هل يستعد ترامب لمشروع "يهودية الدولة" وإلغاء حق عودة اللاجئين الفلسطينيين؟

لم يكن ما حدث أول أمس الخميس في الجمعية العامة للأمم المتحدة حدثًا عاديًا بالنسبة للإدارة الأمريكية، فتمرير قرار بأغلبية ساحقة يعارض قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هو كان بمثابة صفعة قوية وجّهت للبيت الأبيض، خصيصاً بعد التهديدات "البلطجية" التي أصبحت توسم بها تصريحات ترامب وسفيرته نيكي هالي في الصحف الأجنبية والعالمية، والتي توعّدا فيها الدول التي تقدم لها الولايات المتحدة الأمريكية منح ومساعدات بقطعها، إذا تجرأت هذه الدول وعارضت قرار ترامب بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة.

ولكن يبدو أن هذه الصفعة التي تلاقاها ترامب، والهجوم العالمي عليه، سيدفعه لردة فعل عكسية تمامًا وانتقامية، أي أن هذه الصفعة لن تمنعه من الاستمرار قدمًا في قراراته الغوغائية تجاه القضية الفلسطينية، تأكيدًا للوعد الذي قطعه على نفسه، وتأكيدًا لخطاب هالي أيضًا في الأمم المتحدة، ووعوده المشددة ببقاء واشنطن مخلصة إلى "دولة إسرائيل" إلى الأبد جنبًا إلى جنب حتى لو تخلى العالم كله عنها، حتى بات يشعر المستمع والمشاهد، بأن من يحكم البيت الأبيض هم الإسرائيليون أنفسهم وليس الأمريكيين.

"معلومات تفيد بأن " الإدارة الأمريكية ستقدم على الاعتراف بيهودية الدولة الإسرائيلية، وضم المستوطنات للقدس المحتلة، وشطب حق العودة للاجئين الفلسطينيين نهائيًا"- إسماعيل هنية

صباح هذا اليوم السبت، حذّر إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية "حماس" من معلومات لدى حركته تفيد بأن الإدارة الأمريكية قد تقدم على قرارات جديدة وخطيرة بشأن القدس والقضية الفلسطينية.

وقال هنية في مؤتمر علمي في غزة نظمته حركته يتناول قضية القدس: "لدينا معلومات من جهات معنية، أن الإدارة الأمريكية قد تقدم على الاعتراف بيهودية الدولة الإسرائيلية، وضم المستوطنات للقدس المحتلة، وشطب حق العودة للاجئين الفلسطينيين نهائيًا".

مضيفًا في الوقت نفسه أن الوضع الراهن بحاجة عاجلة إلى مراجعة شاملة لكل مسيرة التسوية وترتيب البيت الفلسطيني ورفع اليد عن المقاومة، مطالبًا السلطة الفلسطينية بموقف واضح فيما يخص اتفاقية أوسلو والتنسيق الأمني مع الاحتلال الإسرائيلي.

قرار "القدس عاصمة" مجرد بداية!

إذا عدنا للوراء قليلاً، وتحديداً في 10 نوفمبر 2016، أي بعد فوز ترامب بالانتخابات الرئاسية بيوم واحد، وقبل استلامه لمهامه الرئاسية بشهرين، سنجد ما نشرته صحيفتي "هآرتس" و"جروساليم بوست"، حول ما جاء فيما يعرف بـ"وثيقة النوايا" التي أعدها ديفيد فريدمان وجيسون غرينبلات مستشارا الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب، حيث تشير الوثيقة إلى أن ترامب يعتقد بأن "حلّ الدوليتين مستحيل طالما لم يعترف الفلسطينيون بإسرائيل كدولة يهودية ولم يتوقفوا عن التحريض".

جيسون غرينبلات أحد مستشاري ترامب 

وعند قراءة وثيقة السياسات الرسمية التي وزعها مستشارا ترامب للشؤون الاسرائيلية آنذاك، جيسون غرينبلات وديفيد فريدمان، نجد هناك مقاطع تبدو وكأنه تمّ نسخها مباشرة من رسائل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عشية الانتخابات في عام 2015، حيث كتب في الوثيقة أيضًا بأن "ترامب لا يتقبل الادعاء بأن "إسرائيل تحتل" الضفة الغربية وأن الانسحاب الإسرائيلي سيكون فقط إلى الحدود التي تعتبرها هي قابلة للحماية".

