الاستفتاء يهدد المستقبل السياسي لمسعود بارزاني

لم يكن يتصور أكراد كردستان أنه بعد شهر واحد فقط من الاحتفال بالانتصار الساحق بنتائج استفتاء 25 من سبتمبر الذي خيل إليهم أنه سيحمل جواز سفرهم نحو الخروج بسلاسة من عباءة الدولة العراقية، أن تعرض حكومة إقليمهم تجميد هذه النتائج في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بعدما جاءت الأمور على عكس ما كان يتوقعه المتحمسون لهذه الخطوة.

جاءت نتائج الاستفتاء كارثية على الإقليم الذي تأزم وضعه على مختلف الأصعدة، خاصة بعد فقدانه مورده النفطي الاقتصادي الأكبر، إثر سقوط كركوك في أيدي الجيش العراقي، والتي كانت تعد شريان الحياة للإقليم والضامن الحقيقي لمستقبل أبنائه بعد الانفصال عن الحكومة الاتحادية في بغداد.

رفض إقليمي ودولي، تزامن مع انقسامات داخل البيت الكردي، وقلق بدأ يساور الملايين من سكان الإقليم عن مآلات مستقبلهم، ومطالب بتغيير خارطة النظام السياسي الداخلي، كل هذا دفع بارزاني إلى العودة خطوة للوراء، ليتخلى عن مكتسبه الذي وصفه قبل ذلك بـ"التاريخي" قبل أن تتم إزاحته من منصبه، فهل تطيح لعنة الاستفتاء بحلم الأكراد إلى الأبد؟  

برزاني يتراجع

تطورات المشهد الكردستاني بعد نتائج الاستفتاء الذي جاء على عكس رغبة القوى الإقليمية والدولية وما نجم عنه من تهديد للسيادة الكردية فوق الإقليم إثر فرض الجيش العراقي سيطرته على كركوك في الوقت الذي تتصاعد فيه التوقعات بشأن تكرار نفس السيناريو مع أربيل، أجبرت حكومة الإقليم على إعادة النظر فيما آلت إليه الأوضاع.

وفي بيان صادر عنها تقدمت الحكومة بعرض ثلاثي الشروط يهدف إلى بدء حوار مفتوح مع الحكومة الاتحادية على أساس الدستور العراقي، شريطة وقف إطلاق النار فورًا ووقف جميع العمليات العسكرية في الإقليم في مقابل تجميد نتائج استفتاء الـ25 من سبتمبر.

الإقليم في بيان حكومته أرجع هذا الموقف إلى أن "الهجمات والصدامات بين القوات العراقية‌ والبيشمركة منذ 16/10/2017 وإلى اليوم، أدت إلى وقوع خسائر من الطرفين وقد تؤدي إلى حرب استنزاف وبالتالي إلى تدمير النسيج الاجتماعي بين المكونات العراقية، وهو ما كان يستدعي تعاطيًا آخر مع الموقف.

تحول موقف رئيس إقليم كردستان لم يكن بسبب سقوط كركوك من تحت إدارة حكومته وسلطتها وفقط، بل تجاوز ذلك إلى ما استقر في يقينه بشأن المبالغة في تقدير قوة الأكراد من جانب وتماسكهم من جانب آخر، هذا بخلاف رد فعل القوى الإقليمية والدولية لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا والذي لم يكن يتوقعه برزاني على الإطلاق.

ولم يصدر حتى الآن أي رد فعل رسمي حيال هذه المبادرة إلا أن بعض المصادر تشير إلى رفضها من الحكومة العراقية مطالبة بإلغاء الاستفتاء وليس تجميد نتائجه وفقط والذي يعني تأجيله مع الإبقاء عليه، مشترطة أنه لا حوار قبل الإلغاء.

دعوة ثلاث كتل سياسية إلى حل مؤسسة الرئاسة، على رأسها حركة "التغيير" التي دعت الأحد الماضي إلى استقالة بارزاني وتشكيل حكومة إنقاذ وطني، لتجنب إقليم كردستان الذي يعيش أزمة خانقة، مزيد من الانقسامات

وقد يستقيل

يواجه برزاني حملة داخلية قاسية، ربما تطيح به من منصبه، إذ تشار إليه أصابع الاتهام بأنه المسؤول الأول عما وصلت إليه الأوضاع داخل الإقليم الذي كان ينعم في السابق بالهدوء والاستقرار.

