عاود مشروع "الضبعة" النووي الظهور مجددًا تحت ساحات الأضواء مع الحديث عن زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، للقاهرة، اليوم الإثنين، 11 من ديسمبر/كانون الأول، واحتمالية دخول الاتفاق المبرم بين الحكومة المصرية وشركة "روس أتوم" الروسية حيز التنفيذ خاصة بعد وصول وفد من الشركة للقاهرة أمس.

الاتفاق الذي وقعه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، مع الشركة الروسية، خلال زيارة بوتين الأخيرة للقاهرة فبراير 2015، أثار حالة من الجدل داخل الشارع المصري، ما بين من يراه إنجازًا يدخل المصريين عصر الطاقة النووية وآخرين أبدوا تحفظهم على المشروع في ظل غموض بعض بنود الاتفاق الموقع والتعتيم على البعض الآخر، وما تحمله من دلالات تهدد مستقبل الأجيال القادمة.. ليبقى السؤال: من المستفيد الحقيقي من هذا المشروع؟ وما المقابل الذي تحصل عليه القاهرة حال دخوله حيز التنفيذ؟

تساؤلات مشروعة

نقاشات حادة شهدتها الأروقة الحكومية المعنية بعقود إنشاء مفاعل "الضبعة" النووي بشأن بعض تفاصيل الاتفاق المبرم مع الشركة الروسية، حيث أبدت جهات حكومية وأمنية وقضائية تحفظاتها على تلك العقود في الوقت الذي أصرت فيه مؤسسة الرئاسة على المضي قدمًا في تمريره دون مراعاة لهذه التحفظات، حسبما أفاد مسؤول حكومي سبق له التعامل المباشر مع هذا الملف لموقع "مدى مصر".

وتعد "لغة العقود الفضفاضة لدرجة كبيرة جدًا، بصورة تعني أن مصر في الواقع تقبل بمسؤوليات ربما تكون مبهمة وربما تكون لها عواقب بالغة الصعوبة من الناحيتين الأمنية والمالية" السمة المشتركة الأبرز في تحفظات الجهات الثلاثة سالفة الذكر، كما أشار المصدر الذي كشف عن بعض المشكلات الرئيسية في العقود الموقعة التي تحمل في حقيقتها عدة تساؤلات تبحث عن إجابة.

السؤال الأول: كيف يتم التعامل مع النفايات النووية؟ لم يتطرق العقد بوضوح إلى جزئية النفايات النووية الناتجة عن المفاعل، رغم ما تمثله من خطورة بيئية وصحية مدمرة، فلم تكشف بنود الاتفاق الجانب أو الجهة المسؤولة عن هذا الأمر ولا كيفية التعامل معه، فضلاً عن تكاليف معالجته وآليات التخلص من تلك النفايات، وهي جزئية طالما حذر خبراء الطاقة منها لما ينجم عنها من تهديد واضح للأجيال القادمة.

السؤال الثاني: ما الحالات التي يحق فيها لمصر اللجوء للتحكيم الدولي؟ من المتوقع في ظل الظروف السياسية الإقليمية المتقلبة حدوث انشقاق بين القاهرة وموسكو، هذا فضلاً عن احتمالية نشوب أي خلاف بشأن إستراتيجيات إدارة وتشغيل المفاعل النووي المزمع إقامته في الضبعة، ومن ثم قد يتطرق الأمر إلى اللجوء للتحكيم الدولي.

العقد الموقع بين الجانبين، لم يوضح بشكل دقيق الحالات التي يحق فيها لمصر أن تلجأ للتحكيم الدولي، في حال رأى الجانب المصري إخلالاً روسيًا بما تراه القاهرة من مقررات العقد، بما يمنح الجانب الروسي حرية أكبر ومساحة أوسع في تمرير ما يريده دون مساءلة.

إغفال الحق المصري في اللجوء للتحكيم الدولي ليس الأول من نوعه في عقد الضبعة، بل سبقه تجارب متعددة في هذا الشأن على رأسها اتفاقية حماية وتشجيع الاستثمار الموقعة مع الإمارات، ومع ذلك تم توقيع الاتفاقية دون اعتبار للجدل المثار حينها داخل الشارع المصري.

السؤال الثالث: كيف سيتم سداد فوائد القرض الخاص بهذا المشروع؟ بحسب القرار المنشور في الجريدة الرسمية المصرية في مايو 2016، فقد وافق السيسي على اتفاقية قرض مع روسيا بقيمة 25 مليار دولار لإنشاء المفاعل الذي تبلغ القيمة الإجمالية له نحو 29 مليار دولار.

