ربما كانت مرتكزات الخطاب الإسلامي هي تلك الخريطة الذهنية التي كانت وراء منتجات الإسلام السياسي، هذه الخريطة قد تشكلت عبر التاريخ، عبر المعرفة، عبر الكتب، عبر السلطة ومجريات الأحداث، عبر المشاعر والأحزان، عبر التحديات والمظالم، عبر الصراع والحرب.

كل تلك المشاهد التي قد يشكلها خيال الباحث أو حتى يعجز عن رسمها في مخيلته هي التي تنطق بها الكلمات والحروف، سيد قطب هو جوهر الإسلام السياسي، ليس لأنه نقل الفكر الإصلاحي من حالة الوعي إلى حالة النموذج السائد أو الأيديولوجيا، بل لأن خطاب سيد غير مكرر، خطاب يعبر عن حالة ثورية تواجه التصورات السائدة في المجتمع والسياسة والثقافة وحتى العلم والمعرفة، لكن ذلك الخطاب بُتِر عن تلك المصادر الثقافية التي انبثق منها.

فنقد الواقع ومحاولة بيان وجود خلل عميق داخل عالم الفكر وعالم الأشياء هو شأن عادة ما يعبر عن مرحلة جديدة وثورة فكرية بإمكانها أن تكون بداية لعالم آخر من الأحداث، لكن ما حدث أن خطاب سيد على عكس ما نتوقعه صار نظامًا مغلقًا، حصرت تلك الأحرف والكلمات الرائعة في جملة أو جملتين يستوي في ذكرها قارئ أو جاهل بفكر سيد.

تحليل الخطاب الإسلامي قد يعود للعلاقة بالتطورية والتقدمية التي اعتبرها المصلحين الأوائل نظرية وعلم ينبغي أن ننطلق من حقيقته، سيد قد عارض ذلك لكنها معارضة عاجزة لم تبين الفوارق والمفارقات مع المسيرة التي سبقته.

هنا يمكن أن يعبر البعض عن مسيرة الحركات الجهادية، لكنها رغم ما تدعيه من وصل لسيد، خطابها أبعد ما يكون عن فهم ما يقوله الرجل سواء في ظلاله أو بقية كتبه.

سيد نقد المدرسة الإصلاحية لكنه اختلف في منهج نقده ذلك، بين محاولته التركيز على مسألة العقيدة والانتقال من دائرة الوعي والخطاب المعرفي الاجتماعي والمنهج الحركي المقتصر على نقد الواقع، إلى محاولة دمج كل تلك المعاني بالخطاب القرآني.

لو وجد في زمن سيد مؤسسات للدولة المصرية قادرة على تطوير الفكر للوصول لحالة أعمق في ممارسة السلطة عبر المعرفة وإثارة الأسئلة بشأن الواقع لكان لسيد وللمفكرين بصفة عامة مجال الخطاب الطبيعي

هنا يبدو سيد أقوى من غيره، فلا يمكن لقارئ أن يقرأ الظلال ولا يشعر بعمق ما يكتب في صفحاته، ولا يمكن أن ينسب ذلك لحالة نفسية أو للأزمة التي مر بها، بل إنه خطاب يلمس شغاف الواقع، ليس لبعده (الواقع) عن الإسلام فقط، بل لأن الحالة التي وصلت إليها البشرية في زمنه كانت حالة يأس من المستقبل تلف العالم.

فلا ننسى أن تلك الفترة (منتصف القرن العشرين) صار الحديث فيها عن نهاية اليوتوبيا وعن الثورات التي انتشرت بين الشباب الذي سخط على تنظيم الحكومات وسيطرتها، والسلطة في تلك الفترة كانت تمارس أقسى أنواع القمع والظلم والهجوم على العقل.

لا يمكن أن نسهب أكثر في وصف تلك الفترة اللهم إلا أن نقرأ لأريك فروم عن الحالة العدمية التي قد وصل إليها العالم وتصل إليها المجتمعات التي دخلت في نفق الشيوعية أو نفق الحرب الباردة.

نعم لقد كانت السلطات في زمن سيد تتعامل مع المجتمع "كإله" يريد أن يسير دفة التاريخ، وفق التصورات والأيديولوجيات التي يحملها، لذا فالخطاب قد تشعب بين محاولة تطوير الخطاب الإخواني ووجود حالة فكرية خاصة بسيد لم يكن من المناسب أن ترقَّع بفكر حسن البنا، ليس لتناقض جوهري عضوي بينهما بل لأن الزمن الذي كتب فيه سيد ظلاله كان زمنًا مختلفًا تمامًا عن حسن البنا، وقد كانت ظاهرة الدولة الشمولية أمر يعبر عن حالة تأله حقيقية جعلت ستالين يفكر أن القوى التي ما زالت تحتاج لتطويع هي قوة الزلازل والأعاصير!

