عرفت الجزائر تعاقب العديد من الحضارات عليها، مما انعكس على عمارتها، فكل حضارة حطّت بالبلاد وسكنت مناطقها، تركت بصماتها وآثارها فيها، وما الإمبراطورية العثمانية إلا واحدة من هذه الحضارات التي ما زالت آثارها من قصور ومنازل ومساجد شاهدة عليها.

قصر الحاج أحمد باي

عند وصولها إلى الجزائر، نقلت الإمبراطورية العثمانية معها عمارتها وتأثيراتها البيزنطية من عقود وقباب وغيرها، ومن آثارها التي استطاعت البقاء والصمود في وجه الزمن قصر الحاج أحمد باي في مدينة قسنطينة، وما زال هذا القصر شاهدًا على إنجازات الدولة العثمانية وبطولات الباي أحمد الذي شيّد القصر بطريقة جعلت منه إعجازًا عمرانيًا، يحمل بين جدرانه هوية دولة وتاريخ شعب.


يقع هذا القصر بقلب المدينة القديمة بقسنطينة، في حي القصبة العتيق، يمتد على مساحة تقدر بـ5600 متر مربع، ويعود تاريخ بنائه إلى الفترة بين 1825 و1835، ويعود الفضل في تشييده لآخر البايات العثمانيين الذين حكموا الجزائر، ويتعلق الأمر بالباي أحمد بن محمد الشريف بن أحمد القلي الذي حكم بايلك (منطقة) الشرق لمدة 16 سنة، وهو من والد تركي وأم جزائرية تدعى الحاجة الشريفة من عائلة عريقة تسمى عائلة بن قانة.

واستغرق بناء هذا القصر 10 سنوات، وكان مقر الحكم ببايلك الشرق، ويتكون من 121 غرفة و45 بابًا و60 نافذة و2300 متر مربع من الأسقف الخشبية، تم صناعتها من خشب شجر الأرز، وعليها نقوش إسلامية مختلفة، تم طلاؤها بالألوان الصفراء والحمراء والخضراء، وهي نفس الألوان التي تم اعتمادها في دهان جميع أسقف القصر وزجاج النوافذ وباحات الاستقبال.


وتزين جدران القصر رسومات على مساحة 2000 متر مربع، وتعتبر مرجعًا يؤرّخ لحياة الحاج أحمد باي، وتعكس مختلف التجارب والرحلات التي قام بها على مدار 15 شهرًا - 1818/1819 - وذلك قبل تعيينه على بايلك الشرق، ورافق في بعضها داي الجزائر العاصمة، وقادتهما إلى دول الشرق الأوسط مرورًا بتونس وطرابلس الليبية وميناء الإسكندرية الذي رست به الفرقاطة التي كان على متنها الباي وداي الجزائر، وصولاً إلى مساجد القاهرة وإسطنبول المعروفة بالجامع الأزرق ذي المآذن الستة -السلطان أحمد -، والحجاز ومكة المكرمة، إلى جانب المعارك التي شارك فيها الباي أحمد، ومختلف إنجازاته في مدينة قسنطينة والجزائر.

قصر مصطفى باشا

تحتوي مدينة القصبة على العديد من القصور العثمانية التي كانت مقرّات لحكامها وأمرائها وقادتها البحريين، وتتميز هذه القصور بدرجة عالية من الجمال والجاذبية، والزائر لقصور القصبة ستجذبه دون شك، هندستُها المعمارية البديعة، حينما يتوغل أي زائر في أي قصر عثماني بالقصبة سيدخل من الباب الخارجي عبر رواق صغير يحيط به سقفٌ على شكل قوس إلى فناء واسع يسمى "وسط الدار"، وهو المكان الذي كانت تجتمع فيه نساء الحكام وحريمهم بعيدًا عن الأعين، حيث تحيط به الشرفات والغرف من جهاته الأربعة فتحجب المكان تمامًا عن العالم الخارجي، وتتوسط "وسطَ الدار" نافورة مياه مشيَّدة بشكل جميل تزيده رونقًا وبهاءً.