من المقرر أن تنتهي اليوم الخميس ولاية رئيس إقليم كردستان، إن لم يتم التجديد له من البرلمان الكردي، والذي يبدو أنه يميل إلى سحب صلاحيات برزاني  وتوزيعها على السلطتين التشريعية والتنفيذية حتى تحديد موعد إجراء انتخابات رئاسية جديدة، وهذا ما سيتضح بصورة كبيرة خلال جلسة اليوم المخصصة لهذا الشأن.

هذا بخلاف دعوة ثلاث كتل سياسية إلى حل مؤسسة الرئاسة، على رأسها حركة "التغيير" التي دعت الأحد الماضي إلى استقالة بارزاني وتشكيل حكومة إنقاذ وطني، لتجنب إقليم كردستان الذي يعيش أزمة خانقة، مزيدا من الانقسامات والانتكاسات السياسية، لتنضم إليها فيما بعد  "الجماعة الإسلامية" و"التحالف من أجل الديمقراطية والعدالة"، الذي يتزعمه رئيس وزراء الإقليم السابق برهم صالح.

 في بيان مشترك لتلك الكيانات طالبت بحل مؤسسة رئاسة الإقليم، كما أشار إلى أن "الأطراف الثلاث ستواصل الجهود مع القوى والأطراف السياسية في كردستان لتشكيل حكومة مؤقتة عن طريق البرلمان للقيام بالمهام الرئيسية من إدارة ملف الحوار متعدد الأطراف مع الحكومة الاتحادية والاستعداد لإجراء انتخابات نزيهة وشفافة بإشراف مراقبي المنظمات الأجنبية الخاصة، وإكمال مسودة الدستور بشكل يرسي النظام البرلماني والاستعداد لإجراء الاستفتاء (لإقرار الدستور)، ووضع برامج وخطط لتحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين".

تقدمت الحكومة بعرض ثلاثي الشروط يهدف إلى بدء حوار مفتوح مع الحكومة الاتحادية على أساس الدستور العراقي، شريطة وقف إطلاق النار فورًا ووقف جميع العمليات العسكرية في الإقليم في مقابل تجميد نتائج استفتاء الـ25 من سبتمبر

وفي المقابل نقلت بعض المصادر أن "بارزاني أخبر الجهات السياسية الرئيسية في الإقليم بأنه موافق على نقل صلاحياته إلى السلطتين، وهما برلمان كردستان والحكومة، والجزء الأكبر سيكون للبرلمان"، وهو ما سيناقشه المجلس اليوم بعد تأجيل جلسة الأمس التي كانت من المقرر أن تخصص للتصويت على مشروع قانون يقلص صلاحيات بارزاني، إلا أن الجلسة أرجئت لعدم اكتمال النصاب.

وبحسب البعض فإن الساعات الـ48 القادمة ربما تحمل بين ثناياها انفراجة في الأزمة حال تأكد خبر استقالة برزاني، كونها تعكس رسالة سياسية من الإقليم بموافقتهم على إعادة التفاوض من جديد دون شروط، حتى وإن كانت استقالة رئيس الإقليم لا تعني غيابه عن المشهد السياسي بشكل كامل، إلا أنها ستذيب الجليد بين طرفي الأزمة في هذا التوقيت.

تزايد نفوذ إيران في العراق عقب الاستفتاء 

تداعيات الاستفتاء

لم يكن تهديد مستقبل برزاني السياسي النتيجة الوحيدة للاستفتاء ، إذ إن تداعيات هذه الخطوة لا تزال مستمرة، حاملة معها العديد من المخاطر التي ربما تهدد حلم الأكراد للأبد في بناء دولة مستقلة لهم، فضلا عما يمكن أن تثيره من تهديدات بشأن مستقبلهم المعيشي والأمني.

وتعد زيادة رقعة الخلافات الإقليمية أحد أبرز تلك التداعيات، حيث تسببت هذه الخطوة في توسيع الهوة بين أربيل وأنقرة من جانب وواشنطن من جانب آخر، وهو ما كان سببه سوء تقدير لبرزاني في تقييم العلاقات مع هاتين القوتين.

