وقوع الأبناء في الخطأ لا يعني فشل الوالدين

ترجمة حفصة جودة

في تلك الأيام يقضي الوالدان مع أبنائهم الكثير من الوقت ويمنحونهم المزيد من الاهتمام مقارنة بالماضي، فيقول تحليل صدر مؤخرًا لـ11 دولة غنية  إن الوقت الذي كانت تقضيه الأمهات عام 1965 مع أطفالهن بلغ في المتوسط 54 دقيقة في اليوم، هذا الرقم تضاعف ليصل إلى 104 دقائق عام 2012، أما الوقت الذي كان الآباء يقضونه مع أبنائهم فقط ارتفع من 16 دقيقة إلى 59.1 دقيقة يوميًا.

دائمًا ما يرغب الوالدان في توفير الأفضل لأبنائهم، حتى إن اختياراتهم في الحياة تتمحور حول توفير أفضل الفرص لأطفالهم، فهم يحاولون ضمان حصول أطفالهم على أفضل رعاية صحية وأفضل الفرص في التعليم وتنشئتهم ليكونوا شبابًا ناجحين.

لتحقيق ذلك، لا يمانع الوالدان في السفر مسافة طويلة لضمان أن أبناءهم بخير، ربما يسافرون في أجواء ثلجية حتى يقضي أبناؤهم العطلة في المنزل، ولا يملون من مناقشة بناتهم في كل صغيرة وكبيرة لضمان عدم وقوعهم في الخطأ، ورغم أن هذه الأفعال مدفوعة بنوايا حسنة، فقد تسبب ضررًا للآباء والأبناء.

الحماية المفرطة

هل تتذكر عندما كنت تلميذًا في المدرسة، غالبًا ما كنت تحب إحدى أدواتك المدرسية بشكل خاص، ربما دفتر مميز أو قلم أو ممحاة، ولأنك تحبها كثيرًا فكنت تعمل بجد للحفاظ عليها، ثم أصبحت ممحاتك المميزة أداة للعرض ولم تعد تستخدمها، ولم تكن تسمح حتى لأي أحد باستخدامها، كنت تحافظ عليها نظيفة وبحالتها الأصلية.

يجب أن ينتبه الآباء إلى أن أبناءهم ليسوا مشاريعهم الخاصة

لذا بدلاً من السماح لممحاتك بأداء مهمتها الأصلية ومساعدتك على محو أخطائك، أصبحت الممحاة مصدرًا لتوترك، حتى إنك إذا تسببت بشكل عارض في إصابتها ببعض الأوساخ كنت تلوم نفسك، وبالتالي فأنت لم تتوقف عن استخدامها فقط، بل كنت تعمل بنشاط للحفاظ عليها نظيفة وبحالة ممتازة.

عندما تفكر الآن في هذا الأمر ستفهم أن هذه التصرفات كانت سخيفة وغير عقلانية، فهذه الممحاة مصنوعة للقيام بمهمة محددة، لكنها في تلك الحالة لم تقم بمهمتها، هذا المبدأ نفسه ينطبق على الإفراط في الأمومة والأبوة.

أطفال مضغوطون وآباء متوترون

يجب أن ينتبه الآباء إلى أن أبناءهم ليسوا مشاريعهم الخاصة، عندما يكون أداء الأطفال سيئًا فتتوجه ثقافتنا باللوم ناحية الوالدين فيشعرون وكأنهم قاموا بخطأ ما، لذا دائمًا ما يشعر الوالدان بالكثير من الضغط لأن نجاح أو فشل أطفالهم ينعكس عليهم مباشرة.

لذا هل تعتقد أن إنجازات طفلك تعني مباشرة أنك أب جيد؟ وهل أداء الطفل السيئ دليل على فشلك؟ إذا كانت إجابتك بنعم على هذه الأسئلة فأبوتك يقودها الغرور والأنانية وتقدم فائدة أقل للطفل عما كنت تعتقد، لقد أصبحت قيمة الوالدين مرتبطة بشكل مباشر بنجاح أو فشل الأطفال، هذا الأمر يشكل قدرًا كبيرًا من الضغوط غير العادلة على الوالدين.

