ترجمة وتحرير: نون بوست

تشهد ألمانيا اليوم مرور 100 يوم دون حكومة. فعلى ما يبدو أن هذا البلد، المعروف "بمرساة استقرار" الاتحاد الأوروبي، لم يكن موفقا البتة منذ انتخابات 24 من أيلول/سبتمبر الماضي. ومن الجلي أيضا أن الزعيمة والمستشارة أنجيلا ميركل، التي لا تقبل المنافسة، قد فقدت السيطرة بشكل واضح على السياسة الوطنية للبلاد. من جهتها، ظلت أوروبا في وضعية الترقب، في ظل الإجراءات العاجلة والضرورية التي اتخذت على عدة جبهات، انطلاقا من إصلاح منطقة اليورو، وصولا إلى أزمة اللاجئين، مرورا بالبريكسيت والعلاقات المعقدة مع قادة بعض الدول، على غرار ترامب وبوتين وأردوغان. وفي أفضل الحالات، سيتعين على برلين الانتظار إلى غاية شهر آذار/مارس المقبل.

أدت انتخابات أيلول/سبتمبر إلى تشكيل مجلس النواب الاتحادي الألماني الأكثر انقساما منذ سبعة عقود. وتجدر الإشارة إلى أن القوات التقليدية الكبرى في ألمانيا، التي تشمل كل من المحافظين والديمقراطيين الاجتماعيين، قد حصدت أسوأ نتائج لها منذ سنة 1949، في حين اقتحم اليمين المتطرف البرلمان على اعتباره قوة ثالثة. في المقابل، أصبحت خيارات ميركل لتشكيل سلطة تنفيذية مستقرة محدودة بشكل كبير، حيث شهدت المحاولة الأولى، التي تضم ثلاثية لم يسبق لها مثيل من أحزاب المحافظين والليبراليين والخضر، فشلا ذريعا بعد مرور شهرين من الانتخابات وخمسة أسابيع من المفاوضات.

في الوقت الراهن، وبحلول السنة الجديدة، من المتوقع أن يقوم المحافظون بمحاولة ثانية لتشكيل حكومة، أي ائتلاف كبير شبيه بائتلاف الهيئة التشريعية الأخيرة. من جهته، أعلن الحزب الديمقراطي الاجتماعي عن رفضه المبدئي للمسألة، كما أعرب عن استعداده للدخول في محادثات مع المحافظين، لكن قيادته الداخلية الهامة لا تزال تشك في إمكانية إعادة تشكيل مثل هذا الائتلاف، الذي من شأنه أن يعود بالضرر على الحزب على المستوى الانتخابي.

يرزح الحزب الاجتماعي الديمقراطي تحت طائلة الكثير من الضغوط، حيث تسعى بعض الأطراف إلى حثه على التنازل من أجل تكوين الحكومة، وذلك انطلاقا من رئيس البلاد، الديمقراطي الاجتماعي، فرانك فالتر شتاينماير الذي طالب الحزب بتحمل المسؤولية

في الأثناء، لا يمكن الجزم بأن المفاوضات ستؤتي ثمارها، أو أن نتوقع في هذا الوقت، خلق صيغة تمكن من التوصل إلى توافق نهائي في الآراء من أجل إقامة حكومة في برلين. عموما، قبل الحزب الديمقراطي الاجتماعي بالدخول في "محادثات بناءة" وتبني "آفاق واسعة"، لا غير. ومن المرجح أن يتم التوصل إلى اتفاق وسط يوائم بين رغبة المحافظين في تشكيل ائتلاف كبير من من جهة، وبين إمكانية إنشاء حكومة أقلية بزعامة ميركل من جهة أخرى، وهو الخيار الذي اقترحه منذ البداية الحزب الديمقراطي الاجتماعي. وتبقى العديد من الاحتمالات واردة على الصعيد الاتحادي.

في المقابل، من الممكن أن تتوقف المحادثات ويتم التوجه نحو إجراء انتخابات جديدة بعد التصويت المهين في البوندستاغ، الذي لم تتمكن المستشارة الألمانية من اجتيازه بنجاح. وعلى ما يبدو أن الانقسامات ما فتئت تتزايد شيئا فشيئا في صفوف حزب ميركل.

ضغوطات سياسية واقتصادية

يرزح الحزب الاجتماعي الديمقراطي تحت طائلة الكثير من الضغوط، حيث تسعى بعض الأطراف إلى حثه على التنازل من أجل تكوين الحكومة، وذلك انطلاقا من رئيس البلاد، الديمقراطي الاجتماعي، فرانك فالتر شتاينماير الذي طالب الحزب بتحمل المسؤولية. بالإضافة إلى ذلك، بادرت العديد من الوجوه الرئيسية السابقة الأخرى في الحزب بمطالبة شولتز بإنشاء ائتلاف كبير.

من بين هؤلاء الشخصيات، المستشار السابق غيرهارد شرودر، الذي دعا مؤخرا، في مقابلة له على إذاعة "دويتشه فيله"، إلى إنهاء هذه "المسرحية" وإنهاء الائتلاف مع المحافظين في أقصى سرعة ممكنة. من جهته، بدا زيغمار غابرييل، نائب المستشارة الألمانية الحالية ووزير الخارجية، وسلف شولتز على رأس الحزب الديمقراطي الاجتماعي، متشككا جدا إزاء مسألة الحكم بالأقلية. في الوقت ذاته، بادرت القطاعات الاقتصادية بممارسة جملة من الضغوط في هذا الصدد. فقد حث رئيس اتحاد التجارة بالجملة والتجارة الخارجية والخدمات هولغر بينغمان مؤخرا جميع الأطراف إلى التوصل إلى اتفاق لمواجهة "التحديات التي تواجه ألمانيا وأوروبا"، محذرا من مخاطر الركود. والأمر سيان بالنسبة إلى الاقتصاديين الذين لهم مواقف قريبة من الموقف الديمقراطي الاجتماعي، الذين يدعون إلى انشاء ائتلاف كبير.