لو وجد في زمن سيد مؤسسات للدولة المصرية قادرة على تطوير الفكر للوصول لحالة أعمق في ممارسة السلطة عبر المعرفة وإثارة الأسئلة بشأن الواقع لكان لسيد وللمفكرين بصفة عامة مجال الخطاب الطبيعي الذي قد يجعل من السلطة أقدر على رسم مخيلة المجتمع ومستقبله.

هذا الأمر لم يحدث وصار الخطاب العميق أكثر سطحية حين يحاول البعض أن ينزل بالفكر الفلسفي للواقع دون أن يدرك لا عمق الفكر ولا تعقيد الواقع، لذا أعدم عبد الناصر سيد قطب، وأطلق آخرون رصاصة الموت على فكره.

الأخطر في المدرسة الإصلاحية ومعها ''سيد'' رحمه الله هذه المرة عدم القدرة على التمييز بين النسبي والمطلق، ومحاولة تصوير الشريعة بنسق أو نموذج معرفي واحد قد يصلح للأزمان والبلدان كافة وعلى خط المستقبل أنى تعرجت السبل وتغيرت المعارف وسقطت النظريات وخلت العروش وثارت البلدان.

فعندما تبدلت الدنيا بسقوط الاتحاد السوفياتي، وصار الحديث عن دولة مترهلة، وتبدلت أحوال الناس والمجتمعات، وارتقت المعارف الإسلامية، وثارت الشعوب العربية وذهب عبد الناصر ومن والاه، استمر الخطاب يردد مفردات القرن العشرين، والأهم أن الأسس المعرفية التي بنى عليها الفكر الإصلاحى خطابه، أو تلك التي انبرى لها سيد قطب بالهجوم والحكم عليها بالعدم صارت جزءًا من الماضي، لكن استمر الفكر الإصلاحي بخطابه المرتبط بتلك الأسس المعرفية حتى ولو كان هناك تجديد فهو في إنكار التهم التي قد تصم هذا التيار بالتخلف والرجعية.

العالم شهد تغيرات كبيرة على  المستويات كافة من بينها الأسس التي بنى عليها التيار الإسلامي خطابه في فهمه لعلاقة الدين والدولة

رغم أن التقدمية أو التطورية صورت الدولة كآلة يجب أن يخضع لها الشعب المطيع، فإن سيد جعل الحل في تقديس الحكم البديل وليس في إزالة المقدس عن الدولة أصلًا، والمعنى بوضوح أن الفكر الإصلاحي المنبثق عنه الإسلام السياسي ضخم من فكرة الدولة وجعلها هدفًا مقدسًا يمكن أن يكون محور الحياة ونهاية الدنيا، وهذا كخطاب معرفي جزء من التطورية حين يكون الوجود وحدة واحدة تنتهي بهدف أعلى هو الدولة أو الخلافة.

ليس هذا فحسب بل حين تضاف الحاكمية للعقيدة وتصبح جزءًا من سنن الوجود، أي أن الدولة وهي قرين التداول سواء بفعل الزمن أو بفعل الثورة تصبح شيئًا مقدسًا يرتبط بها الكون وحركته تمامًا كما صورت الثورة الإيرانية ذلك.

ولعل أحدًا يقول هنا إن الحديث ليس عن الدولة وإنما عن حق التشريع فهو محور حديث بعض الإسلاميين وهذا ما عناه سيد قطب رحمه الله، أقول نعم لكن وجود دولة تدعي حق التشريع هو أمر نسبي، فليست كل الأمم والدول هي نمرود أو فرعون أو هتلر وستالين، أعني أن ربط المفهوم الإسلامي بكليات ونظريات زمنية قد ينالها التغيير كنظريات حاكمة هو ما يمكن أن نعتبره سقوطًا في فخ التقدمية وهو ما يجب أن يتغير.

لقد فصلنا في مقالاتنا السابقة عن مرتكزات الخطاب الإسلامي الكثير من النظريات والمراجع التي تثبت تغير تصور الدولة من أساسه وأن الواقع يؤكد الاتجاه نحو الدولة الإدارية والحكم الرشيد المرتبط بصناعة القرار وليس السلطة بالمعنى القانوني الذي ظل نموذجًا سائدًا عند البعض إلى يومنا هذا وهو أن الدولة تعني القضاء والتشريع!

هذا لا يعني كذلك أن معركة الحق والباطل معركة قد انتهت، ليس هذا القصد إنما القصد هو صياغة الحق والباطل في نظرية ما، هو أمر نسبي قد يتغير، ووجود مظالم ومفارقة للإسلام عبر عنها سيد بالجاهلية لا يعني ذلك بحال من الأحوال أن الحلول والتوصيفات والمفردات التي تصاغ بها النظريات التي تريد إصلاح ذلك الواقع أمر مضطرد ومستقرأ وقانون للتاريخ والحياة وإلا ارتفعنا بسيد والخطاب الإسلامي لصيغة مطلقة غير قابلة للنقاش.

