بدأت اليوم الخميس، قمة الاتحاد الأوروبي، في العاصمة البلجيكية بروكسل، وفي جدول أعمالها عدد من المواضيع المهمة والمتعلقة بالكثير من القضايا الأوروبية والإقليمية والعالمية، على رأسها ملف توزيع اللاجئين على دول الاتحاد الذي أحدثت خلافات كبرى داخل البيت الأوروبي لتباين وجهات النظر بشأنه، فهل يتواصل العمل بهذا النظام بعد سنتين من إقراره؟

نظام "غير فعال"

قبل يومين من انطلاق القمة الأوروبية التي تتواصل إلى يوم الغد الجمعة، وصف رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك قضية حصص الهجرة الإلزامية بأنها "مثيرة للخلاف الشديد وغير فعالة"، وقال توسك في رسالة إلى القادة إن إعادة التوزيع الإلزامية غير فعالة ومثيرة للانقسامات كثيرًا، موصيًا بتحويل الجهود عوضًا عن ذلك إلى ضمان حدود أوروبا.

اقترح رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك وضع آلية جديدة للتمويل في الميزانية القادمة للاتحاد

ودعا توسك في رسالته، قادة الاتحاد الأوروبي إلى إيجاد سبل للجمع بين المسؤولية والتضامن، واقترح تسوية القضية والتوصل إلى اتفاق جماعي بشأن إصلاحات نظام اللجوء الأوروبي بحلول يونيو 2018، وفي حال عدم تحقق إجماع، يمكن اللجوء إلى بدائل أخرى، منها إلغاء نظام الحصص.

واقترح رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك وضع آلية جديدة للتمويل في الميزانية القادمة للاتحاد التي تغطي عدة أعوام بدءًا من 2021 بهدف وقف الهجرة غير المشروعة، لتحل محل مناشدات جمع المال لهذا الغرض التي شهدتها دول التكتل منذ الطفرة الكبيرة في عدد الوافدين في 2015.

رفض كبير

رسالة دونالد توسك التي تضمنت تقييمه لنظام توزيع اللاجئين على دول الاتحاد الأوروبي، لاقت معارضة كبيرة من المفوضية الأوروبية، فضلاً عن رفض العديد من الدول الأوروبية لها، على رأسها ألمانيا التي ما فتئت تدافع عن هذا النظام وتدعو إلى مواصلة العمل به وتحمّل كل دولة لمسؤوليتها في هذا الموضوع.

وذكرت دوائر رفيعة في الحكومة الألمانية أمس الأربعاء وفقًا لهيئة إذاعة دويتشه فيلا، أنها لا تشارك توسك الرأي في أن نظام الحصص الذي تم إرساؤه عام 2015 "غير فعّال"، وأضافت هذه الدوائر قائلة: "إننا نرى أن ذلك مهمة أوروبية عامة، إننا بحاجة لنظام نجد أنفسنا جميعًا فيه"، مؤكدة أن التضامن يعد "ركيزة محورية" للاتحاد الأوروبي.

حكومة ألمانيا من أشدّ المدافعين عن "نظام الحصص"

إلى جانب ذلك، عبّر المفوض الأوروبي المكلف بشؤون الهجرة ديمتريس أفراموبولوس عن رفضه لما جاء في رسالة رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك، وقال أفراموبولوس: "ما اقترحه رئيس المجلس الأوروبي غير مقبول، وأعتقد أن ما قال به، مثير للانقسام، ودور رئيس المجلس الأوروبي هو تمتين عرى الوحدة بين الدول الأعضاء، وأعتقد أن ما قام به السيد توسك لا يخدم قضية وحدتنا".

وأكد ديمتريس أفراموبولوس، أن ما قاله توسك في رسالته "ينسف كل العمل الذي قمنا به على مدى عامين"، واعتبر المفوض الأوروبي أن مبدأ إعادة التوطين قد حقق نجاحًا جيدًا، مؤكدًا أن الفضل في ذلك لا يعود لدولة أو لمؤسسة بعينها، بل للأوروبيين بشكل عام.

وتقترح أستونيا، الرئيس الحاليّ للاتحاد الأوروبي، الالتزام بخطة الحصص الإلزامية عندما يكون عدد الوافدين كبيرًا جدًا، مع إضافة شيء من المرونة بسن تشريع يقضي بأن نقل طالبي لجوء بين دول الاتحاد يجب أن يكون بموافقة الدولتين المرسلة والمستقبلة لهم، واقترحت المفوضية، وهي الجهة التنفيذية بالتكتل، نقل طالبي اللجوء على أسس إلزامية في أوقات الهجرة الجماعية، بينما يكون استقبال طالبي اللجوء في الظروف العادية اختياريًا.

قال المتحدث باسم المفوضية الأوروبية مارجاريتيس سخيناس: "المفوضية، تعارض بشدة الرأي القائل إن إعادة التوزيع كاستجابة طارئة أثبتت عدم فعاليتها"

ورحبت الحكومة الألمانية يوليو الماضي بقرار حكم محكمة العدل الأوروبية والخاص بتأييد قاعدة الاتحاد الأوروبي في تقديم طلبات اللجوء في أول دولة أوروبية يصلها اللاجئون، مشيرة إلى أن القرار يؤكد توافق الإجراء الأوروبي في الوضع الاستثنائي أيضًا، وبحسب حكم المحكمة، ليس مسموحًا بالحيد عن القواعد المنظمة للجوء في الاتحاد الأوروبي، ووفقًا لقواعد دبلن المعمول بها في الاتحاد الأوروبي، يتعين تقديم طلب اللجوء في أول دولة يتم الدخول إليها من دول الاتحاد.