كما جاء هذا الاستفتاء بمثابة هدية على طبق من فضة لإيران لتعزيز نفوذها عراقيًا داخل الإقليم عن طريق قوات الحشد الشعبي وفرض السيطرة على كركوك، علاوة على ذلك إمكانية إبرام تحالف بين قوات الحشد وقوات "PKK" الكردية وهو ما يعزز حضور طهران خاصة بعد تحسن وضعية حكومة بغداد داخليًا – سياسيًا واقتصاديًا –، فضلاً عن تعاظم دور الحزب الطالباني "الاتحاد الوطني الكردستاني" وتصعيده سياسيًا جراء دوره في وصول المشهد هذه المرحلة كما سيتطرق إليه لاحقًا.

كان الأكراد قبل 2003 ليس لهم حضور سياسي ولا ثقل نسبي في المشهد العراقي، إلا أن دورهم في الإطاحة بالنظام بالسابق، سمح لهم بالحصول على العديد من المكتسبات للإقليم  أبرزها الفيدرالية والاحتفاظ بقوات حرس الإقليم "البيشمركة" وإدخالها ضمن المؤسسة العسكرية العراقية، إلا أن خطوة الاستفتاء الأخيرة ربما تعيد الوضع إلى ما قبل 2003 بحسب بعض المحللين.

ما السبب؟

تضافرت العديد من الأسباب التي قادت الإقليم إلى هذا المصير، ودفعته نحو إجراء استفتاء كان بمثابة الشرارة التي ربما تحرق جميع من كان يحلمون بالانفصال، بعضها ذات مغزى سياسي والآخر اقتصادي، إلا أنها جميعها قادت إلى هذه اللحظة الفارقة في تاريخ إقليم كردستان.

سياسيًا.. كان غياب التنظيم المؤسسي للعمل السياسي داخل الإقليم أحد أبرز أسباب تشتته وإضعافه بهذه الصورة التي ظهر عليها، إذ اقتصر العمل داخليًا على مجموعات منفصلة ومخترقة من الداخل وهو ما أثبتته التجربة، هذا بخلاف الفشل في تطويق حجم الخلاف مع حكومة بغداد وما كان لها من تداعيات على مسألة الاستقرار السياسي الداخلي.

كذلك سوء تقدير وتقييم الموقف السياسي للدول الحلفاء كان له دور محوري في تفسير ملامح الصورة، حيث لعب الإقليم على وتر العلاقات الوثيقة مع تركيا لا سيما في السنوات الأخيرة، كذلك مع الولايات المتحدة والتي لم تبد موقفًا معارضًا واضحًا من الاستفتاء، مما شجع برزاني على التصميم على إجراء الاستفتاء رغم الرفض الإقليمي له، وهو ما اتضحت نتائجه فيما بعد والتي جاءت على عكس توقعاته لتكشف سوء تقديره للأمور.

وفي سياق سوء التقدير أيضًا فقد أغفل رئيس الإقليم التداعيات المحتملة لخطوة الاستفتاء، لا سيما فيما يتعلق بالاستعدادات العسكرية والأمنية والاقتصادية لما يمكن أن يترتب على ذلك داخليًا كان أو خارجيًا، علمًا بأن الكثير من التحذيرات قد أشارت لذلك قبل إجراء الاستفتاء، ومع ذلك لم يضعها برزاني في دائرة الاهتمام، مما أوقعه في هذا المأزق بسهولة ويسر ودون أي مشقة من قوات الجيش العراقي.

اقتصاديًا.. لم ترتق البنية الاقتصادية لأكراد كردستان إلى المغامرة بمثل هذه الخطوة، خاصة أن جميع المعابر الحدودية مع الإقليم تخضع لإملاءات وشروط رافضي الاستفتاء سواء كانت حكومة بغداد أو تركيا، ومن ثم فاللجوء إلى مثل هذا القرار كان يتطلب تأمين مثل هذه المعابر أو توفير البديل إن لم يكن هناك اتفاق مع الطرف الآخر.

هذا بخلاف الأوضاع الاقتصادية المتردية التي يحياها سكان الإقليم البالغ عددهم نحو 8 ملايين نسمة، بينهم ثلاثة ملايين نازح ولاجئ ووافد، ويعمل نحو مليون وأربعمئة ألف شخص لدى الحكومة موظفين أو عسكريين، وتقدر رواتبهم الشهرية بنحو 740 مليون دولار، في ظل عدم دفع حكومة بغداد مستحقات الإقليم من بيع النفط، والبالغة نحو مليار و250 مليون دولار، وهو ما أدى إلى ارتفاع معدلات الدين العام فضلاً عن ضعف الميزانية وزيادة معدلات التضخم.

