منزل متهالك ذو طراز قديم يحوي غرفا واسعة، وباحة مفتوحة تعلوها شجرة برتقال .. إنه معبد "التوراة"، الذي يحمل هذا الاسم منذ أكثر من 60 عاما، عندما كان معبدا ليهود مدينة سامراء شمالي العراق، الواقع بالحى المعروف بـ "سوق اليهود" في وسط مدينة سامراء، محاط الآن بعدد من منازل متهالكة، وقد صار مسكنا، بعدما رحل اليهود إلى إسرائيل.

ويميز سامراء، المدينة الأثرية الواقعة بمحافظة صلاح الدين، جملة من المعالم تعود إلى حضارات قامت عليها منذ آلاف السنين، ولا تزال شاخصة حتى الآن، وهو ما عزز من مكانتها.

فقبل 100 عام، وتحديدا إبان الاحتلال البريطاني للعراق الذي كان بين الأعوام 1914 إلى 1920، كان عدد اليهود في مدينة سامراء 300 شخص فقط، قبل أن يبدأ هذا العدد بالتناقص تدريجيا، حتى بدء رحيلهم عن العراق في أواخر الأربعينيات من القرن الماضي.

ورحل اليهود إلى الأراضي الفلسطينية، حتى أن أعدادهم بالعراق الآن لا تتجاوز العشرة، يقطنون في الغالب العاصمة بغداد، ومع ذلك لا تزال آثارهم موجودة في ملكيات لسكان محليين اشتروها من أصحابها قبل رحيلهم، فاليهود في العراق أصحاب تاريخ يرجع لأكثر من 2500 عاما.

ويعد "معبد التوراة" وعدد من المنازل ذات الطراز العراقي القديم المتميز، من أبرز ما تبقى من تلك الآثار في سامراء، حيث لم يتبقى سوى الذكريات التي تركها اليهود خلفهم، عندما كانوا يعيشون جنبا إلى جنب مع المسلمين.

ويتذكر صمد عباس الذي يبلغ من العمر 70 عاما أحد سكان حي سوق اليهود بسامراء القديمة، جيرانه أبناء الطائفة اليهودية قبل رحيلهم، وكيف كانوا يقيمون طقوسهم فيقول أن "اليهود كانوا أصحاب متاجر وأملاك، وكانوا أناسا طيبين، ونتذكرهم جيدا من خلال احتفالاتهم ومناسباتهم الكثيرة خلال السنة".

ويسكن الآن "معبد التوراة" حاليا عائلة عبد الرزاق السامرائي بعد أن أجرى على المكان بعض التعديلات لتلائم عائلته كمسكن، إلان أن المعبد لا يزال يحتفظ بطرازه الأثري، حيث السرداب الذي وجد فيه قاطنوه الجدد كتبا دينية يهودية.

ولا يزال حي "سوق اليهود" كحال المعبد محتفظا بهيئته التراثية القديمة، حيث الأزقة الضيقة والدور السكنية المتلاصقة إلا أنها متقادمة.

ويروي قاسم حسن عميد كلية الآثار بجامعة سامراء تاريخ نشأة السوق قائلا أنه "من الأماكن الأثرية الغنية بسامراء ونشأ مع بنائها الحديث للمدينة وكان فيه سكان يهود".

أما عمر عبد الرزاق مسؤول الآثار بمدينة سامراء فيقول أن "السلطات تحاول بشكل جاد العمل على تأهيل المناطق الأثرية، وقد أجرت بعض الكشوفات والمسوحات حولها، لكنها تحتاج إلى إجراءات روتينية وزارية وكذلك متابعات لغرض العمل عليها".

وعند إعلان دولة إسرائيل على أراض فلسطينية أواخر الأربعينيات من القرن الماضي، لم تسمح الحكومة العراقية لليهود بالسفر، رغم توجيه تهم لهم بالولاء للكيان الجديد، وقد جرى مهاجمة دور ومصالح يهودية في عدة مناطق بالبلاد، تعرض بعضها للنهب والتخريب.

إلا أن الحكومة العراقية أصدرت لاحقا قراراً يسمح لليهود بالسفر، بشرط إسقاط الجنسية العراقية عن المهاجرين منهم، فهاجرت أغلبية الطائفة اليهودية من العراق خلال عامي 1949 و 1950 في عملية سميت عملية عزرة ونحمية إلى أن تم إغلاق باب الهجرة أمامهم، لتتراجع أعدادهم في بداية الخمسينيات إلى حوالي 15 ألف يهودي من أصل حوالي 135 ألف نسمة عام 1948.

وعند الاجتياح الأمريكي للعراق عام 2003، كان مجموع اليهود المتبقين في العراق أقل من 10 أشخاص، معظمهم إن لم يكن كلهم في بغداد، والغالبية العظمى منهم من كبار السن.

ومن الجدير ذكره بأن حي سوق اليهود يقع الآن في منطقة محصنة أمنيا، تقع على قرب من مزار الإمام علي الهادي وسط سامراء، وهى منطقة شبه خالية من المارة، ويقطنها قرابة 100 عائلة تسكن في الحي والأفرع المجاورة له.

 

 

المصدر : الأناضول