فخر الدين باشا مع جنوده

ترجمة وتحرير: نون بوست

عدنا مجددا إلى فصل آخر من التاريخ، ولو أمعنا النظر في ترتيب المشاكل التي نتعرض لها سواء على مستوى السياسة الخارجية أو الداخلية لوجدنا أنها انعكاس للقضايا التاريخية التي نقلت إلينا عبر التاريخ. فنحن نصارع عشرات القضايا التاريخية منذ قرن من الزمن، وكان آخرها ما نتج عن جملة كتبها شخص عديم المعرفة على صفحته على أحد مواقع التواصل الاجتماعي، لتتحول إلى قضية متداولة.

في الواقع، لقد كتبت العديد من الشخصيات والمسؤولين عن فخر الدين باشا، الذي بقي صامدا وحمى المدينة المنورة تحت ظروف صعبة وقدم نموذجا نادرا من البطولة والانتماء، ومهما حصل لن يستطيع أحد المماس بصفحته ناصعة البياض.

الأتراك والعرب يتشاركون تاريخا موحدا منذ ألف عام

ماذا يعلمنا فخر الدين باشا؟

يمكن أن نتعلم من خلال هذه الحادثة العديد من الدروس، وأولا وقبل كل شيء علينا القول إنّ توظيف التاريخ بصورة عشوائية وتطويعه ليصبح أداة لتحقيق أغراض ومنافع معينة هو أمر خاطئ، وقد أدركنا ذلك عندما استخدم الآخرون التاريخ ضدنا وهو ما يعتبر في حد ذاته مشكلة حقيقية.  لقد تداول الأشخاص هذه القضية داخل تركيا قبل أن تتحول إلى مسألة دبلوماسية خارج حدودها، حيث استخدم الكثير من السياسيين والأكاديميين في السابق جملا مماثلة لما قاله ذلك الإماراتي، لكن حينها لم يعترض أحد بصورة جدية.

دون أدنى شك، لكل شخص معطيات تاريخية يعول عليها لمواجهة الآخر، لأنه يدرك أنه باستطاعته تشويه التاريخ كما يشاء لخدمة رغباته وتوجيه هذه السهام في وجه خصومه، لكن عندما تم توجيه سهم من الخارج ضدنا أدركنا الخطأ الذي كنا نقترفه. ومن هذا المنطلق، على الجميع أن يفهموا اليوم ضرورة الحرص على التعامل بمسؤولية مع التاريخ.

في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن الأتراك والعرب يتشاركون تاريخا موحدا منذ ألف عام، وعلينا الإقرار بأننا جاهلون في تاريخ العلاقات التي جمعتنا بالعرب، والأمر سيان بالنسبة للعرب أيضا. ورغم الجهود الكبيرة لرأب الصدع في العلاقات التركية العربية، من خلال نشر مئات الكتب والمقالات، إلا أننا لا زلنا في بداية طريقنا نحو فهم تاريخنا المشترك.

في هذا السياق، بين طه كيلنج أنّ كلمة "سفربيرلك" تعني حماية الأراضي العثمانية وتقديم الأرواح فداء لها في سبيل الدفاع عن شرف الدولة وعلمها، بينما لا يزال هناك من يستخدم نفس الكلمة لوصف ما يعتقدون أنه "ظلم وتهجير" ارتكب في حقهم. ولهذا السبب، لن تتوقف مثل هذه المناكفات التاريخية.

على العرب والأتراك أن يكتبوا ويقرؤوا التاريخ المشترك بينهم من جديد

في المقابل، يعاني الطرف الآخر من نفس المعضلة، فلا يستطيع العرب الحديث عن تاريخهم دون التطرق لتاريخ السلاجقة والعثمانيين والأتراك، ولعل ذلك ما يفسر معاناتهم هم أيضا من غموض الهوية وتناقضها. كما يعيش الأتراك الحالة نفسها بسبب موروث الدولة العثمانية الإسلامية.