تجاهل مؤسسة الرئاسة المصرية لتحفظات العديد من الجهات الحكومية والقضائية والأمنية بشأن المشروع بتفاصيله المعلنة حتى الآن وإصرارها على المضي قدمًا في تنفيذه دون أي اعتبارات أخرى أثار تساؤلات البعض عن الدوافع الحقيقية وراء هذا الموقف

ومن المقرر أن تحصل الحكومة المصرية على القرض خلال 13 عامًا، تبدأ من العام الحاليّ، بينما ستسدد أصل القرض على مدار 22 عامًا، من خلال 43 قسطًا نصف سنوي، في 15 من أبريل و15 من أكتوبر من كل عام، على أن يكون أول سداد في منتصف أكتوبر 2029.

الاتفاقية تنص أيضًا على أن تدفع مصر أقساط القرض بالإضافة إلى الفوائد والمتأخرات بالدولار الأمريكي، أو أي عملة أخرى بعد الاتفاق بين وزارة المالية المصرية والروسية، وييسر الاتفاقية من النواحي المالية من الجانب الروسي بنك فنشيكونوم، ومن الجانب المصري البنك الأهلي المصري.

المشكلة هنا أن العقد لم يذكر نسبة الفائدة المطروحة على القرض الذي ستحصل عليه مصر من روسيا في حال التأخر عن سداد الأقساط، والتي من المتوقع أن تكون نسبة شديدة الارتفاع، كما أن ضمانات القرض التي تطالب بها موسكو مكلفة للغاية، بحسب تأكيدات المصدر الحكومي المطلع على هذا الملف.

السؤال الرابع: هل تمثل الاتفاقية تهديدًا للأمن القومي المصري؟ العقد يشير إلى حصول روسيا على موافقة مصرية على أن موسكو من تقوم بعملية الإنشاء، سواء كان ذلك عن طريق شركات خاصة بها - حكومية كانت أو خاصة -، أو عن طريق الاستعانة بشركات أجنبية.

الموافقة المصرية لموسكو على هذه البند يتيح لروسيا وحدها أن تتعاقد مع هذه الشركات أو الجهات الأجنبية دون شرط الرجوع إلى القاهرة، ومن ثم تصبح مصر بمقتضى تعهدها مع روسيا ملزمة بقبول تقديم تسهيلات لأي جهة تصل لاتفاق مع الجانب الروسي، وهو ما يحمل تهديدًا واضحًا لأمنها القومي.

السؤال الخامس: هل من حق الجانب المصري التساؤل عن أي تفاصيل فنية تخص المشروع؟ بموجب العقد فإن مصر ملزمة بقبول تحديد روسيا - وحدها - مستوى المعلومات "السرية للغاية" التي يقوم الجانب الروسي بإبلاغها لنظيره المصري بحسب تقدير الروس لحاجة مصر للمعلومات.

علاوة على ذلك ستقر مصر بعدم تداول هذه المعلومات داخل الأجهزة المصرية إلا في أضيق الحدود وبعد الاتفاق مع الجانب الروسي، هذا بخلاف عدم أحقية الخبراء والفنيين المصريين في المساءلة عن أي تفاصيل فنية أو طلب مراجعة أي دراسات، كما غفل العقد الإشارة لمسؤولية الجانب الروسي في حال حدوث أي شرخ في جسد المفاعل أو حدوث أي تسريب نووي، مما يعني أن المسؤولية كلها ستكون ملقاة على الجانب المصري.

العقد الموقع بين الجانبين، لم يوضح بشكل دقيق الحالات التي يحق فيها لمصر أن تلجأ للتحكيم الدولي، في حال رأى الجانب المصري إخلالاً روسيًا بما تراه القاهرة من مقررات العقد

يتوقع البدء في تنفيذ الاتفاق خلال زيارة بوتين للقاهرة 

لماذا الإصرار على المشروع؟

تجاهل مؤسسة الرئاسة المصرية لتحفظات العديد من الجهات الحكومية والقضائية والأمنية بشأن المشروع بتفاصيله المعلنة حتى الآن وإصرارها على المضي قدمًا في تنفيذه دون أي اعتبارات أخرى، أثار تساؤلات البعض عن الدوافع الحقيقية وراء هذا الموقف.

البحث عن إنجازات ولو أمامها علامات استفهام عن تداعياتها المستقبلية على الأجيال القادمة، ومغازلة موسكو لدواعي سياسة واقتصادية، وتسويق النظام شعبيًا قبيل الانتخابات الرئاسية القادمة، كانت أبرز الدوافع التي ساقها البعض تفسيرًا لإصرار السيسي على توقيع الاتفاقية.