بدوره، قال المتحدث باسم المفوضية الأوروبية مارجاريتيس سخيناس: "المفوضية، الذراع التنفيذي للاتحاد الأوروبي تعارض بشدة الرأي القائل إن إعادة التوزيع كاستجابة طارئة أثبتت عدم فعاليتها"، وأكّد أن "32.000 شخص أعيد توزيعهم بموجب الخطة، أي 90% من المؤهلين لذلك، وكانت الخطة أساسًا تتعلق بإعادة توزيع 160.00 لاجئ".

انقسامات داخل البيت الأوروبي

تتصدر ألمانيا والسويد وإيطاليا واليونان، الدول المؤيدة لنظام حصص دائم بموجب إصلاح لقوانين اللجوء في الاتحاد الأوروبي، ولكن العديد من الدول في وسط وشرق القارة الأوروبية تعارض ذلك، على رأسها التشيك وبولندا.

وتسود خلافات بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بشأن كيفية إصلاح سياسات الهجرة، حيث إن خطة إعادة توزيع اللاجئين التي تم استحداثها سنة 2015 لمساعدة الدول الأعضاء المثقلة على تحمل عبء تدفق المهاجرين في ذروة أزمة الهجرة مع وصول آلاف من اللاجئين يوميًا إلى الشواطئ الأوروبية، كانت مثيرة للجدل بشكل خاص.

الاتحاد الأوروبي

وترفض كل من بولندا والتشيك والمجر، حتى اليوم قرار الاتحاد الأوروبي الصادر عام 2015 بشأن إعادة توزيع اللاجئين واستقبالهم، لا سيما الذين وصولوا إلى أوروبا عبر اليونان وإيطاليا، وتمت إحالة هذه الدول إلى محكمة العدل الأوروبية من جانب المفوضية الأوروبية لرفضها الامتثال.

وترجع هذه الدول سبب رفض الحصص الإلزامية، إلى أن استضافة لاجئين مسلمين سيقوض سيادتها وأمنها وتجانس المجتمع، وترغب هذه البلدان بدلاً من ذلك في المساعدة بتقديم أموال ومعدات وأفراد للسيطرة على حدود الاتحاد الأوروبي.

سيناقش المشاركون في اجتماع موازٍ يتزامن مع اليوم الأول للقمة الأوروبية في بروكسل، مسألة التضامن الأوروبي في مجال الهجرة

وأثارت مسألة كيفية تسجيل المهاجرين وتوزيعهم في دول الكتلة الأوروبية انقسامًا كبيرًا بين الدول منذ 2015، عندما عبر أكثر من مليون مهاجر، معظمهم من سوريا والعراق وأفغانستان، إلى أوروبا، بينما فتحت كرواتيا في ذلك الوقت حدودها مع دول غير أعضاء بالاتحاد للسماح بالمرور الآمن.

ومن المنتظر أن يجتمع رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر، اليوم الخميس، مع رئيس الوزراء الإيطالي باولو جنتيلوني وزعماء مجموعة فيسجراد (بولندا - هنجاريا - التشيك - سلوفاكيا)، وسيناقش المشاركون في الاجتماع الذي يتزامن مع اليوم الأول للقمة الأوروبية في بروكسل، مسألة التضامن الأوروبي في مجال الهجرة.

تراجع أعداد المهاجرين

سجلّ أعداد المهاجرين غير الشرعيين الوافدين على دول أوروبا تراجعًا كبيرًا هذه السنة، وتقول أرقام المنظمة الدولية للهجرة إن نحو 161 ألف مهاجر ولاجئ وصلوا إلى أوروبا بحرًا هذا العام حتى الآن و75% منهم وصلوا إلى إيطاليا بينما وصل الباقون إلى اليونان وقبرص وإسبانيا، فيما غرق أو فقد نحو ثلاثة آلاف شخص.

غلق السواحل الليبية أدى إلى تراجع عدد اللاجئين

وأوضحت المنظمة التابعة للأمم المتحدة في تقرير سابق، أنّ الاتفاق بين الاتحاد الأوروبي وتركيا على وقف عبور اللاجئين من الأراضي التركية نحو الدول الأوروبية، بالإضافة إلى انتشار دوريات قبالة سواحل ليبيا، ساهم في تقليل عدد المهاجرين غير الشرعيين بدرجة كبيرة، بعد وصول عدد قياسي من المهاجرين خلال الفترة بين عامي 2014 و2016 إلى أوروبا.

فإن كان الهدف من إقرار نظام توزيع اللاجئين على دول الاتحاد إظهار التضامن بين دول الاتحاد الأوروبي، فإن العكس هو الذي حصل، ونشبت خلافات كبيرة بين الدول الأعضاء بخصوص الهجرة، وتبادل للاتهامات بينها وصل مداها إلى محكمة العدل الدولية التي أصدرت حكمًا يساند "نظام الحصص".