من هذه القصور، قصر مصطفى باشا الذي بني سنة 1798، شيد هذا القصر بالقصبة السفلى بالقرب من البحر، وحولته السلطات الاستعمارية حتى 1948 إلى مكتبة وكانت أول مكتبة فرنسية بالجزائر، قبل أن يصبح بموجب مرسوم وزاري بتاريخ 7 من نوفمبر 2007 مقرًا لمتحف الزخرفة والمنمنمات وفنون الخط.


تقابلك عند مدخله "سقيفة" جدرانها مزخرفة بأنواع رائعة من الرخام الخالص وبلاط مزركش بأشكال هندسية رائعة، بها مجالس لانتظار أمر الدخول للقصر، تليها قاعة الاجتماعات لديوان الوزراء وخطبة الداي، مزخرفة بأشكال ورسومات مختلفة تعود للقرن الـ18، توجد في جميع غرف القصر وعلى أحد جدرانها الخارجية ثلاث فتحات تسمى "الريحيات"، وثلاث فتحات أخرى قرب سقف الغرفة تسمى "الشمسيات"، تستعمل لتهوية الغرفة.

من مميزات القصر أيضًا أن جميع أبوابه كبيرة مصنوعة من الحطب، بها باب صغير يسمى "خوخة" يفتح دائمًا في فصل الصيف.

ويحتوي القصر على أكثر من 500 ألف قطعة بلاط رفيعة تملأ كل مكان فيه، وهي ذات ألوان جذابة ومرتبة بذوق فني رفيع، ويعتبر القصر الأول والوحيد في الجزائر الذي توجد فيه هذه الكمية، إضافة إلى أعمدة من السيراميك الإسباني والتونسي والإيرلندي.

بني القصر على شكل قلعة ويحتوي على ثلاثة طوابق، ناهيك عن الأرضي الذي خصص لضيوف الداي، أما الطابق الأول للداي وعائلته، والثاني للأقارب، والطابق الثالث والأخير فخصصه للعبيد والعاملات بالقصر، توجد به قاعات للرقص تحييه الجواري للداي.

قصر رياس البحر

يقع أسفل القصبة وعلى واجهة البحر الأبيض المتوسط، وهو قصر ذو جمال أخاذ لثقافات وحضارات ولّت، فتح أبوابه للعامة منذ سنوات قليلة فقط بعد سنوات طويلة من الترميم، شيّد بأمر من رمضان باشا ليعبر بذلك عن الثقافة العثمانية وتاريخها، وتطلق عليه تسمية برج طبانة والبرج الجديد والحصن 23 أو بيت الزوبية.

صنف سنة 1990 كمعلم تاريخي، ليبقى شاهدًا على تعاقب الحضارات والثقافات الإنسانية، تربع على مساحة إجمالية قدرها 4000 متر، يتميز بإطلالة جميلة على واجهة البحر الأبيض المتوسط، حاكيًا تاريخ التصدي للمستعمر الفرنسي من خلال المدافع التي ما زالت صامدة وتحكي لأبناء الجزائر نضالها وكفاحها من أجل الحرية.

يتكوّن القصر من ثلاث بنايات متشابهة وهي حصن 17 و18 و13 متلاصقة ببعضها البعض، وتميز معلمًا بارزًا يشكل تاريخ الجزائر، وتبدأ حكايته سنة 156 أين قام الداي رمضان باشا بتشييد القصر بحجر المرمر الثمين وبزخرفة عثمانية ليحيي الثقافة العثمانية عبر العصور ويعزز دفاعات المدينة المنخفضة، ولقب سابقًا بقاع السور نظرًا لموقعه في أسفل مدينة الجزائر، وتشكل هذه القصور مجتمعة رياس البحر، إلى جانب ستة مساكن للبحارة متناسقة في تركيبتها العمرانية رغم بساطتها وقربها.

المتأمل للقصر يدرك أنه لا يختلف كثيرًا عن قصر خداوج العمياء والداي مصطفى، فمعظمها يحتوي على السقيفة ووسط الدار والسطح، فالمتجول بين أروقته يجد سقيفة القصر يدخل إليها من خلال مدخل منكسر، ووسط الدار مكشوف لدخول الهواء، الحمام ينقسم إلى قاعتين واحدة للمياه الباردة وأخرى للساخنة، مرفقًا بآبار لصرف المياه، إلى جانبه المطبخ التقليدي بأفرانه جاء سطحه مستو ومسطح كان له دور في تجفيف المحاصيل الزراعية.