في هذا الإطار، لو سلطنا الضوء على مثال فخر الدين باشا لوجدنا أن العديد من العرب يدافعون عنه وعن بطولاته وتضحياته لما يعرفونه عن تاريخه المشرّف. لكن هناك جزء منهم ومن الأتراك أنفسهم، لا يستطيعون فهم سبب تواجد العثمانيين في تلك المناطق، خاصة بالنسبة لبعض السعوديين الذين يحقدون على فخر الدين باشا ويتهمونه بدفن الكثير من الناس في مقابر جماعية أثناء عملية إخلاء المدينة.

قراءة التاريخ المشترك من جديد

في البداية، علينا النظر إلى أصل القضية، وكما قلت طوال سنوات، على العرب والأتراك أن يكتبوا ويقرؤوا التاريخ المشترك بينهم من جديد، لأنهم لن يستطيعوا بناء المستقبل على أسس سليمة ما لم يقدموا على هذه الخطوة.

طيلة الحكم العثماني في المنطقة، عملت الدولة العلية على فتح صفوف دراسية متمدنة في مختلف الدول العربية، كانوا من خلالها يوجّهون الطلاب نحو الألفة والتآخي والوحدة. لكن قوى الاستعمار أبطلت هذه الصفوف وفتحت صفوفا أخرى، خصوصا في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين والقاهرة، كانت تحاول من خلالها التحريض على العثمانيين، وزرع بذور الحقد والكره والبغضاء، وإبراز أسوأ مشاهد التاريخ المشترك بين العرب والأتراك وتدريسها للطلبة من أجل التفرقة بيننا.

عندما بدأ الإنجليز في الاستيطان في الخليج، خلال القرن التاسع عشر، عملوا على توحيد سبع إمارات سنة 1971، وأسسوا منها دولة. ولأنّ قطر في تلك الفترة لم تنضم لهذا الكيان الجديد، اعتبروها عدوة لهم

لكن، لم تشعر القوى الاستعمارية أنها في حاجة لذلك في الخليج لأنّ قبائل البدو والعشائر كانت تتصارع أصلا فيما بينها، لذلك قامت القوى الاستعمارية بتعميق هذه الأوضاع وتحويلها إلى مسائل قومية، وهو ما يفسر عدم قدرة الشعوب الخليجية على فهم مختلف فصول التاريخ المشترك بين العرب والأتراك بصورة سليمة.

بناء على هذه الأسباب، تظهر اليوم خصومات بين دول الخليج على الرغم من أنهم ينتمون في الواقع إلى قبائل تربط بينها صلة قرابة. وبما أنهم لم يتمكنوا من فهم تاريخهم وفق رؤية سليمة وعلى أسس صحيحة بعيدا عن تدخل القوى الاستعمارية، تجدهم اليوم لا ينفكون عن التطاول على بعضهم البعض والافتراء على غيرهم، فحينا يعتبرون الآخر "ابن عمي" وأحيانا يعتبرونه "عدوي".

هل يوجد تاريخ للإمارات العربية المتحدة؟

دعونا نتحدث الآن عن الإمارات العربية المتحدة، علما بأنه لم يكن هناك أي دولة أو أي وحدة بينها في التاريخ. فعندما بدأ الإنجليز في الاستيطان في الخليج، خلال القرن التاسع عشر، عملوا على توحيد سبع إمارات سنة 1971، وأسسوا منها دولة. ولأنّ قطر في تلك الفترة لم تنضم لهذا الكيان الجديد، اعتبروها عدوة لهم.

أما عبد الله بن زايد، الذي تطاول على فخر الدين باشا، فهو ينحدر من سلالة تابعة لإمارة أبوظبي، التابعة لإحدى الإمارات السبع. ووفقا لما ذكر آنفا، من الخطئ الاعتقاد في وجود تاريخ موحد للإمارات السبع، فإماراتيْ أبوظبي ودبي، اللتين تسيطران فعليا على الإمارات، تمثلان امتدادا للبدو الرحل، بينما تمثل كل من إمارة عجمان والشارقة ورأس الخيمة امتدادا للمجتمع المدني. فالرحالة أحمد بن ماجد، الذي حفر اسمه في التاريخ، كان من سكان الإمارات المذكورة التي تمثل أصل المجتمع المدني.

