ترجمة وتحرير: نون بوست

ظلت الحركات الشعبوية تحقق صعودا مستمرا، على مدى العقدين الماضيين، إلا أن القلق بشأن هذه الظاهرة وصل إلى ذروته قبل سنة واحدة. ولا يعد هذا الأمر مفاجئا، فقد كانت سنة 2016 السنة التي تصدرت فيها الشعبوية عناوين الأخبار. فخلال أشهر قليلة حافلة بالأحداث والمفاجآت، صوت الشعب البريطاني لخيار مغادرة الاتحاد الأوروبي، وانتخب الأمريكيون دونالد ترامب رئيسا لهم. وقد توقع أغلب المحللين حول العالم في تلك الفترة أن سنة 2017، ستحمل المزيد من الصدمات، وأن النظام العالمي في نسخته القديمة قد انتهى، ودخل في طور جديد.

في الوقت الراهن، وبعد انقضاء سنة، من الواضح أن كل تلك المخاوف كانت تنطوي في جوهرها على قدر من المبالغة. فخلال الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية الفرنسية، فاز الشعبويون من اليسار واليمين بحوالي نصف الأصوات. ولكن عندما واجه إيمانويل ماكرون تيار اليمين المتطرف بقيادة مارين لوبان في الجولة الثانية، حقق فوزا مريحا.  والأمر سيان بالنيسبة لألمانيا التي شهدت أيضا دخول التيار اليميني المتطرف الشعبوي إلى البرلمان، لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية. في المقابل، لا تزال الأحزاب المعتدلة تحافظ على أغلبية برلمانية مريحة. وإبان انتهاء المباحثات بشأن تشكيل الحكومة المقبلة، ستكون على الأرجح معتدلة وواقعية مثل سابقتها.

في الواقع، قد يبادر البعض بالخروج باستنتاجات خاطئة على ضوء هذه المعطيات، تماما كما حدث بالفعل مع بعض المراقبين. وفي هذا الصدد، أورد شارلز كراود هامر، معلقا على هذه الظاهرة في شهر نيسان/أبريل الماضي ، أن "موجة الشعبوية ثد وصلت إلى القمة وقريبا ستبدأ في الانحسار". بعد سنتين مليئتين بالتطورات المخيفة، يبدو أن الأمور بدأت تعود تدريجيا إلى مسارها الطبيعي.

ينتمي من ينطبق عليهم وصف "شعبويون"، لحركات تقدم نفسها على أنها الممثل الوحيد والحقيقي لإرادة الشعب المتحد، ضد النخب المحلية، والمهاجرين الأجانب، والأقليات العرقية والدينية والجنسية

خلافا لذلك، نستطيع الخروج بدروس مختلفة من هذه الظواهر. فعلى الرغم من غرابة وقتامة كل تلك التطورات السياسية، لم يكن من المنطقي أبدا أن ننظر إلى أحداث سنة 2016، ونستنتج أنه بداية من ذلك التاريخ سيكتسح الشعبويون كل الانتخابات التي سيدخلونها، أو سينجحون في تدمير الأنظمة السياسية التقليدية ما إن يصلوا إلى السلطة. فضلا عن ذلك، لم يكن من المنطقي قياس تطور الشعبويين بمعيار ثنائي، يعتبر أن كل منافسة لا يحقق فيها الشعبويون انتصارا مثيرا، يعني أنهم بصدد التراجع بشكل سريع.

بغية تبين حقيقة ما إذا كانت الشعبوية بصدد التمدد أو الانحسار بشكل واضح، يجب علينا أن نقارن قوتها الحالية بأدائها في السنوات الماضية.  بناء على ذلك، قمنا بتشكيل مجموعة من البيانات والمعلومات الشاملة حول الأداء الانتخابي للأحزاب والحركات الشعبوية في أوروبا منذ سنة 2000.  في الواقع، من أجل دراسة هذه الظاهرة، لم نتطرق إلى الشعبوية على اعتبارها أيديولوجيا عميقة، بل منطقا للتنظيم السياسي، يفرق بشكل حاد بين الأنصار، الذين يتم تصويرهم على أنهم الشعب الشرعي والحقيقي، والخصوم، الذين يوصفون بأنهم أعداء الشعب غير الشرعيين.

