ترجمة وتحرير نون بوست

تعالت في الأيام القليلة الماضية أصوات تحذر من خطر نشوب انتفاضة فلسطينية جديدة، بالإضافة إلى ظهور دعوات للاحتجاج على خلفية القرار المحتمل بنقل سفارة الولايات المتحدة إلى القدس. كما ظهرت في الأفق سحابة تنبئ بقرب انتهاء مشروع السلام إلى الأبد. في المقابل، تتعالى أصوات مؤيدة من داخل إسرائيل انتظرت أكثر من نصف قرن لتصرح بأن القدس موحدة هي عاصمة إسرائيل.

في هذا السياق، تشير التفاعلات الواردة من المنطقة إلى أن الرئيس ترامب سيعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وهي سابقة لم يجرأ أي رئيس أمريكي على القيام بها منذ ما يقرب من 70 عاما، أي حين تم الإعلان عن دولة الكيان الصهيوني. وهو قرار لطالما بقي معلقا إن لم يكن مستبعدا تماما. وكان العرب والإسرائيليون على حد سواء غير قادرين على التنبئ بمدى قدرة ترامب بالفعل على إنفاذ قراره، أو كيف سيعلن القدس عاصمة لإسرائيل، أو مراحل إنفاذ هذا التغيير.

في الواقع، من شأن إعلان ترامب، المتوقع في خطابه يوم الأربعاء القادم، أن يستجيب إلى أهداف حملة نقل سفارة الولايات المتحدة من تل أبيب إلى القدس، وهي خطوة يدعمها العديد من مؤيدي ترامب من اليهود والإنجيليين، وحلفاؤهم في الجناح اليميني الإسرائيلي.

أما من الجانب الإسرائيلي، فهم على استعداد مسبق للاعتراف بكل وضوح بأن حكومتهم تقع في القدس، خاصة على الجانب الغربي من المدينة، على الرغم من أن الولايات المتحدة وبقية دول العالم لم تعترف بانتماء المدينة المقدسة لإسرائيل، خاصة أنها احتلتها بعد الحرب العربية الإسرائيلية، التي وقعت سنة 1967.

حيال هذا الشأن، صرح بيتي مزراحي، الموظف الحكومي البالغ من العمر 40 عاما ويقطن في المستوطنة هارحوما، "هل سيعلن ترامب عن القدس عاصمة لإسرائيل؟ أنا سعيد بهذا، في كل الأحوال كانت القدس دائما العاصمة. ولكن ينكر بعض الناس ذلك، وتلك مسألة أخرى".

لطالما كان الوضع النهائي للقدس، لما تحتويه من مواقع إسلامية ومسيحية ويهودية مقدسة، ومواقع متصارع عليها منذ الحروب الصليبية والعهد الروماني، موضوعا شائكا وفريدا من نوعه؛ ومن بين جميع القضايا التي شملتها المحادثات بين الفلسطينيين والإسرائيليين خلال العقود الماضية.

من جانبها، سعت الولايات المتحدة لمنع الاعتراف بالمدينة المقدسة عاصمة لإسرائيل على وجه التحديد، وذلك لتجنب اعتبار هذا القرار حكما مسبقا صدر قبل نتائج محادثات السلام، التي يسعى الفلسطينيون من خلالها إلى جعل القدس الشرقية مقر حكومتهم النهائية.

في سياق متصل، اعتبرت حنان عشراوي، العضو في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، أن التخلي عن هذا التحفظ الذي طال أمده سيكشف عن حقيقة مفادها أن الولايات المتحدة تدعم جانبا واحدا، ومتحيزة له بشكل لا يصدق، وبأنها ستنهي فرص تحقيق السلام إلى الأبد، أو منح الولايات المتحدة أي دور فاعل لصنع السلام. وأضافت عشراوي "أنهم يرسلون بهذا رسالة واضحة إلى العالم مفادها: لقد حققنا هدفنا".

