كي يتردد اسم مونتيسوري منذ نهايات القرن الـ19 وحتى وقتنا هذا لم يكن الأمر بسهولة نطق الاسم أبدًا، إذ استلزم هذا الأمر تحديات وصراعات خاضتها ماريا كفتاة وامرأة وطبيبة ومعلمة ورمز مجتمعي له وزنه عالميًا .

الأسرة والميلاد

ولدت ماريا في نهايات القرن الـ20 عام 1870 بمدينة أنكونا الإيطالية، حيث كانت المرأة في أوروبا محدودة الحقوق ومحددة الواجبات، بالإضافة لأسرتها ذات التركيب الخاص جدًا حيث كان والدها رجلًا أوروبيًا محافظًا هو السيد أليكساندرو مونتيسوري يؤمن بتقاليد المجتمع ويرعاها، على نقيض والدتها السيدة رينيلدا التي نشأت في أسرة أكاديمية عريقة واتسمت بالليبرالية الشديدة وأيدت ابنتها في أفكارها .

عام 1875  انتقلت ماريا مع أسرتها من مدينتها لمدينة روما العاصمة الإيطالية، وبرعت ماريا في دراستها وأظهرت تميزًا دفعها للإفصاح عن رغبتها بدراسة الهندسة والالتحاق بالمدرسة الصناعية والتي لم يكن يلتحق بها وقتها إلا الذكور، الأمر الذي رفضه والدها وعارضها فيه .

تعليم الفتيات في تلك الفترة كان مقتصرًا على دراسة الأدب والتاريخ والشعر الكلاسيكي وغيره من الدراسات النظرية التي تؤهل الفتيات إما لدورها التقليدي كأم وزوجة أو معلمة في مدرسة، لكن تلك الدراسات لم ترُق لماريا التي أظهرت ميلًا شديدًا لدراسة الرياضيات والميكانيكا والدراسات العملية ورغم معارضة والدها التحقت ماريا بكلية الطب  .

كلية الطب

تسببت غلطة أحد الموظفين في التحاق ماريا بكلية الطب وتحقيق أمر كان شبه مستحيل، إذ ظن أن اسم الطالب ماريو في حين أنها ماريا، تشابه الحروف الإنجليزية وخطأ الموظف ساعداها على الدخول لعالم كان حكرًا على الرجال فقط، والتحقت بكلية الطب عام 1890 وكانت واحدة ضمن 132 فتاة فقط تدرس بالجامعة في إيطاليا كلها آنذاك، الأمر الذي لم يكن سهلًا أبدًا على زملائها من الشباب وسبب لها السخرية، وكان لهم معها باع من تقليل الشأن والرفض لوجود فتاة في نفس صفوف الدراسة لا يظنون أنها ستنجح في تخطي محاضرات التشريح ودخول غرف الجراحة ورؤية الدماء وراهنوا على فشلها، لكنها استطاعت اجتياز كل هذا وخسروا الرهان.

عام 1896 تخرجت مونتيسوري بعد تخصصها في طب الأطفال والطب النفسي مما ساعدها على العمل مع الأطفال على أسس نفسية سليمة، وبذلك أصبحت مونتيسوري أول امرأة تعمل كطبيبة في إيطاليا .

 صورة ماريا مونتيسوري في شبابها

بعد التخرج عملت ماريا في أحد المشافي المخصصة للأطفال المصنفين كمعاقين ذهنيًا، وشهدت في بدايات عملها المعاملة المتسمة بالإهمال والتجاهل التي يتلقاها هؤلاء الصغار، وفقر حياتهم في المشفى من حيث النشاطات وسبل التعلم، بالإضافة لعزلتهم التامة عن العالم وعدم مساعدتهم على اكتشاف المجتمع المحيط بهم .

كان لماريا في عالم الطب أبوان روحيان هما جان إياتارد وإدوارد سيجوين وهما طبيبان لهما إسهامات جليلة في علم النفس وتجارب قيمة متعلقة بنمو الطفل العقلي والبدني، وما زالت حتى اليوم هناك أدوات تعليمية منسوبة للسيد سيجوين، أما السيد جان إيتارد فهو الذي أثبت أن الانسان تنمو داخله الروابط الاجتماعية ولا يُولد بها من خلال تجربته مع أحد الأطفال الذي وُجد في الغابة وحيدًا وفشل في دمجه في المجتمع، وهي التجربة التي انبثقت منها رواية طرزان الشهيرة .

في إحدى المرات عرّضت ماريا هؤلاء الأطفال لتجربة فريدة وهي أن عرضتهم للمطر، أول مرة يتعاملون معه وقد أحسنوا ذلك وتوالت التجارب، في إحدى المرات أحضرت للأطفال بعض الرمال وطلبت منهم محاكاة الحروف الأبجدية عليها وبالفعل تعاملوا معها، واستطاع أحد الاطفال أن ينقش حروف اسم ماريا - المطبوعة على دفترها - على الرمال دون أن يدفعه أحد.

