سجلت المرأة العربية انتصارات وحضورًا مميزًا هذا العام، من خلال حصدها مزيدًا من القوانين التي تقف في صف تمكين وتعزيز وجودها المحلي والدولي، ومن إحدى هذه النجاحات هو السماح للمرأة السعودية بالقيادة، وإلغاء قانون إعفاء الجاني في الجرائم الجنسية إذا ما تزوج من ضحيته في الأردن، إضافة إلى وضع قانون العنف ضد المرأة في تونس وحماية المعنفات ومحاكمة المجرمين.

ووسط هذه التعديلات القانونية التي شهدت موجات من الجدل بين المؤيدين والمعارضين لسنوات عديدة، ظهرت محاولات جديدة من قبل البرلمان في العراق لتمرير مقترح يجيز زواج القاصرات من سن 9 سنوات. جدير بالذكر، أن هذه هي المحاولة الثالثة لإجراء تعديلات على قانون الأحوال الشخصية، فلقد تم اقتراحه مسبقًا مرتين منذ عام 2003.

والخلاف على هذا القرار، لا يعني أن الزواج المبكر في الوطن العربي لا يعد عادة اجتماعية، وإنما يعتبرونه آخرون عادة دينية أيضًا، وهذا بحكم المذاهب التي تعتقد أن تكليف المرأة بالفروض والواجبات الدينية تبدأ من سن 9 سنوات، وهذا مثل المذهب الجعفري الذي تتبعه الغالبية الساحقة من شيعة العراق والتي تؤمن بصلاحية زواج الفتاة في هذا السن.

ملايين من الفتيات يتزوجن بأعمار صغيرة

يعتبر زواج الأطفال قضية عالمية ولا تقتصر على دول الوطن العربي، لكن يزيد عددها في البلدان النامية بصفة عامة وتكثر في المناطق الريفية بالأخص، بينما تقل في المناطق الحضرية حيث ترى الأسر أن الأولوية تعود إلى التعليم والعمل قبل الزواج، وفقًا لهذه الرؤية الاجتماعية، تبلغ نسبة الفتيات اللواتي يتزوجن في سن مبكرة في الأرياف ضعف تلك المسجلة في المناطق الحضرية.

في المنطقة العربية تنتشر هذه الظاهرة بنسب مختلفة، فلقد سجلت السودان نسبة 52%، وموريتانيا 35%، واليمن 32%، وفلسطين 21%، وفي مصر 17% وتنخفض النسبة نسبيًا في لبنان حيث تمثل 6% من حالات الزواج

بحسب إحصاءات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2016 فإن حوالي 15 مليون فتاة في الدول النامية تتزوج قبل بلوغها 18 سنة، هذا بجانب تنبؤات منظمة الصحة العالمية التي أوضحت مسبقًا أن أكثر من 14 مليون فتاة ستتزوج في الفترة بين 2011 و 2020 وأن 50% منهم تحت سن 15 عامًا.

تتصدر الهند القائمة في عدد حالات القاصرات وتمثل 47% من عدد حالات الزواج، أما في المنطقة العربية فتنتشر هذه الظاهرة بنسب مختلفة، فلقد سجلت السودان نسبة 52%، وموريتانيا 35%، واليمن 32%، وفلسطين 21%، وفي مصر 17% وتنخفض النسبة نسبيًا في لبنان حيث تمثل 6% من حالات الزواج، و2% في تونس والجزائر.

ما هو مستقبل الفتيات المتزوجات بأعمار صغيرة؟


يقول المدير التنفيذي لصندوق الأمم المتحدة للسكان، باباتوندي أوسوتيميهن "إن زواج الأطفال يعد انتهاكًا مروعًا لحقوق الإنسان ويسرق الفتيات من تعليمهن وصحتهن وتطلعاتهن على الأمد الطويل" ويضيف "عندما تتزوج الفتاة وهي طفلة فإن هذا يحرمها من استكمال إمكاناتها، وعلينا أن نعمل معًا على إنهاء زواج الأطفال".

تتعدد العواقب الاجتماعية والنفسية الناتجة عن زواج الفتيات في سن صغيرة، فالمشكلة لا تتوقف فقط على عمر الفتاة أو عدم بلوغها سن الرشد، بل تكمن الصعوبة هو بما تتعرض له الفتيات خلال هذه الفترة من تحديات ومسؤوليات قد تكون أكبر من قدرتها على التحمل، ومن هذه العواقب:

العنف: في هذا الخصوص، صرح صندوق الأمم المتحدة أن الفتيات القاصرات المتزوجات يتعرضن أكثر من غيرهن للعنف من الشريك، سواء من خلال المعاملة اليومية أو الحياة الجنسية التي تعيشها والتي كان من الممكن تجنبها لو تزوجن بسن أكبر.