بالنسبة لفلسطين، اعتبر المسؤولون أن نقل السفارة لن يتطلب أكثر من مجرد وضع علامة جديدة على المكاتب القنصلية الأميركية الموجودة في القدس، إلا أن إعلان القدس عاصمة سيحمل رمزية كبيرة وعميقة. كما قال ناصر القدوة، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح وابن شقيق ياسر عرفات وقائد سابق، إن أسوأ ما في الأمر لن يكون تلك الحجارة التي شيدت بها السفارة.

 إلى جانب ذلك، انتقد أحمد يوسف، مستشار إسماعيل هنية زعيم حركة حماس الفلسطينية، التصريح المتوقع لترامب، قائلا "لا أفهم لماذا يريد ترامب أن ينتهك مقدسات أكثر من مليار مسلم حول العالم". ولكن الطريقة التي سيعلن بها ترامب عن قراره ستكون فاصلة ومهمة للطرفين.

في هذا السياق، ذكر محللون أن ترامب سواء أشار إلى القدس على أنها عاصمة لإسرائيل أو أشار فقط إلى الحدود البلدية الحالية للمدينة، فإنه سيشاهد ردود فعل قوية في الكثير من مناطق العالم العربي. بينما قال أوفر زالزبرغ، المحلل السياسي في مجموعة الأزمات الدولية والمقيم بالقدس، إن "هذا الإعلان سيكون بالنسبة للفلسطينيين بمثابة تقسيم الكعكة أثناء التفاوض عليها". كما حذرت السيدة عشراوي من تداعيات هذا القرار قائلة "لا يمكن احتواء الوضع بسهولة خاصة منعه من الانزلاق في مستنقع العنف، الذي سيصبح لدى أنصاره الحجة الدامغة لارتكابه".

أشخاص يقفون في طابور أمام السفارة الأمريكية في تل أبيب من أجل الحصول على تأشيرة، وكان ذلك سنة 2003

لكن، إن أعلن ترامب أن القدس الغربية عاصمة لإسرائيل، فمن المحتمل أن يقع في خلاف مع مؤيديه في المخيم الإسرائيلي، وذلك بمخالفته لهم وتقويضه لدعواتهم بجعل القدس عاصمة موحدة، واعترافه بالرسم الفلسطيني للقدس الشرقية.

على ضوء هذا الطرح، أورد دانيال شابيرو، السفير السابق في إسرائيل والمكلف من قبل الرئيس السابق باراك أوباما، أنه "من غير المرجح أن تمر أي محاولة لتوظيف الغموض المتعمد مرور الكرام، لأن الولايات المتحدة ستضطر إلى تحديد التعريف الإقليمي للقدس الذي اعتمد عليه الرئيس". كما قال السفير السابق "لن ينجز ترامب بهذا القرار إلا القليل، لهذا أتساءل هل يستحق ذلك الصداع".

مما لا شك فيه، كان اختيار ترامب لتوقيت هذا الإعلان محيرا لكل المؤيدين والمعارضين له، خاصة وأن طرفي النزاع ينتظران اقتراحا من إدارة ترامب لاستئناف عملية السلام. وقد أثارت الاجتماعات الأخيرة في الرياض بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وجاريد كوشنر صهر ترامب، والرئيس الفلسطيني محمود عباس، تكهنات بأن ترامب وولي العهد يحاولان الدفع نحو تنفيذ مخطط ما.

بالنظر إلى حرص الأمير محمد بن سلمان على مجابهة إيران، يشعر الفلسطينيون بالقلق لاحتمال تبنيه لمقترح قد لا يخدم مصالحهم، من خلال التحالف مع إسرائيل ضد إيران. في المقابل، صرح بعض الخبراء أن الحكومات العربية، من بينها المملكة العربية السعودية، قد تضطر إلى توجيه لوم لاذع بعد إعلان القدس عاصمة لإسرائيل.

