفاصيل إلغاء الاستفتاء يبين ارتياح الحكومة التركية من فقدان الإقليم السيطرة على حقول النفط

جاءت عملية الاستفتاء في ضوء ظهور احتمال لتغير الحدود بين تركيا والعراق، لذا رأت تركيا أن هذه الاتفاقية تمنحها حق اتخاذ الإجراءات الاحترازية كافة، حتى التدخل العسكري، لكبح محاولات أو احتمالات تغيير طبيعة الحدود، واستند مجلس الأمن القومي التركي إلى هذه الاتفاقية التي أطلقت للحكومة التركية العنان لاتخاذ إجراءاتها.

وعن طبيعة العقوبات التركية ضد الإقليم، يبدو أن تركيا تُجريها في إطار تدريجي، مخافة تحول معادلة توازن القوى في الإقليم بشكل كبير لصالح إيران أو "إسرائيل" أو بعض الدول العربية على حسابها. وتظهر السمة التدريجية لإجراءات تركيا في مباشرتها للإجراءات العقابية عبر إغلاق الحدود البرية والجوية أولًا، ومن ثم إغلاق الأجواء السيادية أمام الرحلات المُنطلقة من الإقليم ثانيًا، وإعلانها إجراء تنسيق مع بغداد وطهران لافتتاح نقاط حدودية خاصة بالسلطات العراقية الحدودية على طول الحدود بينها وبين الإقليم، بل وفتح معبر حدودي جديد بديل عن باب "خابور آبي"، والحديث عن إعادة استخدام خط "كركوك ـ جيهان" كبديل لخط "كركوك ـ أربيل ـ جيهان"، لكن مع الإمساك "بشعرة معاوية" من خلال السماح باستمرار تدفق البضائع التركية للإقليم.

وتصريح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بأن انسحاب القوات الكردية من كركوك هو أمر جيد، وعدم حديثه عن تفاصيل إلغاء الاستفتاء يبين ارتياح الحكومة التركية من فقدان الإقليم السيطرة على حقول النفط التي تحوي 13.5 مليار برميل، أي ما نسبته 12.35% من مجموع احتياطي النفط في العراق، والذي كان من الممكن أن يؤهل الإقليم ليكون عضوًا في منظمة الأوبك.

وعملًا بمبدأ فرصة التكلفة البديلة الذي يعني أن الدول قد تتخلى عن أمر ما مقابل إجراء آخر يصب في صالحها بشكل أفضل، يتبيّن وفقًا لما نشرته الصحف التركية والعراقية أن تركيا غضت طرفها عن تحرك القوات العراقية، ليس فقط لأن ذلك حق دستوري لها، بل لأنه تم إرضاؤها من خلال إعادة التوافق مع بغداد لمواصلة تصدير نفط كركوك إليها عبر الخط القديم البعيد عن جغرافيا الإقليم، وهنا تتجلى مصلحة مشتركة بين تركيا والعراق وهي توجيه صفعة جديدة لبارزاني لإرغامه على إنهاء طموحاته الانفصالية التي اعتمدت بالأساس على نفط كركوك الذي خضع لسيطرته عام 2014.

تركيا طبقت هذه السياسة خلال التسعينيات، حيث نأت بنفسها تجاه إجراءات بغداد ضد الانفصال الكردي، لكنها عادت عام 1996 لتعيد فتح اتصالاتها مع بارزاني

بالتمعن في مسار السياسات التركية حيال الإقليم بعد عملية الاستفتاء، نلاحظ بأنها تسير ضمن القطب العراقي ـ الإيراني على حساب مصالح الإقليم، ومرد ذلك التهديد أو التوجس الخطير الذي مثله قرار انفصال أو استقلال الإقليم دون الاكتراث لمطالب تركيا ومصالح أمنها القومي.

لكن يبدو أن حرص تركيا على إبقاء ميزان القوى متوازنًا بينها وبين إيران بقدر الإمكان من جهة، وبينها وبين "إسرائيل" من جهة أخرى، قد يدفعها للسير في إطار القطب الإيراني ـ العراقي حتى تستطيع تأمين مصالحها وحماية أمنها القومي على نحو وثيق، ومن ثم الاتجاه إلى فتح خط التواصل الدبلوماسي مع الحزب الكردي الأقرب لها، وهو حزب مسعود بارزاني المعروف باسم الحزب الديمقراطي الكردستاني صاحب الكلمة الأكبر في أربيل، والذي ينافس الاتحاد الوطني الكردستاني صاحب الكعب العالي في السليمانية والأقرب لإيران.

يُذكر أن تركيا طبقت هذه السياسة خلال التسعينيات، حيث نأت بنفسها تجاه إجراءات بغداد ضد الانفصال الكردي، لكنها عادت عام 1996 لتعيد فتح اتصالاتها مع بارزاني، وعقب التواصل الدبلوماسي مع بارزاني اتجهت عام 1997 صوب التنسيق العسكري معه، ثم بدأت عملية عسكرية باسم "شفق" ضد مناطق سيطرة الاتحاد الوطني الكردستاني التي كانت تحوي مقرات لحزب العمال الكردستاني المعادي لها.

في المحصلة، تسير تركيا في تنفيذ إجراءاتها العقابية ضد الإقليم بتعاون مع منافسها الأول في المنطقة إيران، وهو ما يُجبرها على أن تحذو حذو السياسة المتزنة التي تحافظ على قوتها التأثيرية في الإقليم بقدر الإمكان، مع اتخاذ الإجراءات الاحترازية لعدم تكرار مثل هذا السيناريو في المستقبل.