قد يختلف الكثيرون حول المطبخ التركي ولذة أصنافه، خاصة أولئك القادمين من بلاد الشام أو الذين تعوّدوا على الطعام المتخم بالبهارات والإضافات المختلفة، إلا أنّه قطعًا لا يختلف اثنان على أنّ الفطور التركي من أفضل وجبات الإفطار على الإطلاق، خاصة ولتنوّع أصنافه ووفرة الخيارات التي يحتويه، بالإضافة لطبيعة تلك الأصناف والتي غالبًا ما تكون عضوية صنعت بمطابخ بيتية وبأيدٍ بشرية.

تُعدّ وجبة الإفطار التركية طقسًا يوميًّا مميزًا لا ينفع أن يكونَ عابرًا أو على عجلة، وإنما يتناوله الأفراد بكلّ بطء ومتعةٍ شديدين، إذ أنه تجربة تستحقّ التباطؤ والاستمتاع بكلّ طبقٍ موجود على الطاولة، عوضًا عن أنّ الأتراك يرون في وقت الإفطار الوقت الأنسب لاجتماع العائلة أو الأصدقاء وبالتالي يستحق أن يحاط بعناية بالغة، ولا أدلّ على ذلك من إبريق الشاي الذي يبقى قيد الغليان على النار، في إشارةٍ منهم لرغبتهم بمواصلة ذلك الطقس والاستمتاع به على مهلٍ.

ولا يتوقف الأمر عند ذلك الحدّ، فبالنسبة لي وللكثيرين غيري، تعدّ وجبة الإفطار عزاءً وجائزة يكافئ بها المرء نفسه في عطلة نهاية الأسبوع، بعد أيام مُتعبة وحافلة بالعمل والدراسة واستنفاد الطاقة في وسائل المواصلات وزحمة سير المدن، مما لا يدع للفرد مجالًا للتنفس أو بأخذ فسحةٍ من الراحة، فيجعل من نهاية الأسبوع ووجبة إفطارها محطّ انتظارٍ ولهفة، ولا عجب أنّ الأتراك يتداولون مقولة مفادها أنّ الأيام الجميلة تبدأ بوجبة فطورٍ جميلة "Güzel günler, güzel kahvaltılarla başlar."

لذلك، وإن كنتَ زائرًا لإسطنبول أو مقيمًا فيها، فثق تمامًا أنّ وجبة الفطور ستكون من أكثر التجارب التي يمكن أن تحظى فيها لذة ومتعة، فاحرص أن تبدأ يومك بها، ولا تضيّع على نفسك فرصة ذلك، فلن تنساها أبدًا ما حييت.

بازلاما كاهفالتي: تجربة بصرية ممتعة ولذة حقيقية

يقولون أنّ التجربة التي تستحقُّ أن تعاشَ هيَ تلك التي ستبقى تتذكّرها مطوّلًا، وتجربة هذا المطعم الأنيق المختصّ فقط بتقديم الفطور التركيّ الشعبيّ بأجملِ حلّةٍ ممكنة لا يمكن نسيانُها أبدًا. لكن لا تنسَ، احرص على الذهاب باكرًا لئلّا يسبقكَ المبكّرون فلا تجدَ لك مكانًا فارغًا فتضطر للانتظار مطولًا في دوْرٍ قد يمتدّ على طول الزقاق بأكمله.

تستطيع في بازلاما أن تجد جميع العناصر التي يُمكن لها أن تجعل من وجبة الإفطار وجبةً كاملة؛ المكان والموقع والأكل اللذيذ والتصميم المُريح وجودة الخدمة والوجوه المُبتسمة المتفانية في عملها.

ستجد جُملةً مكتوبةً في إحدى زوايا المطعم، “Doymadan Kalmak Yasak”، ومعناها “ممنوعٌ أن تنهض قبل أن تشبع”. ولو جئنا للتجربة الواقعية فأنتَ فعلًا لن تنهضَ قبل أن تشعرَ أن معدتك امتلأت بكلّ ما هو لذيذٌ ومُبهِج. فما إنْ ينتهي أحد العناصر أمامكَ حتى تجدَ من يأتي ليسألك إن كنتَ تحتاج المزيد منه، فالصحون هناكَ غيرَ محكومٍ عليها بالفراغ وبإمكانكَ أن تملأها قدرَ ما تشاء. عوضًا عن إبريق الشاي الخزفيّ الأنيق الذي يزيّن كلّ طاولة وتحته غازٌ صغير حتى يُبقيَ شايك دافئًا، ويمتّعك بعددٍ كبيرٍ من أكواب الشاي اللذيذ.

زبدة من طرابزون، أنواعٌ كثيرة من المربّى محليّ الصنع، السجق من قيصري، خليطٌ لا يُقاوم من التوت الأسود وجبنة لور الشهيّة، pişi قد يكون الأفضل على الإطلاق. عدا عن الخبز الساخن الذي يأتيكَ بين الفينةَ والأخرى بكلِ حبّ وسرور، وغير ذلك من الأصناف الكثير الكثير.

لستَ بحاجةٍ لأن أخبركَ الكثير من الوصف عن المطعم، كلُّ ما عليكَ أن تخطّ الخُطى نحو حيّ تشويقية في منطقة عثمان بيه، وتمتّع حواسّك الخمس بكلّ ما ستلقاه هناك.

بيتي بلو: جوّ بيتوتي وفطورٌ بنكهة الأم

لا بدّ وأنّ أهل كوزكونجوك، ذلك الحيّ الأسكداريّ الجميل، قد حفظوا ذلك المكان الأزرق الصغير، المفتوح على مطبخه الذي تديره تلك السيدة اللطيفة بابتسامتها التي لا تفارق وجهها، وهي تستقبل زوارها وتصنع لهم فطورهم، وتقدّمه بكلّ الحبّ والحفاوة.