الوثيقة السياسية لترامب لم تتضمن أي إشارة إلى خطوط 1967، ولم تعتبر المستوطنات مشكلة. وقد كُتب فيها أيضًا بأن ترامب سيسرّه مساعدة الأطراف على التوصل إلى اتفاق سلام، لكنه لن يمارس الضغط. وسيطالب بإجراء مفاوضات مباشرة بدون شروط مسبقة، وسيعارض كل خطوة قسرية في الامم المتحدة.

وكان الإعلان قد تضمن أيضًا بأن ترامب سيعترف بالقدس "عاصمة أبدية للدولة اليهودية، لا يمكن تقسيمها (The eternal and indivisible capital of the Jewish state )  وسينقل إلى هناك السفارة الأميركية بدلاً من مقرها الحالي على شاطئ البحر في تل أبيب.

هذه الوعود الترامبية والتي جاءت تحت مسمى "وثيقة النوايا"، تعني تماماً إلغاء حق عودة اللاجئين الفلسطينيين أيضًا، فمعنى اعتراف ترامب بـ"يهودية الدولة" وإجبار الجانب الفلسطيني على الاعتراف كذلك، هو إلغاء تام لحق عودة اللاجئين وحقوق الفلسطينيين في فلسطين المحتلة سنة 1948.

صحيفة "إسرائيل اليوم" كانت قد نشرت في ذلك اليوم أيضًا، لقاءً مع المدير العام السابق لوزارة الخارجية د. دوري غولد، حول الوثيقة، الذي قال إن "الوثيقة تحافظ على المصالح الإسرائيلية". وأضاف أن "الوثيقة تتضمن موقفاً حاسماً مفاده أن "إسرائيل" تحتاج إلى حدود قابلة للدفاع عنها، وتضمن السلام وتعزز الاستقرار الإقليمي"، مشيراً: "أنا أفهم ذلك كرفض للعودة إلى حدود 1967، والمطالبة بعدم الضغط من أجل انسحابات تستدعي العدوان على "إسرائيل" مستقبلاً".

الوثيقة تتحدث أيضاً عن الحاجة إلى اعتراف أميركي بـ"إسرائيل" كعاصمة الدولة اليهودية والتي لا يمكن تقسيمها. وتشمل أيضاً نقل السفارة الأميركية إلى القدس، وهو ما تم بالفعل قبل أسبوعين من الآن. وتطرح الوثيقة في الوقت نفسه شروطاً لقيام دويلة فلسطينية، من بينها عدم قيام السلطة الفلسطينية بتقديم محفزات للإرهاب ووقف تمجيد "المخربين".

هذه الوعود الترامبية والتي جاءت تحت مسمى "وثيقة النوايا"، تعني تماماً إلغاء حق عودة اللاجئين الفلسطينيين أيضًا، فمعنى اعتراف ترامب بـ"يهودية الدولة" وإجبار الجانب الفلسطيني على الاعتراف كذلك، هو إلغاء تام لحق عودة اللاجئين وحقوق الفلسطينيين في فلسطين المحتلة سنة 1948.

آساف فريد: "الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة للدولة يشكل خطوة تاريخية كبيرة تقرب بناء الهيكل الثالث في الحرم القدس الشريف"

وزير التعليم الإسرائيلي نفتالي بينيت المحسوب على اليمين المتطرف، وبعد انتخابات ترامب رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية، قال أكثر من مرة، إن "الإسرائيليين سيعتمدون على ترامب في منحهم الغطاء المطلوب للحفاظ على إسرائيل دولة يهودية، دون حديث عن إقامة الدولة الفلسطينية، لأنها كفيلة بإغراق "إسرائيل" باللاجئين"، على حد تعبيره..

وكانت صحيفة معاريف قد نقلت عن بينيت زعيم حزب البيت اليهودي قوله إنه في حال اتخذت "إسرائيل" قرارًا واحدًا يخص اللاجئين الفلسطينيين، فإنها سوف تفقد كل شيء، وسيتم الإخلال بالتوازن القائم، وكل ما بذله اليهود بدءاً من هرتزل سيضيع في لحظة واحدة، ورغم أن العالم سيصفق لنا عدة أيام، لكننا بعد مرور عدة أسابيع، سنبدأ الدفاع عن حقنا في مدن حيفا، وكفار سابا، وتل أبيب".