في شأن ذي صلة، صرح آرون ديفيد ميلر، مفوض السلام السابق في الشرق الأوسط في ظل الإدارات الجمهورية والديمقراطية الماضية "إن طرح هذه الأزمة الآن قبل عملية السلام وفي الوقت الذي لا تتمتع فيه الإدارة بأي مصداقية حيال هذه القضية، وتزامنها مع رغبتها في إشراك المملكة العربية السعودية، لا معنى له على الإطلاق بل هو أشبه بالجرح الذي تسببه لنفسك".

في خضم هذه المسألة، لا يوجد زعيم عربي عرضة لخطر تمسك إسرائيل بالقدس عاصمة لها كالخطر الذي يتعرض له ملك الأردن عبد الله الثاني، الذي لطالما قدمت عائلته نفسها على أنها حارسة الأقصى، المسجد المقدس الذي يعظمه المسلمون ويلقبونه بالحرم الشريف ويدعي اليهود بأنه موقع جبل الهيكل. وبينما يمارس الملك صلاحياته بشيء من التعسف والدكتاتورية، ينظر إليه على أنه مسؤول شخصي عن حماية الأقصى. وفي هذا السياق، قال أوفر زالزبرغ إن إعلان ترامب يمكن أن يسهم بشكل كبير في انهيار شعبية الملك وشرعيته.

في هذا الإطار، ذكرت وسائل الإعلام العربية أن الملك عبد الله، الذي زار واشنطن منذ أكثر من أسبوع، قد حاول الضغط على إدارة ترامب من أجل ضمان عدم اتخاذ هذه الخطوة. كما ذكرت وكالة أنباء أردنية أن الملك قد حذر من أن تغير موقف الولايات المتحدة من القدس سيهدد حل الدولتين "ويمكن أن يستغله الإرهابيون للرفع من حالة الغضب والإحباط واليأس بهدف نشر إيديولوجياتهم".

إلى جانب ذلك، وجه المسؤولون الفلسطينيون على اختلاف أطيافهم السياسية تحذيرات مماثلة. فقد أصدرت حماس في غزة بيانا يدعو الفلسطينيين للانتفاض في القدس لمنع هذه المؤامرة. وأورد يوسف، القيادي في حركة حماس، أن خطوة ترامب من شأنها أن ترفع من المشاعر المعادية للولايات المتحدة، وقد ينهي أي نوايا حسنة لها في المنطقة. كما صرح علي بركة، ممثل عن حركة حماس في لبنان، أن الجماعة قد تستجيب لتصريح ترامب من خلال الدعوة إلى انتفاضة جديدة وإلى انسحاب عباس من المفاوضات، معتبرا أن الأمريكيين لن يحققوا شيئا لهم.

في سياق مماثل، حذر أيمن الرقب، أحد قادة فتح في القاهرة، من انبطاح الرئيس الفلسطيني محمود عباس، مؤكدا بأنه لن يقوم باللازم. وأضاف "إن هذا القرار يمثل خضوعا فلسطينيا آخر، فنحن لسنا ضعفاء فحسب بل يقودنا زعيم لن يفكر كثيرا لقبول هذه الصفقة".

على طول خط 1967 في القدس الهادئة، وبمناسبة عطلة السبت اليهودي، بين هاني جوايحان الذي يبلغ من العمر 28 عاما، وهو من الفلسطينيين الذين يقطنون في القدس الشرقية ويحمل الجنسية الإسرائيلية، أن قرار ترامب هذا سيتركه وحيدا من دون أنصار.

على خلفية قرار ترامب، قال جويحان، الذي يعيش في حي الثوري في القدس الشرقية، ويعمل طاهيا في مطعم لا لا لاند، المطعم القريب من شاطئ تل أبيب، إنه "ليس من حق ترامب أن يتخذ هذا القرار، فإن تحقق السلام، سنعيش بخير دون مشاكل، ولكن بغياب السلام فلا يحق لترامب أن يتخذ هذا القرار. فالقدس مكان مقدس، ولا أحد يستطيع أن يقرر إلى أي مخيم تنتمي".

المصدر: نيويورك تايمز