سوء تقدير وتقييم الموقف السياسي للدول الحلفاء كان له دور محوري في تفسير ملامح الصورة

اتهامات لحزب طالباني بتسليم كركوك للجيش العراقي والحشد الشعبي

انقسام كردي.. كركوك نموذجًا

رغم النتائج التي خرج بها الاستفتاء والتي كشفت عن موافقة أغلبية على التوجه نحو الانفصال، إلا أن ما تمخض عنه من مستجدات أزاح الستار عن شرخ كبير في البيت الكردي، فبدلاً من أن يؤدي هذا الاستفتاء إلى تمهيد الطريق لإقامة الدولة الكردية، أو تعزيز القوة التفاوضية للأكراد، أدى إلى انقلاب كارثي  في مصير أكراد العراق.

وتجسد كواليس سقوط كركوك في أيدي قوات الجيش العراقي والحشد الشعبي حالة الانقسام الواضح في الصف الكردي، وهو ما كشفته صحيفة "واشنطن بوست" حين أشارت إلى "لقاء عاجل عقد في بلدة دوكان المطلة على بحيرة دوكان، جمع كلاً من الرئيس العراقي فؤاد معصوم، الذي ينتمي لحزب الاتحاد الوطني الكردستاني، والزعيم بارزاني، عرض فيه صفقةً من شأنها السماح للقوات العراقية بدخول كركوك"، وبحسب أحد المصادر التي كانت مشاركة في هذا اللقاء فإن "البارزاني غادر اللقاء غاضبًا".

ورغم ادعاء الحزبين (الاتحاد والديموقراطي) أنهما متحدان ولن يتفاوضا من جانب واحد، إلا أن الصفقة قد تمت بالفعل، هكذا تقول الصحيفة الأمريكية، التي نقلت عن أحد مسؤولي حزب البارزاني: "لقد طُرِح الأمر بصفته خيارًا، لكن لم تجرِ الموافقة عليه، لقد تعهَّدوا بأنَّهم لم يعقدوا صفقةً مع العراقيين"، إلا أن ملا بختيار، وهو أحد مسؤولي حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، فقال: "اتفاق دخول القوات قد مرّر إلى بغداد عبر "وسيط" رفض تسميته، مضيفًا "أنَّه قد حاز موافقة الحزب الديمقراطي الكردستاني"، وهو ما ينفيه الحزب بشدة.

انسحاب قوات البيشمركة - التابعة لحزب طالباني - المفاجئ وإفساحها المجال أمام القوات الاتحادية والحشد الشعبي لفرض السيطرة على كركوك -  وهي التهمة التي وجهتها وسائل إعلام كردية للحزب الديمقراطي -  كشف وفق محللين أن هناك أزمة داخلية متعمقة في الجذور الكردية من الصعب معالجتها في ظل الوضع الراهن ما لم تتغير المعادلات مرة أخرى بوجوه وأسماء جديدة ربما تعكس حالة من التفاؤل نحو الخروج من هذا المأزق الذي يحمل آفاقًا ضبابية حيال مستقبل الأكراد ومصير قضيتهم.

تجسد كواليس سقوط كركوك في أيدي قوات الجيش العراقي والحشد الشعبي حالة الانقسام الواضح في الصف الكردي

آراء الخبراء والمقربين من دوائر صنع القرار داخل إقليم كردستان تشير إلى أن سقوط المدينة جاء نتيجة تنسيق بين بافل الطالباني نجل زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني الراحل من جهة، والجنرال الإيراني قاسم سليماني من جهة أخرى، ومن ثم فالنصر الذي حققه سليماني في هذه المدينة يعود الفضل فيه بالدرجة الأولى إلى حزب الطالباني الذي يسيطر بدوره على كركوك والسليمانية، وذلك وفق تقرير سابق لـ"نون بوست".

وهكذا بدلاً من أن يجد أكراد كردستان أنفسهم بعيدًا عن العباءة العراقية إذ بهم يستيقظون على تبعية أكثر إجهاضًا لطموحاتهم السياسية، وذلك حين تفرض إيران سيطرتها شبه الكاملة على الإقليم بعد أن وضعت أقدامها في كركوك مرة أخرى بمساندة حليفيها حزب الطالباني وحكومة العبادي، هذا بخلاف تزايد رقعة الثقوب داخل الثوب الكردي والتي  تزيد الوضع تأزمًا وتضع الجميع في أزمة حقيقية بما فيهم الحليف التركي.