يبدو أنّ سيبال أبلة، صاحبة المكان، قد أحبّت ذلك الفيلم الرومانسي الجميل، أحد أشهر أفلام الحبّ الفرنسية القديمة، فسمّت مطعمها الصغير باسمه، وجعلت من أغلفة سي ديهات الفيلم شبه المهترئة، وسيلةً تضع بين طيّاتها ورقة الحساب حين تقدّمه لزبائنها.

مكان صغير ساحر بجوّه الحميميّ، يجلب لك شعورًا بأنك في منزلك، خاصة وأنّ سيبال أبلة لا تتهاون في تدليلك بكلامها الجميل وضحكاتها الحانية، ومدّك بما تصنعه يداها الطيّبتان.

زوروا كوزكونجوك قاصدين بيتي بلو، وبكّروا خلال أيام الأسبوع فصاحبته تحبّ المبكرين ولا تقدم الفطور بعد الساعة الحادية عشرة إلا يومي السبت والأحد.

اطلبوا الفطور التركيّ المميز وطبق بينيرلي يومورتا، البيض المطهوّ مع الجبن والأعشاب الطازجة، ولا تنسوا الـpişi أو معجناتها اللذيذة. أو قد تحظون بوجبة غداء صحية من وجباتها المنوّعة.

سوتيش إميرغان: فطور بالقرب من البسفور

قد يكون هذا المكان واحدًا من أفضل أماكن الإفطار في إسطنبول ومن أكثرها متعة، لا سيّما وأنّه يقع بالقرب من البسفور لا يفصل بينهما سوى شارعٍ واحد، إلى جانب قربه من حديقة إميرغان الشهيرة، ومتحف ثاقب صابنجي أحد أجمل متاحف إسطنبول على الإطلاق.

جميع أصناف وجبة الفطور لذيذة جدًا، إضافة للخدمة السريعة على الرغم من ازدحام المكان وامتلائه بالزبائن، خاصة في عطل نهاية الأسبوع.

لو كنتَ سائحًا في المدينة، فرتّب جدولك لقضاء نهارٍ كامل أو نصف نهار في المنطقة، بحيث تبدأه بوجبة الإفطار المميزة، ثمّ تمضي وقتك لاحقًا بزيارة المتحف والحديقة، إلى جانب قلعة روملي حصار القريبة، وهي القلعة التي بناها المسلمون تمهيدًا لفتح المدينة.

بيت فان: وجبة إفطار في قلب جيهانغير

يعدّ هذا المكان واحدًا من أكثر الأماكن شعبية لتناول وجبة الإفطار في اسطنبول، خاصة وأنه يقع في قلب حيّ جيهانغير فائق الجمال والتاريخ، والذي يقصده السياح سواء للإقامة أو للاستكشاف والتجول.

صاحب المطعم من مدينة فان شرق تركيا، والتي تشتهر بإفطارها المميز، لذلك كلّ ما سيكون أمامك على الطاولة فقد قدم من تلك المدينة، بدءًا من الأجبان والزيتون أو اللحم المدخّن، أو دبس السكّر المخلوط بقليلٍ من الطحينة، أو حتى العسل والقشطة، الثنائي الأشهر في وجبة الفطور التركية.

بشكلٍ عام المكان لطيف جدًا، كلّ ما فيه لذيذ، لكن عليك أن تبكّر بالذهاب في عطلة نهاية الأسبوع، فغالبًا ما يكون مزدحمًا عن بكرة ابيه، إلا أنّه يمتاز بسرعة خدمته وحفاوتها، فالعاملون فيه أشبه ما يكونون بخلية نحلٍ في حركتهم وخدمتهم اللطيفة.

أرادا كافيه: مزيج لبنانيّ تركيّ أصيل

أما إن كنتَ تشتاق لوجبة الفطور العربية الأصيلة، بفلافلها وحمّصها ومناقيشها، فلا أفضل عندك من التوجه نحو أرادا كافيه والذي يقع في حيّ توبهانه في أسطنبول، ويقدّم لكَ وجبة إفطارٍ شهية تتنوع بين الأصناف اللبنانية والأصناف التركية، فستجد أمامك على الطاولة الفلافل والحمص والمناقيش والزيت والزعتر، بالإضافة للاجبان التركية ودبس السكّر والطحينة والمنمن "البيض بالبندورة والجبنة"، والبيشي التركيّ وأنواع المربّى المختلفة والمنوعة.

ناملي غورمه: أنواع عديدة وأطعمة أخاذة

لعلّ أكثر ما يميّز هذا المكان هو التشكيلة الواسعة من شتى الأصناف والأنواع التي ستجدها ممدودةً أمام ناظريك وتدعوك لتختار منها ما تحبّ وتشتهي. فهناك أصناف الجبنة القادمة من جميع أنحاء البلاد، والزيتون المنوّع الذي صٌنع بطرق مختلفة، بالإضافة إلى اللحوم المدخنة والباسطرما والسجق والمكسّرات والفواكه المجففة، عدا عن أصناف البيض التي تستطيع طلبها فتجدها أمامك بحلةٍ بهية وطعم أخاذ.

اذهب إلى كاراكوي واقصد ناملي، ولا تنسَ أنّ الخدمة في المطعم شخصية، إذ ستقف في الدور لتختار ما تريد أن يوضع أمامك من أصناف ومأكولات متنوعة، ما يضفي تجربة لذيذة إذ تستطيع إمتاع عينيك بمنظر ما هنالك والروائح الشهية التي تملأ المكان والجو.