اجتمعت كل من ميركل ومارتن شولتز في مناسبتين تقريبا منذ الانتخابات

وفقا للاقتصادي الألماني بيتر بوفينجر، تعد صيغة الحكم هذه مثالية حيث من شأنها أن تسمح بالمضي قدما فيما يتعلق بمسألة الاندماج الأوروبي، نظر لأن الحزب الديمقراطي الاجتماعي يعد من أكثر المؤيدين لأوروبا مقارنة بالمحافظين. ومن جانبه، وصف الخبير في مجال الاقتصاد، مارسيل فراتسشر حكومة الأقلية على أنها "أسوأ خيار يمكن تخيله". وفي السياق ذاته، يعتقد غوستاف هورن، المقرب من الأيديولوجية النقابية، أن "المراهنة على انتخابات جديدة ليست إستراتيجية منطقية". وبالتالي، على ضوء حالة انعدام الاستقرار الحالية، لا يمكن للانتخابات الجديدة أن تتلاءم مع أي تشكيلة من التشكيلات الرئيسية.


 مارتن شولتز خلال ظهوره في مقر الحزب الديمقراطي الاجتماعي في برلين

مسار متعرج ودون أي ضمانات

اجتمعت كل من ميركل ومارتن شولتز في مناسبتين تقريبا منذ الانتخابات. وقد كانت الأولى تهدف إلى عقد محادثات فيما بينهما بعد المحاولة الأولى لتشكيل الحكومة فضلا عن التخلص من الخلافات السابقة. أما الثانية، فتعود إلى 20 من كانون الثاني/ديسمبر، وكانت بهدف تحديد جدول اللقاءات بين الطرفين. في الأثناء، عقد الحزب الاجتماعي الديمقراطي مؤتمرا، منح الضوء الأخضر بالأغلبية لصالح رئيسه لاستكشاف هذا الطريق، الذي يقتضي الدخول في محادثات مع ميركل. بالإضافة إلى ذلك، أعلنت المجلة الألمانية الأسبوعية، "دير شبيغل" أنه من المنتظر أن يكون هناك اجتماع غير رسمي آخر بين القادة، وذلك في 3 من يناير/كانون الثاني.

هذه السنة ستمثل الوقت المناسب للانطلاق في العمل على تعزيز منطقة اليورو وسياسة الأمن المشتركة، إلى جانب اتحاد الطاقة

عقب ذلك، ستبدأ المرحلة الأولى من المباحثات، حيث سيتم اكتشاف أوجه التشابه ونقاط التفاهم، كما سيتم دراسة الصيغة الأنسب لإنشاء الحكومة. ومن المتوقع أن يتم إجراء هذه المحادثات في الفترة الممتدة بين 7 و11 من كانون الثاني/يناير. وبطبيعة الحال، يتعين على قادة الأطراف المعنية، بما في ذلك الاتحاد الديمقراطي المسيحي الذي ترأسه ميركل، ومحافظي حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي بولاية بافاريا، جنبا إلى جنب مع الحزب الديمقراطي الاجتماعي، اتخاذ القرار ما إذا كان هناك أساس واضح للمضي قدما في المداولات.

كلما طالت فترة تشكيل الحكومة في برلين، سيكون للاتحاد الأوروبي وقتا أقل لدراسة جميع مقترحات الإصلاح الموجودة على الطاولة الآن، قبل أن تتوقف جميع التحركات بحلول الانتخابات الأوروبية في منتصف سنة 2019

من المرجح أن تبلغ هذه المداولات ذروتها في 21 من كانون الثاني/يناير، تزامنا مع المؤتمر الاستثنائي للديمقراطيين الاجتماعيين، حيث يجب على ممثلي الحزب أن يوافقوا على الاتفاق المتفاوض عليه مع المحافظين وأن يمنحوا تفويضا مطلقا لمواصلة التفاوض. عقب ذلك، ستنطلق المرحلة الثانية من المحادثات، التي ستكون صعبة وشاملة.

وفقا لنموذج التعاون المتفق عليه، يتعين في إطار هذه المرحلة وضع سياسات محددة وتوزيع المهام، ومن المتوقّع أن يستغرق ذلك عدة أسابيع أخرى. وكحد أقصى، يتوقع الخبراء أن يتم إصدار النتائج النهائية في شهر آذار/مارس. وبالتالي، يتوجب على الحزب الديمقراطي الاجتماعي عرض الاقتراح النهائي وإجراء استفتاء داخلي بين أعضائه. عموما، يعد هذا التصويت بمثابة ورقة مساومة واضحة للديمقراطيين الاجتماعيين، لكنه يمثل في الآن نفسه يحيل إلى حالة من عدم اليقين.

كلما طالت فترة تشكيل الحكومة في برلين، سيكون للاتحاد الأوروبي وقتا أقل لدراسة جميع مقترحات الإصلاح الموجودة على الطاولة الآن، قبل أن تتوقف جميع التحركات بحلول الانتخابات الأوروبية في منتصف سنة 2019. كانت هذه السنة الوقت المناسب للعمل على تعزيز منطقة اليورو، وسياسة الأمن والدفاع المشتركة، فضلا عن اتحاد الطاقة. في المقابل، تحذر بروكسيل، من أنه لا يمكن أن يتم اتخاذ أي قرار جدي طالما أن برلين تشهد جملة من الاضطرابات.

المصدر: الكونفدنسيال