فهناك طرق عديدة للتغيير ذكرنا كثيرًا منها في هذه المقالات عن مرتكزات الخطاب الإسلامي، حتى وإن قلنا إن واقع سيد لم يتكرر من قبل، فإن الواقع الآن قد تغير فوجب التغيير.

ما نقوم به هو واجب لاستكمال بناء عبر تفهم أعمق للأزمات التي تحيط بحياتنا كنذير بخلل في نماذجنا وأنها لم تعد صالحة

قد يعترض معترض أن ذلك ما حدث لسيد وللتيار الإسلامي وقد ردوا عليه في حينه، أقول نعم ليس هناك خطأ أو صواب في الأمر، وليس الهدف التفيقه في الأمر ونقد الآخرين، لكن الهدف هو التنبيه إلى أن الخطاب لم يتجاوز ذلك الواقع وهذا الأمر لم يقع فيه الإسلاميون فقط بل ما زالت تيارات سياسية عربية ومعها شخصيات عالمية حاكمة مؤثرة تنطلق في خطابها وفق مخلفات القرن العشرين وما لأحداث التي جرت في مصر إلا استنساخ لذلك الخطاب.

وهو ما جعلنا نقول إن العالم شهد تغيرات كبيرة على المستويات كافة من بينها الأسس التي بنى عليها التيار الإسلامي خطابه في فهمه لعلاقة الدين والدولة والنظريات الحاكمة للسلطات ولفهم التاريخ والحياة.

قد يقول قائل إن هناك تجديدًا كبيرًا قامت به التيارات الإسلامية، أقول نعم لا ينكر ذلك إلا جاحد وقد ذكرنا طرفًا من ذلك من قبل، لكن التجديد ظل دفاعًا عن الإسلام ولم يطل الجوانب والأسس المعرفية التي يجب أن يبنى عليها نموذج فكري جديد يناسب الواقع ويدخل مشهد التاريخ بخطي أكثر ثباتًا ووضوحًا.

التجديد هنا يعني انفتاحًا على المعارف الإنسانية لقيادات الحركات الإسلامية، يعني قدرة على اتخاذ القرارات الصعبة، يعني انفتاحًا على فكر الأجيال الجديدة، يعني - وهذا هو الأهم - فهم المعادلات الدولية بشيء من الحنكة والقدرة على التأثير، وليس مجرد إثبات الوجود والخطاب العاطفي الذي قد يكون سببًا للنهاية أو لعله فعل!

لعل السؤال المناسب الآن: ما معالم التجديد وكيف يمكن أن نخرج من أطر التقدمية والنظرية القطبية ومحاولة إنضاج النماذج الفكرية التي حاولت التجديد في القرن الحادي والعشرين، هذا يجعلنا ننتبه أننا مطالبون باستنطاق خطاب يتماشى مع المخيلة التي تحيط بنا في معيشتنا وثقافتنا وتصورنا للكون، ونحن ندرك تمام الأدراك أنها ليست نهائية قابلة للتغيير وما نقوم به هو واجب لاستكمال بناء عبر تفهم أعمق للأزمات التي تحيط بحياتنا كنذير بخلل في نماذجنا وأنها لم تعد صالحة.

نحن بحاجة لفهم ذلك عبر الخطاب القرآن والسنة وثقافتنا بصفة عامة، وقد كتبنا مؤشرات قرءانية لبيان كيف يمكن أن نفكر عبر نماذج وخلفيات تنبع من ثقافتنا ليس لإثبات صحتها أو قدرتها على مماهاة العلوم المختلفة كما نفعل ذلك علمًا أحيانًا وفي كثير من الأحيان حمق وهذيان، بل لإيجاد نموذج سائد حقيقي يهدي الباحث والسياسي والحاكم لإيجاد معارف قد تسهم في الارتقاء بواقع الدول الإسلامية نحو فعل التاريخ.

وكذلك على الحركات الإسلامية أن تدرك الأعمال الفكرية التي حاولت نقد الحركات الإسلامية، منها أعمال الدكتور أبو يعرب المرزوقي والدكتور عبد الوهاب المسيري والدكتور طه عبد الرحمن وغيرهم كثر أرى أن منطلقاتهم كانت واضحة من ضرورة فتح النوافذ وفهم النماذج المتعددة للتغيير والاقتراب من حركة التاريخ معرفيًا وعمليًا، ولعلنا نفرد سلسلة لذلك في مقالات قادمة إن شاء الله.