من هنا أيقنت أن طريقتها المبتكرة في التعليم لها نتائج جيدة، وبالفعل استمرت معهم في المراقبة والتجريب وتدوين الملاحظات، وعرضت هؤلاء الأطفال لاختبارات القراءة والكتابة المخصصة للأطفال المعافين وحقق طلابها نجاحًا وتقدمًا ملحوظًا، مما كان له أثر بالغ على الاطفال وعلى ماريا نفسها .

السيدة مونتيسوري ومن خلال بعض الخامات البسيطة استطاعت توفير أنشطة لهؤلاء الصغار مكنتها من تعليمهم القراءة والكتابة، ومن خلال تغييرها لنمط غرف الدراسة استطاع الأطفال التواصل مع بعضهم ومعها  بشكل أفضل، استطاعت بعدها ماريا أن تقدم الأطفال لاختبارات المرحلة الابتدائية وتمكنوا من اجتيازها .

بيت الطفل

صورة بيت الطفل

في العام  1907أوكلت لماريا مهمة الاعتناء بأبناء العاملين بالمصانع في أحد الأحياء الفقيرة، بدأت ماريا في تطبيق أساليبها التعليمية معهم واستمرت في عملها في المراقبة والتطبيق والتدوين والتحليل واعتماد بعض الأساسيات التي يجب أن يكون عليها فصل المونتيسوري في المدارس.

بعض أهم تلك الأساسيات :

- يجلس التلاميذ على كراسي وترابيزات بعد أن طلبت من النجارين تغيير شكل المقاعد التي أمدتها بها الجهة المعنية.

- أدوات التلاميذ لا توضع في خزانات مغلقة بل خزانات مفتوحة ومتاحة طوال الوقت للأطفال.

- غرفة الدراسة بلا سبورة، وتوجد مسافات كافية بين المقاعد بعضها وبعض لسهولة حركة الأطفال.

- كل الأدوات الموجودة في غرفة الدراسة يجب أن تكون متناسبة مع حجم الطفل وفي متناول يده.

- أرست قواعد تنظيمية بخصوص أنشطة الأطفال كسجادة العمل وآلية استعمال الأواني وغيرها.

- لا عقاب في التعامل مع الأطفال، الطفل حين يتعلم القواعد فإنه يتقنها ويلتزم بها.

والعديد من القواعد الأخرى التي أرستها مونتيسوري وما زالت تطبق حتى يومنا هذا في المدارس التي تتبنى تلك المنهجية التعليمية .

فصل المونتيسوري قديمًا

مجتمع المونتيسوري في إحدى المدارس التي تتبنى تلك المنهجية وبأسلوب السيدة مونتيسوري

اكتشاف الطفل 

في أحد مؤلفاتها تحدثت مونتيسوري باستفاضة عن اكتشاف الطفل، في كتاب يحمل نفس العنوان أقرت بعض ملاحظتها ومنها:

- أن الطفل يروقه أن يعمل لهدف.

- الروتين والثبات البيئي يعينان الطفل على التعلم السريع.

- التأثير الداخلي للطفل هو المعين الأول في تهذيبه وليس التأثير الخارجي.

- إذا قدمت معلومات مركبة ومعقدة للطفل بطريقة بسيطة فإنه يستطيع استيعابها بسهولة.

- بخلاف قواعدها التي تحث على تعليم السلام من خلال وعي الطفل بذاته ومجتمعه وبيئته وثقافته.

قدمت السيدة مونتيسوري بعد ذلك عشرات الكتب والمؤلفات منها مثلًا كتاب "ما الذي يجب أن تعرفه عن طفلك؟" و"سر الطفولة" و"العقل المستوعب" وغيرها .

وأطلقت على مدرستها اسم "case dei bambini" أي "بيت الطفل" لأن كل شيء فيها أصبح في متناول الأطفال وبين أيديهم، حقق ذلك البيت نجاحًا ملموسًا ولفت انتباه رجال التعليم والآباء لماريا وجهودها التي ارتقت بمستوى أداء الأطفال تعليميًا وعمليًا في جوانب حياتهم المختلفة .


صورة مع الأطفال

حياتها الأسرية

رغم كل ما حققته مونتيسوري ومساهمتها في تعليم ملايين الأطفال حول العالم، فإنها عجزت عن مرافقة ابنها وتربيته .

في العام  1897كان لمونتيسوري صديق يدعى جوزيف مونتيسانو، ارتبطت به، وفي عمر الـ26 أصبحت ماريا حاملًا في تحول دراماتيكي في حياتها، رفضت الزواج بجوزيف كي لا يتغير لقبها من مونتيسوري لمونتيسانو كما هو متعارف عليه في أوروبا، وبسبب أنها أم عزباء صعب عليها مواجهة المجتمع، فأرسلت بابنها للريف ليتربى هناك مع أمها بين القرويين وكان يزورها من آن لآخر دون أن يعرف أنها أمه .