بعبارة أخرى، ينتمي من ينطبق عليهم وصف شعبويون، لحركات تقدم نفسها على أنها الممثل الوحيد والحقيقي لإرادة الشعب المتحد، ضد النخب المحلية، والمهاجرين الأجانب، والأقليات العرقية والدينية والجنسية. وتنبثق عن هذه الرؤية صورة واضحة جدا، ألا وهي أن الحركات الشعبوية ظلت تحصد المزيد من الأصوات بشكل تدريجي، حتى قبل سنة 2016، التي مثلت سنة الصدمة. فضلا عن ذلك، واصلت هذه الحركات في كسب الأصوات منذ تلك الفترة. وقد ارتفع معدل نصيب الأحزاب الشعبوية في الانتخابات في الدول الأوروبية، من 9.6 بالمائة خلال سنة 2000، و17.2 بالمائة خلال سنة 2008، ليصل إلى 24.6 بالمائة في الوقت الراهن.

لفهم التقدم السريع للأحزاب الشعبوية، لا بد من ترجمة تطورها من خلال خريطة قائمة على التسلسل الزمني. ومن النظرة الأولى، يمكن فهم القصة الكاملة، فقد اجتاحت موجة زرقاء بشكل بطيء القارة العجوز. ومن خلال إلقاء نظرة أكثر  عمقا على هذه البيانات، تظهر ثلاثة خصائص مهمة، لم يقع حتى الآن ايلاؤها الاهتمام الكافي، حول صعود الشعبوية. أولا، بات الأسلوب الشعبوي الآن أسلوب الحكم الطاغي، في جزء واسع، ومهم وذو كثافة سكانية عالية، في منطقة أوروبا الوسطى. كما أصبح من الممكن الآن السفر انطلاقا من بحر البلطيق وعبر كامل الطريق نحو بحر إيجا، دون أن تتخلف عن عبور بلد واحد يحكمه الشعبويون.

بات تأثير الشعبويين في نمو متسارع، حتى في البلدان التي لم يصلوا فيها إلى السلطة

تعتبر دلالات هذا الأمر كبيرة جدا، حيث أثبتت الشعبوية إلى جانب كونها لا يستهان بها، وكونها قوة متمردة، أيضا قدرتها على الوصول إلى السلطة في عدد كبير من البلدان. ونتيجة لذلك، تلاشت كل الآمال بإرساء كتلة أوروبية تمتد من مدينة ستيتين في بحر البلطيق نحو مدينة تريستي في الأدرياتيكي، وتتضمن كل عواصم الدول القديمة في وسط وشرق أوروبا التي أثنى عليها ونستون تشرشل في خطابه حول الستار الحديدي. فبالكاد مرت ثلاثة عقود منذ تحرير هذه الأجزاء الأوروبية من السيطرة السوفييتية، والآن باتت الديمقراطية تواجه خطرا وجوديا قد يقضي عليها تماما في بودابست وبراغ، وفي بلغراد ووارسو.

ثانيا، إلى حد الآن لم يتسلم الشعبويون المنتمون لليمين المتطرف قيادة إحدى الحكومات في دولة واحدة في أوروبا الغربية. وقد يكون من السهل استنتاج أن تأثير هذه الحركات ما يزال محدودا في أغلب أجزاء القارة. ولكن هذا أيضا قد يكون استنتاجا خاطئا، حيث تشير الخريطة إلى أن شعبويي اليمين المتطرف يمثلون الآن جزءا من التحالفات الحاكمة في عدة دول، مثل اليونان، والنمسا والنرويج.

علاوة على ذلك، بات تأثير الشعبويين في نمو متسارع، حتى في البلدان التي لم يصلوا فيها إلى السلطة. فقد اضطرت الأحزاب المعتدلة والتقليدية في دول مثل فرنسا والنمسا، مؤخرا للتحرك نحو اليمين، للتأقلم مع المنافسة الشديدة التي تمثلها الأحزاب المتطرفة. وفي الواقع، عندما واجه أعضاء حزب الجمهوريين الفرنسي حتمية الاختيار، بين المحافظين التقليديين على غرار فلورانس بورتيلي ومايل دو كالان، أو التوجه نحو المرشحين المتطرفين على غرار لوران فوكييز، اختاروا الرجل الذي يبرع في إلقاء خطابات ونظريات تدعي أن سيل المهاجرين يهدد بأخذ مكان العرق الأبيض.