تحرم الفتيات في هذا السن من فرصة التعليم والعمل، وبسبب الواجبات المنزلية والزوجية فإن تطلعاتها وطموحاتها تصبح بعيدة المنال، وهذا يعتبر انتهاكًا لحقها في الحصول على التعليم ومنعها من اكتساب المهارات المهنية والحياتية

الصحة الجسدية: تحذر المنظمة من مخاطر عمليات الحمل والولادة على صحة الفتيات القاصرات، وتبين أن السبب الرئيسي للوفاة بين الفتيات في الفئة العمرية 15 إلى 19 سنة هو مضاعفات الحمل والولادة، وانعدام الوعي الصحي اللازم للاهتمام بصحتهن خلال هذه المرحلة من تكوين الجسم.

إذ تقول فلافيا باستريو، المديرة العامة لشؤون الصحة في منظمة الصحة العالمية أن "الفتيات اللاتي يتزوجن في وقت لاحق ويؤخرن الحمل إلى ما بعد سن المراهقة تتاح لهن فرصة أكبر للتمتع بصحة أقوى، وتحصيل علمي أعلى، وقدرة على بناء حياة جيدة لأنفسهن ولأسرهن".

وفي نفس السياق بينت رئيس المركز المصري لحقوق المرأة، نهاد أبو القمصان أن الفتيات القاصرات يتعرضن لأمراض نفسية وعصبية ويكن أكثر عرضةً للاهتزاز النفسي والأمراض السلوكية، بجانب تهتك في الأعضاء التناسلية، كما أن 60% من وفيات الأطفال نظرًا لصغر سن الأم وجهلها.

سلب الحقوق: تحرم الفتيات في هذا السن من فرصة التعليم والعمل، وبسبب الواجبات المنزلية والزوجية فإن تطلعاتها وطموحاتها تصبح بعيدة المنال، وهذا يعتبر انتهاكًا لحقها في الحصول على التعليم ومنعها من اكتساب المهارات المهنية والحياتية، وبحسب الإحصائيات فإن نسبة الفتيات اللواتي لم يتلقين أي تعليم هي أعلى بثلاث مرات من نسبة اللاتي حصلن على تعليم ثانوي أو تابعن دراسات عليا.

العادات الاجتماعية والحاجة المادية تجبر الفتيات على الزواج بسن الطفولة

صدرت اتفاقية دولية لحقوق الطفل عام 1989، تنص على أن كل إنسان لم يتجاوز سن 18 يعتبر طفلًا وتزويج الأطفال في هذا السن لا يتماشى مع الاتفاقيات الدولية وحقوق الإنسان.

تجبر المجتمعات اليمنية والتي تحكمها العقلية القبلية الأسر على أخذ قرار الزواج المبكر، أما في المجتمع السوداني فالدافع الأول لزواج الأطفال هو تفشي الفقر والجهل، وفي مصر تلجأ الأسر إلى تزويج فتياتهن لرفع المسؤولية عنهم بسبب غلاء المعيشة والعوز.

وعلى الرغم من وجود قوانين تحظر زواج الفتيات تحت سن 18 في بعض الدول العربية، إلا أن هذه القوانين تتخللها الكثير من الاستثناءات والتحايلات، بجانب الأعراف الاجتماعية التي تعتبر أن الزواج المبكر هو قاعدة اجتماعية، وأي حالة عكس ذلك، تدخل ضمن التصنيفات الاجتماعية السلبية التي تنقض من قيمة المرأة.

تختلف أسباب تزويج الفتيات القاصرات في المجتمعات العربية بين اجتماعية ودينية واقتصادية، فمثلًا تجبر المجتمعات اليمنية والتي تحكمها العقلية القبلية الأسر على أخذ قرار الزواج المبكر، أما في المجتمع السوداني فالدافع الأول لزواج الأطفال هو تفشي الفقر والجهل، وفي مصر تلجأ الأسر إلى تزويج فتياتهن لرفع المسؤولية عنهم بسبب غلاء المعيشة والعوز.

كما ترى المؤسسات والمنظمات المسؤولة عن حقوق المرأة والطفل أن الأسر الفقيرة تضطر للحد من عدد أطفالها الذين يحتاجون إلى رعاية كاملة وما يتطلبونه من احتياجات مادية مثل الطعام والكساء عن طريق تزويج الفتيات بسن مبكرة، خاصة أن المهر يعتبر حافز لكبير لبعض العائلات، ومن ناحية آخرى هناك المعتقدات الاجتماعية التي تؤمن أن الزواج المبكر يحمي الفتاة من العلاقات المحظورة أو الاعتداءات الجنسية، وترى أن زواجها هو حماية لكرامتها وشرف العائلة.

لكن قد تتعمد بعض الأسر أو المجتمعات على الاستناد إلى حوادث تاريخية حدثت فيها حالات زواج بسن مبكر لدوافع مختلفة لا يمكن مقارنتها في العصر الحالي، وفي الوقت الذي تعامل فيه المرأة على أنها جزء من تنمية المجتمع من خلال مشاركتها في جميع المجالات المختلفة، إلا أن الحقيقة تقول أن الأعراف الاجتماعية تهزم كل القوانين المدنية والاتفاقيات الدولية.