بعدها بسنوات قلائل تزوج جوزيف من امرأة أخرى، إلا أن ماريا رفضت الزواج نهائيًا وتوقفت عند تلك التجربة .

عام 1912 توفيت والدتها وعاد الولد إليها لتعلمه الحقيقة وأنها والدته وطلب البقاء معها فوافقت وظلا سويًا .

في نفس العام نشرت كتابها "أساليب مونتيسوري" الذي ترجم لعدة لغات وساعدها على نشر أفكارها في العديد من مدن العالم ،واستطاعت افتتاح مراكز التدريب التي هدفت لتدريب وتخريج معلمي مونتيسوري من أجل العمل في مدارسها وفق منهجيتها .

مع حلول العام 1913 كان في الولايات المتحدة أكثر من 100 مدرسة مونتيسوري بعد التقائها الرئيس الأمريكي ويلسون ودعمه لها، طافت ماريا دول عديدة أوروبية كفرنسا وبلجيكا وهولندا وإسبانيا وانتشرت مدارسها في كل بلد زارته، والتقت بوجهاء وعلماء العالم كتوماس أديسون وسيجمان فرويد وباترن راسل .

موسوليني وهتلر

تعرضت السيدة مونتيسوري لضغوطات بسبب الأوضاع السياسية السائدة في أوروبا وقت الحربين العالميتين وتحديدًا الحرب العالمية الثانية (1939 - 1948)، حاول موسولوني الضغط عليها وضم مدارسها لسلطته من أجل تعليم وغرس القيم الفاشية، إلا أن رفضها جعله أغلق كل مدارسها في إيطاليا، تكرر الأمر مع هتلر وأدى رفضها لبث المبادئ النازية في مدارسها لإغلاق مدارسها أيضًا في ألمانيا وإحراق كتبها ومؤلفاتها  .

وأحد أهم أسباب مونتيسوري في هذا الرفض أنها تؤمن بأن الأطفال لا بد أن ينشأوا أحرارًا في أفكارهم دون تلقين أو تأثير خارجي .

اضطرت بعد إغلاق مدارسها لمغادرة إيطاليا عام 1933 وتوجهت للهند، حيث التقت هناك بالماهاتما غاندي الذي اتسقت أفكاره كثيرًا مع أفكارها من حيث تقدير قيمة الإنسان كإنسان لذاته واحترام ميوله ورغباته وقدراته، وهو الأمر الذي ساعدها كثيرًا على افتتاح مدارس أخرى هناك ومراكز تدريب جديدة .

ماريو ابن ماريا مونتيسوري هو من أعاد اكتشاف إرث والدته التعليمي بعد وفاتها بتعاونه مع الدكتورة نانسي مكروميش في العام ،1960 وهو أحد أسباب استمرار منهجيتها حتى الآن .

الآن يوجد حول العالم ما يزيد على 14 ألف مدرسة للمونتيسوري، كلها تعمل بنفس الفلسفات التي وضعتها ماريا مع تطوير طفيف في شكل الأدوات لكن باستمرار نفس الآليات .

من المهم أن نقول إن العديد من الشخصيات العامة تخرجت من مدارس مونتيسوري، كالأديب العالمي غابرييل غارثيا ماركيز ومؤسسي شركة جوجل سيرجي برين ولاري بيج وأحد مؤسسي ويكيبيديا والفنان العالمي جورج كلوني مبعوث السلام سابقًا بالأمم المتحدة .

نوبل

رُشحت السيدة مونتيسوري 3 مرات لنيل جائزة نوبل للسلام لكنها لم تحصل عليها، في المقابل طُبعت صورتها على طوابع بريد وعملات بعض الدول تقديرًا لدورها الريادي في دعم مسيرة التعليم عالميًا .

 صورة العملة الإيطالية

لم يقتصر مجهود ماريا فقط في دراسة الطب والبراعة فيه، وإنما كانت ناشطة نسوية بارزة تنادي بحقوق النساء وعدم معاملتهم كمواطنين درجة ثانية بعد الذكور، واحتساب أصواتهن في الانتخابات وإعطائهن حقوقهن التعليمية كاملة بالإضافة لحقوق اجتماعية وسياسية .

في هولندا عام1952  توفيت ماريا مونتيسوري عن 81 عامًا، قضت أكثر من ثلثي عمرها في خدمة أطفال العالم، من أجل التربية والسلام ومن أجل تعليم أفضل يقدم نماذج واعية ومدركة للحياة والمستقبل .

فيلم تمثيلي يروي قصة حياة ماريا مونتيسوري