عائلة آل نهيان، تأسست واستمرت في طريقها من خلال خيانة أبنائها لبعضهم البعض

أما بالنسبة لكل من إمارة أبوظبي ودبي فقد تكونتا من البدو الذين كانوا يطوفون في عُمان وفي منطقة بني ياس، وقد توحد هؤلاء البدو الرحل في هاتين الإمارتين في وقت لاحق. وتجدر الإشارة إلى أن تاريخ بني ياس يمتد للقرن السادس عشر، بينما يعود تاريخ كل من إمارة أبوظبي ودبي إلى القرن الثامن العشر. وتأسست إمارة أبوظبي على يد عائلة أبوفلاح، ويعتبر آل نهيان فرعا من هذه العائلة، التي كانت تدير تلك المنطقة منذ سنة 1960 وحتى الآن.

بكل تأكيد، ليس لدينا الحق في الإساءة لتاريخ أي قوم، لكن علينا هنا أن نظهر الحقائق فقط. والحقيقة تثبت أن هذه العائلة، أي عائلة آل نهيان، تأسست واستمرت في طريقها من خلال خيانة أبنائها لبعضهم البعض. فقد كان ذياب بن عيسى الأمير الأول لأبوظبي، وبعده توالت عمليات انقلاب الأمراء سواء من أبنائهم أو من إخوتهم.

بالعودة للتاريخ، تبين أن ذياب بن عيسى قد قتل على يد هزاع بن زايد، الذي قُتل على يد أخيه شخبوط، الذي فقد بدوره العرش على يد ابنه محمد. وقد تعرض محمد لاغتيال من قبل طحنون، بينما اغتيل الأخير على يد إخوته خليفة وسلطان. وبعد استلام خليفة للحُكم، قُتل هو الآخر على يد عيسى بن خالد، الذي اغتيل على يد ابن عمه ذياب. وحين وصل سعيد بن طحنون للحُكم، ترك الحُكم ولكن هذه المرة ليس بالإعدام وإنما خوفا منه، حيث هرب إلى الصحراء.

بعد ذلك، استلم الحكم زايد بن خليفة، الذي توفي سنة 1908، وكان من المفترض أن يصبح ابنه طحنون أميرا، لكن بعد موته استلم الإمارة أخوه حمدان، الذي قُتل هو الآخر على يد أخيه سلطان. أما سلطان، فقد قُتل على يد أخيه صقر، الذي قُتل على يد خادم تابع لأخيه خليفة، وكان المفترض أن يستلم الحُكم بعده ابن أخيه شخبوط بن سلطان، لكن الإنجليز دعموا شقيقه زايد بن سلطان الذي انقلب على الحُكم، وأصبح بدعم من الإنجليز مؤسسا للإمارات العربية المتحدة.

بناء على هذه المعطيات، يبدو جليا أنه لا يوجد أمير من هذه العائلة، التي تتميز بتاريخ شديد التشعب، لم يقتل على يد أحد أفراد عائلته التي تطغى عليها حوادث الخيانة والاغتيال. لذلك، تحولت إمارة أبوظبي إلى مرتع للمؤامرات والاغتيالات والأعمال القذرة، وبالتالي إن أي تعليق من تلك العائلة حول التاريخ لا قيمة له ولا يمثل الإمارات العربية، ما يعني أنه يجب علينا أن لا نتعامل معها أبدا. ويكمن الخطر الحقيقي في اتخاذ بعضنا لمثل هؤلاء الأشخاص مرجعا يستندون إليه ويستدلون به في روايتهم وحديثهم عن التاريخ.

المصدر: يني شفق