ينبغي ألا يتمحور عالم الوالدين حول أطفالهم لأنه بذلك يؤدي إلى فقدان هويتهم

عندما يوجه الوالدان كل جهودهم لأبنائهم والحفاظ عليهم من الفشل والوقوع في الأخطاء، فإنهم بذلك يعرضون أنفسهم للاكتئاب وخيبة الأمل، تقول دراسة لهيئة خدمات الصحة الوطنية عام 2013 أن 5% من الوالدين اللذين يعيشان معًا في نفس الأسرة، و11% من الآباء والأمهات العزاب يظهر عليهم عرض أو أكثر من أعراض الاكتئاب.

ينبغي ألا يتمحور عالم الوالدين حول أطفالهم لأنه بذلك يؤدي إلى فقدان هويتهم، حيث تصبح رغبات الوالدين وهواياتهم مدفوعة برغبات واحتياجات أطفالهم، وبعد مرور الوقت يفقد الوالدان هويتهم ولا يعلمون تمامًا ما الذي يحقق لهم المتعة ولا يستطيعون الحصول على أي وقت لأنفسهم.

السماح لتحول الأطفال الأولوية الأولى في حياة الآباء غير عادل للجميع، عندها ستبدأ علاقة الزوجين في التدهور وربما يميلون إلى وضع زواجهم في ذيل قائمة الأولويات، ومع مرور الوقت إذا استمر الزوجان في تجاهل علاقتهم الزوجية فسوف تذبل العلاقة ويتجهون بذلك نحو التوتر والتعاسة.

وظيفة الوالدين أن يحبوا أبناءهم دون قيد أو شرط

ربما يعتقد الوالدان أنه بمجرد بلوغ الأبناء يمكنهم العودة والتركيز على علاقتهم الخاصة، لكن الحقيقة أنه بمجرد البدء في النمط الاعتمادي مع الأطفال فهذا النمط يستمر حتى بعد بلوغ الأبناء، ويستمر الوالدن في القلق عليهم ويسمحون لأبنائهم بأن يكونوا محور الكون لبقية حياتهم.

عودة البهجة إلى الأمومة والأبوة

لذا، ما مفتاح الأمومة والأبوة الصحية؟ كما ذكرنا في مثال الممحاة، دعها تقوم بمهمتها ولا بأس من الإصابة ببعض الأوساخ، سوف يستمر الأبناء في ارتكاب الأخطاء، في الحقيقة إنهم بحاجة للوقوع في الخطأ، فحماية الأطفال من الفشل يمنعهم من دروس الحياة القيمة، ويسرق منهم الصلابة والشجاعة التي يمنحها الفشل ويؤثر على قدراتهم، مرحلة الطفولة أكثر الفترات أمانًا للسقوط والتعلم لنصبح مستقلين، وكلما تعرض الأطفال للفشل مبكرًا تعلموا الكثير من الأشياء مبكرًا.

عندما يتقبل الوالدان وقوع أبنائهم في الخطأ ووقعهم شخصيًا فيه، فسوف تصبح الأمور أقل توترًا، هذا الأمر لن يجعل الوالدين والأبناء أكثر سعادة فقط، لكنه يساعد في تنشئة أطفال مستقلين، وهكذا عندما يكبر الأطفال يصبحون شبابًا بالغين بحق، يستطيعون الاعتماد على أنفسهم طول الحياة.

حُسن الأمومة والأبوة ليس مرتبطًا بمدى نجاح أو فشل الأبناء، فمنع الأطفال من الوقوع في الخطأ تصرف عبثي لا طائل منه، فدور الوالدين ليس منع الأطفال من الوقوع في الخطأ لكن دورهم تعليم أطفالهم كيفية الوقوف بعد السقوط والتداوي من الفشل، وظيفة الوالدين تعليم أبنائهم كيف يتعاملون مع الأخطاء بنزاهة، هكذا يؤثر الوالدان حقًا في تشكيل شخصية أبنائهم.

وأخيرًا، فوظيفة الوالدين أن يحبوا أبناءهم دون قيد أو شرط ويوجهونهم بلطف نحو الصواب، فالوالدان ليسوا منقذي أطفالهم أو بوصلتهم في الحياة، لذا حاولوا الاسترخاء وكونوا أكثر إيمانًا بأنفسكم وبأطفالكم وسوف يصبح الأطفال بخير.

المصدر: لايف هاك