كلام بينت هذا يدلل على الاعتماد الكبير والثقة الكبيرة للإسرائيليين في ترامب، فهو إن نجح في قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة، وامتص غضب الفلسطينيين والعرب، سيكمل مشواره نحو إعلان تاريخي بـ"يهودية الدولة" الإسرائيلية، وإلغاء أي حق للاجئين الفلسطينيين، وضم المستوطنات إلى القدس المحتلة

وأشار إلى أن "هذا يعني أن إقامة دولة فلسطينية ستأتي إلينا بملايين اللاجئين الفلسطينيين، وحينها لن يكون هناك وجود لدولة يهودية؛ فالفلسطينيون يشكلون 60% من سكان الأردن، ورغم ذلك منحناهم دولة أخرى، من خلال العودة إلى حدود عام 1967، وخروجنا من قطاع غزة، وانسحاب المستوطنين من هناك عام 2005، وبات لدى الفلسطينيين كيان سياسي أشبه بدولة في قطاع غزة".

الإسرائيليون يطمعون في ترامب لما هو أبعد

كلام بينت هذا يدلل على الاعتماد الكبير والثقة الكبيرة للإسرائيليين في ترامب، فهو إن نجح في قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة، وامتص غضب الفلسطينيين والعرب، سيكمل مشواره نحو إعلان تاريخي بـ"يهودية الدولة" الإسرائيلية، وإلغاء أي حق للاجئين الفلسطينيين، وضم المستوطنات إلى القدس المحتلة.

وبالفعل، وعقب إعلانه القدس عاصمة لدولة الاحتلال الإسرائيلي، ونقل السفارة الأمريكية إليها، أشار ترامب إلى دعمه الكبير لمشروع "يهودية الدولة"، فخلال احتفاله في البيت الأبيض بعيد "حانوكا" اليهودي أو ما يسمى بعيد "الأنوار، نشر ترامب صوره على حسابه الخاص في "تويتر"، مهنئا اليهود حول العالم، ومؤكدا دعمهم، قائلًا: "نفتخر في هذا العيد بأننا ندعم الشعب اليهودي الذي يلمع بين الدول".

http://twitter.com/realDonaldTrump/status/940706127309926400

وأضاف ترامب: "نؤيد شعب إسرائيل والدولة اليهودية التي لها في حد ذاتها تاريخ رائع في التغلب على الظروف غير المواتية، وآمل أن يحظى من يحتفل بهذا العيد في الولايات المتحدة، وفي إسرائيل وحول العالم"، وفق قوله.

https://twitter.com/realDonaldTrump/status/939005659982348291

ترامب اليوم يحفّز الإسرائيليين ويفتح شهيتهم بشكل كبير نحو ما هو أبعد من نقل سفارته إلى القدس المحتلة، فإذا ما تم تمرير هذا القرار سيتبعه قرارات أخرى أكثر خطورة، مثل يهودية الدولة وضم المستوطنات وإلغاء حق اللاجئين، وزيادة الفرص لبناء الهيكل المزعوم. كيف لا يكون ذلك وجمعيات الهيكل اليهودية أبدت رضًا وتفاؤلاً كبيرًا بهذا القرار، إذ أعلن الناطق بلسان اتحاد الجمعيات اليهودية الفاعلة من أجل بناء الهيكل المزعوم (27 جمعية) أساف فريد في الـ9 من ديسمبر الجاري، أن "الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة للدولة يشكل خطوة تاريخية كبيرة تقرب بناء الهيكل الثالث في الحرم القدس الشريف".

وختم فريد قوله بأن "الاعتراف من جهة وشكوى الفلسطينيين حول لامبالاة العرب تجاه تعزيز الروابط اليهودية للحرم القدسي الشريف يشكلان دليلاً جديدًا على أنه كلما زادت (إسرائيل) سيطرتها على المكان المقدس التابع لليهود فهم ستقترب شعوب الدنيا من الاعتراف بالأمر الواقع وتمد يد العون لنا".