على المنوال نفسه، جنح حزب الشعب النمساوي المحافظ، بسرعة نحو التطرف في ظل القيادة الجديدة للسياسي سيباستيان كورتس. وبالتالي، من غير المفاجئ أن الحكومة الجديدة التي يقودها كورتس، والتي يبرز فيها حضور ثقيل لحزب الحرية الشعبوي، أعلنت سريعا عن مخططات لمصادرة كل الأموال التي تكون بحوزة طالبي اللجوء الوافدين على البلاد، والتخلص من كل الأصوات اليسارية داخل الإعلام العمومي في البلاد.

تأتي التحولات السياسية التي نشهدها الآن، في إطار توجهات طويلة المدى، والتفسير الوحيد المنطقي لهذا الأمر، يجب أن يرتكز على كون هذه التحولات تعد نتاج عوامل هيكلية ظلت قائمة لوقت طويل

أخيرا، يعد من الخطأ أيضا التركيز بشكل حصري على شعبوية اليمين المتطرف. فمثلما تكوّن حزام شعبوي، يتكون في معظمه من الأحزاب اليمينية، وخيّم على العديد من الأجزاء من أوروبا الوسطى، يوجد أيضا حزام شعبوي آخر، يتكون في معظمه من أحزاب يسارية، قد يسيطر في يوم من الأيام على أغلب جنوب أوروبا.

في الواقع، اكتسبت العديد من هذه الحركات زخما وقوة في الدول التي تعاني من المديونية، نتيجة لأزمة الاتحاد الأوروبي، فضلا عن مرور عقد كامل من الركود الاقتصادي. من جانب آخر، وبينما يصب معظم غضب هؤلاء الشعبويين باتجاه السياسات التقشفية، التي ألحقت في الواقع ضررا كبيرا بالمواطنين، تبدو غالبية هذه الأحزاب أكثر إقبالا على الدعوات المعادية للأجانب، في حين قد تكون قد شرعت فعليا في تقويض استقلالية الإعلام. وتظهر البيانات التي استعرضناها أمرا رئيسيا، ألا وهو أن صعود الشعبوية بدأ قبل سنة 2016، وحتى قبل سنة 2008 أيضا.

في حقيقة الأمر، تأتي التحولات السياسية التي نشهدها الآن، في إطار توجهات طويلة المدى، والتفسير الوحيد المنطقي لهذا الأمر، يجب أن يرتكز على كون هذه التحولات تعد نتاج عوامل هيكلية ظلت قائمة لوقت طويل. وبينما يحتدم النقاش حول ماهية هذه العوامل بشكل دقيق، من المؤكد أنها تتضمن غياب الأمن الاقتصادي، والتململ من ظاهرة الهجرة والتنوع الاجتماعي، إضافة إلى السهولة والسلاسة التي تتمكن بها الأصوات المتطرفة من مخاطبة الأفراد في عصر وسائل التواصل الاجتماعي.

لا يمكن إنكار حقيقة أن وقائع الماضي لا تنطبق بالضرورة على المستقبل، ولا يمكن الاعتماد عليها للتنبؤ به. ربما تكون هذه العوامل الهيكلية على وشك التلاشي، لتفسح الطريق أمام الأحزاب المعتدلة لاستعادة زمام المبادرة في السنوات المقبلة. ولكن الاعتقاد بأن الموجة الشعبوية وصلت إلى القمة وبدأت بالانحسار، لمجرد أن حزب البديل من أجل ألمانيا أو حزب ماري لوبان الفرنسية فشلا في الوصول إلى السلطة، يعد استنتاجا واهيا. ففي الغالب، وما لم ينجح السياسيون في تحديد ومجابهة العوامل الهيكلية المغذية للشعبوية، فلن تختفي هذه الظاهرة على الأرجح من تلقاء نفسها.

بالنسبة لسنة 2018، ينبغي علينا ألا نتوقع أي مفاجآت أخرى غير سارة، على غرار نجاح دونالد ترامب وتصويت البريكسيت. خلافا لذلك، تحيل استطلاعات الرأي إلى أن الشعبويين سيواصلون حصد المزيد من التأييد الشعبي، في البلدان المقبلة على انتخابات، ومن بينها إيطاليا، وبلجيكا وإستونيا. عموما، لم تشرع الموجة الشعبوية في التقهقر بعد، وفي الوقت ذاته ليست على وشك تحقيق السيطرة المطلقة. ولكن إذا لم نتحرك بشكل فوري وسريع، ستواصل هذه الموجة تعزيز قوتها في السنوات المقبلة.

المصدر: فورين بوليسي