المقارنة الحقيقية بين مفاعل "الضبعة" الذي ستبنيه روسيا ونظيره في الإمارات الذي من المقرر أن تبنيه كوريا الجنوبية، يعكس وبصورة واضحة حجم الفشل في التخطيط لإبرام هذه الاتفاقية مع موسكو، حسبما أشار الدكتور إبراهيم العسيري المستشار السابق لهيئة المحطات النووية، في تصريحات لموقع "مصر العربية".

العسيري تطرق إلى خمس نقاط في مقارنته بين المفاعلين، الأولى: زيادة قدرة المفاعل الإماراتي عن نظيره المصري، فبالنسبة للوحدة الواحدة (1200 ميجاوات في مصر، و1400 ميجاوات للوحدة الواحدة في الإمارات)، أما النقطة الثانية فتشير إلى فترة بناء المفاعل، حيث يستغرق المفاعل المصري 9 سنوات، مقابل 5 سنوات فقط لنظيره الإماراتي، وذلك رغم الفرق الواضح في القدرات الإنتاجية.

أما من حيث الكلفة، فإن كلفة بناء المفاعل الإماراتي لم تتجاوز 20 مليار دولار، بينما المصري بلغت نحو 29 مليار دولار، بالإضافة إلى أن العقد المبرم مع الشركة الروسية لا يتضمن شرط تشغيل عمالة مصرية أو مهندسين مصريين، وكذلك متخصصين لعمليات صيانة المفاعل، وهذا ردًا على الأصوات التي تشير إلى ملايين الفرص الوظيفية التي من المقرر أن يوفرها هذا المشروع.

وتعد نسبة فائدة القرض، هي النقطة الأخيرة التي تطرق إليها المستشار السابق لهيئة المحطات النووية، مشيرًا إلى أن القاهرة كان بإمكانها طلب المساهمة في بناء المفاعل من بعض الدول كاليابان وكوريا الجنوبية، وهنا كانت ستقل نسبة الفائدة.

بموجب العقد فإن مصر ملزمة بقبول تحديد روسيا وحدها مستوى المعلومات "السرية للغاية" التي يقوم الجانب الروسي بإبلاغها لنظيره المصري بحسب تقدير الروس لحاجة مصر للمعلومات

تقارب روسي مصري خلال الآونة الأخيرة

المفاعل مقابل عودة السياحة الروسية

بعض الأصوات ذهبت في تفسيرها لتخصيص روسيا دون غيرها بأنه يأتي في إطار مغازلة القاهرة لموسكو من أجل عودة السياحة المتوقفة من سقوط الطائرة الروسية في سيناء 31 من أكتوبر/تشرين الأول 2015 التي أسفرت عن مقتل 224 راكبًا الغالبية العظمى منهم من الروس.

أنصار هذا الرأي يشيرون إلى أن مشروع "الضبعة" ليس المغازلة الوحيدة التي قدمها الجانب المصري لنظيره الروسي لإثنائه عن قرار تعليق رحلاته الممتد قرابة 26 شهرًا، فبخلاف التنازلات الأمنية والإدارية التي تقدمها القاهرة في هذا الشأن، فهناك الاتفاقية التي أعلنت نهاية نوفمبر/تشرين الثاني الماضي بشأن الاستخدام المتبادل للأجواء والمطارات بين القاهرة وموسكو، التي ستتيح لقوات البلدين استخدام الأجواء والقواعد الجوية لبعضهما البعض بما في ذلك الطائرات العسكرية، وهو ما أثار الكثير من التساؤلات عن دوافع كل من البلدين لإبرام هذه الاتفاقية، إلا أن آخرين استبعدوا وجود أي علاقة بين مسألة عودة السياحة الروسية وإصرار الجانب المصري على تنفيذ المشروع.

ومن ثم ومع إصرار مؤسسة الرئاسة المصرية على إبرام الاتفاقية - أيًا كانت الدوافع - فمن المتوقع أن يرتفع معدل الدين الخارجي ليصل إلى 100 مليار دولار، مع دخول المشروع حيز التنفيذ الفعلي، بخلاف الفوائد المرجح أن تكون بنسب عالية، فضلاً عن التحديات البيئية والصحية والسياسية الجسيمة الناجمة عن المفاعل، مما قد يجعل مستقبل الأجيال القادمة من المصريين في غياهب الغموض والترقب.