يتطاير منها شرار اللهب وتفوح منها رائحة الدم، لا تطعم جائعًا أو تؤمِّن خائفًا أو تفك قيد أسير، هكذا يرى كثير من عامة الناس والثوار والنخب في سوريا المباحثات أو مؤتمرات السلام الدولية على اختلاف أسمائها ومواطن انعقادها ما دام المضمون واحدًا، خاصة أن هناك أسلوبًا أسود يصاحب كل جولة مفاوضات بدءًا من مؤتمر جنيف 2 وربما ليس انتهاءً بمؤتمر جنيف 8 أو مؤتمر سوتشي وما سيليهما.

أسلوب دموي بكل ما تحمله الكلمة من دلالات، يشتد فيه القصف وتعظم به المعاناة وتضيق معه دائرة الحصار على المستضعفين العزل إلى درجة خطيرة لم تبلغها غوطة دمشق الجريحة منذ أول عهدها بالحصار قبل أربعة أعوام.

ما كان قلب الشعب السوري متعلقًا بالاجتماعات الدولية الماضية ولم يكن مزاجه منسجمًا مع إفرازاتها، إذ اعتبرتها نسبة مهمة من جمهور الثورة على اختلاف صفاتهم ومواقعهم خافضةً للثوار رافعةً للنظام ومن ورائه من القوى الدولية، ولعل نظرة سريعة إلى خريطة السيطرة الميدانية لطرفي الصراع قبل وبعد مسار المفاوضات يبين لنا وجاهة هذا الرأي.

على كل حال قد يحصل اختلاف بين المراقبين والمهتمين بالرأي العام في تقدير نسبة القبول والرفض وتعاطي الناس سلبًا وإيجابًا مع العملية السياسية فيما مضى، أما في الوقت الراهن فإن حجم الاستنكار والغضب لا يخفى على قريب أو بعيد.

عوامل كثيرة شكلت هذا الرأي ويبدو أن أبرز هذه العوامل انخفاض سقف العناوين والملفات المعروضة للبحث والمفاوضات من مرحلة انتقالية بحكومة جديدة كاملة الصلاحيات إلى صياغة دستور وانتخابات برلمانية ورئاسية، وبما أن الهيئة العليا للمفاوضات في تركيبتها الجديدة بعد انخراط منصتي موسكو والقاهرة إلى جسمها واللتين لا تخفيان ميولهما إلى تسوية سياسية تشابه رؤية النظام، بما أنها قبلت بهذا الإطار المخالف حد التناقض للأهداف الثورية فقد بلغتها السهام من كل حدب وصوب.

النظام دستور وأجهزة ومؤسسات، الدولة كيان فكري وتنفيذي وليس شخص بشار الأسد أو غيره

يكتب الإعلامي خالد أبو المجد على حسابه في فيسبوك: "سألت عشرات السوريين من حلب وحمص والرقة والدير هل تمثلهم هيئة المفاوضات بمن فيها اليوم؟ الجميع قال لا والخيام مسكنهم، إذًا من يمثلون؟ دول إقليمية دفعت بهم لتحقيق أهدافها في سوريا، لا أحد يمثل هذا الشعب المسكين للأسف، الكل يُمثِّل عليه".

لم يقتصر الأمر على الناس المدنيين، بل كان للناشطين والإعلاميين نصيب كبير من ذلك، وقد بلغ الأمر ذروته وبلهجة غير مسبوقة حين أطلق مجموعة منهم على منصات التواصل المختلفة وسم "الهيئة العليا للمفاوضات لا تمثلني".

عبر هذا الوسم يقول الإعلامي المعروف أحمد موفق زيدان: "بعد انضمام منصتي الأسد القاهرة وموسكو إلى هيئة التفاوض، أصبح فعليًّا (الأسد يفاوض الأسد)، فقد حصلت منصتا الأسد على الربع المعطل"، أما الباحث السياسي خليل المقداد فقد أفصح عن رؤيته من خلال الوسم ذاته: "الهيئة العليا للمفاوضات لا تمثلني لأن من اختارها ونصبها هم أذناب الأذناب ولم يكن للشعب السوري الثائر يد في اختيارها من قريب أو بعيد!"، وهكذا كتب الكثير بألفاظ مختلفة ومعانٍ واحدة ومشاعر متطابقة.

مؤسف حقًا أن ترى هذا الشعب الصلب مثقلًا بالجراح ومطعونًا بالخاصرة بل بأعلى الجبين من جهات شتى وأطراف عديدة إقليمية ودولية، سواء من ادعى منهم الصداقة أو من أبان عن العداوة، إذ تقاسمت بمفردها الإرادة السياسية والعسكرية وصارت تخطط وترسم وتصوغ حلًا سياسيًا بعيدًا عن غاياته السياسية بُعد الثرى عن الثريا.

إذ لم تخرج جموع الناس من أجل إصلاحات دستورية هامشية أو انتخابات نزيهة كما يُسوق الآن! إنما من أجل إسقاط النظام كاملًا، والنظام دستور وأجهزة ومؤسسات، والدولة كيان فكري وتنفيذي وليس شخص بشار الأسد أو غيره، حتى لو رحل رأس النظام الآن أو بعد فترة (وهذه غاية المنى وفرحة الدهر عند بعض المعارضين!)، فإن ذلك لن يغير شيئًا من المعادلة ما دام النظام موجودًا وقرار الشعب مسلوبًا، ولنا في مصر وغيرها من دول الثورات عبرة وأي عبرة.

ما زالت الفرصة سانحة للشعب، لحاضنة الثورة، لجمهور الناس، أن يترجم موقفه الفكري والشعوري الرافض لما يحصل إلى أفعال مادية يأخذ فيها دوره من جديد من حيث هو مادة القوة وبيضة القبان، فيضغط على الفصائل العسكرية أن توحد قواها وتستعيد قرارها المكبَّل وتكسر الخطوط الحمراء المفروضة عليها (مناطق الساحل ودمشق العاصمة) وحينها تتغير قواعد اللعبة، نعم تنقلب الأمور رأسًا على عقب لا بالتواكل على هذه الدولة أو تلك بل بقوة الناس، فالسلطان لها ولا تستطيع دولة أو دول مهما تعاظمت قوتها أن تكسر شعبًا بقيمة وصلابة وعطاء هذا الشعب الشامخ.