قصر "خداوج العمياء"

يعد القصر الأثري العتيق "خداوج العمياء" الذي يقع أسفل حي القصبة، تحفة خالدة وأسطورة عثمانية حية وأحد الروائع المعمارية النادرة التي تتلألأ قبالة الواجهة البحرية الموروثة عن العهد العثماني، ورغم مرور خمسة قرون على بنائه أول مرة من قبل البحار التركي الشهير "خير الدين بربروس" في ربيع 1546، فإنّ أعمدته وأقواسه وفوانيسه لا تزال متشامخة.

تفيد بحوث تاريخية، أنّ الخزناجي "حسن باشا" (وزير التجارة في الدولة العثمانية في القرن السادس عشر)، اشترى القصر المذكور وأهداه لابنته الأميرة الكفيفة "خداوج" ومن يومها أخذ القصر اسم "خداوج"، فالاسم كنية مشتقة من اسم خديجة، وتروي أسطورة قديمة، دأب السكان على نقلها للأجيال المتعاقبة، أنّ الأميرة "خداوج" كانت فتاة باهرة الجمال والحسن، وفقدت بصرها لإفراطها في استعمال الكحل، فقد كانت معجبة كثيرًا بنفسها، لذا أمضت الساعات الطوال تتأمل جمال وجهها في المرآة.

يتكون هذا القصر من ثلاث وحدات بنيت على ثلاثة طوابق، يؤدي المدخل الرئيسي إلى ممر يمكن من حجب داخل الدار عن الأنظار، يوصل الممر المتعرج إلى صحن صغير تحيط به غرف للإقامة، وتخضع غرف الطوابق العلوية لتصميم ثلاثي يتكون من فضاء أوسط عميق وآخرين جانبيين.

ويتكون قصر "خداوج" من ثلاثة طوابق، أولها أرضي يقودك إليه درب صغير موشى بجداريات من الرخام المزخرف، أما الطابقان الثاني والثالث، فتعثر فيهما على مشربية السلطان وطقم كامل من غرف النوم والاستراحة وكذا الحمامات، وتتوسط الدار، مثلما هو حال جميع دور المدينة، صحن طويل بنسق فناء شاسع تزينه فصيلة من الأقواس الرخامية أبدعت الأنامل التركية في بسطها ورصّها، لتعانق نوافير يتسلل منها ماء زلال يشفي الظمآن.

قصور "حسين الداي"

كانت سبعة قصور بحي "حسين داي" تناقصت إلى أربعة وهي: قصر بلكين والبيت الريفي وقصر ناربون وجنان الدمرجي، ويعد قصر "بلكين" الأجمل وهو عبارة عن قطعة أثرية فريدة، يتميز بأشكاله الملتوية ومواد بنائه المحلية والتقنيات الضعيفة التي ترمز إلى مجتمع تكيف بالوسائل البسيطة مع متغيرات المناخ كافة.

سنة 1821، شيّد الداي حسين هذا القصر على قطعة اشتراها آنذاك على مستوى ضيعة تعرف بـ"بيجي كو"، ولا يزال هذا الاسم قائمًا إلى الآن، ثم ضم قطعة مجاورة، وخصص الداي حسين هذا القصر لقضاء أوقات فراغه حتى أخذ مسمى "البيت الريفي".

بُني "البيت الريفي" على مساحة مستطيلة الشكل طولها 40.65 متر وعرضها 25.37 متر، ويتكون المبنى من طابقين أرضي وعلوي على صحن مربع وحديقة واسعة داخل القصر من الجهة الشمالية بها أشجار حمضية وكروم العنب، أما بالخارج فزين بأشجار المطاط وبعض النخيل، ويتكون الطابق الأرضي من أربع غرف وسقيفة تؤدي إلى الحديقة ومطبخ، في الجهة الشمالية يوجد بيت المؤن ورواقين متعامدين على ضلعي الحديقة.

يتألف قصر ناربون الذي اتخذه الداي محلاً للصيد من قسمين: الأول عتيق جدًا في حالة ترميم، وقسم حديث معدّل، وكان الداي يقصده لقضاء أوقات فراغه وممارسة هواية الصيد، أما قصر "جنان الدمرجي" فعبارة عن مجموعة سكنية مكونة من ثلاث كتل مستطيلة.