لا صوت أعلى من مدنية هذا واستقلالية ذاك، حتى أصبح الحديث في القضيتين ينافس الموضة النسائية أو الرجالية في آخر صيحاتها، وكأن التجربة الحزبية العراقية في مرحلة نضوج تجاوزت الدول الضاربة في الديمقراطية، وكأن الوضع المستقر يلقي بظلاله على العمل السياسي، حتى أصبحنا نستيقظ على حزب مستقل ونغفى على مدني، وننام بين كنفهما.

هنا مدنية أحدهم تساوي الاسم لا تجاوزه، لأن إشكالية المسمى معقدة، ويمكن أن تكون أساس العمل بعد ذلك على غرار من عثر على زر قميص فقام بتفصيل بدلة عليه، ونسي أو تناسى أن تغيير الجلد شكلي، ومن الممكن أن ينخدع به مئة ألف أو يزيدون.

وآخرهم صدع رأسنا باستقلاليته النابعة من مبادئه التي تشربها في بيئة تلفظ المستقل، بل وتجعله نكرة وتتندر عليه، وتجربة المستقل عن حزب البعث لا تزال شاخصة، حيث كان المنبوذ والطريد والمتهم والخائن والسلبي والمتآمر وأضف ما شئت من صفات.

شتان بين المعنى اللغوي والاصطلاحي والواقع المعاش الذي يجعلك تضرب الأخماس بالأسداس، لمخالفة النص كل القيم والمبادئ التي ستكون إبرة مخدرة لا أكثر

تجربة أحزاب لم تحقق تطلعات جماهيرها، ألقت بظلالها على المشهد العراقي، فكان ثمة تغيير وتبديل ينسجم والجو العام الذي يعيش التطور ويكره الجمود والخمول.

التغيير المنشود هنا في مشهدنا الانتخابي ونحن على أبوابه، ما زال يتعامل مع القشور وبينه وبين اللب بون شاسع، إذ الشخصيات حزبية في انتخابات 2014 ومستقلة في 2018 وهي ذاتها، والإسلامي بشقيه الشيعي والسني أصبح مدنيًا بامتياز وحدث في نظرته للمجتمع، فغير من تسريحته وهندامه، وأصبح يصافح النساء، وينكت كثيرًا، حتى تحت الحزام، بإرادته العقلية الكاملة.

لو أخذنا مفهوم المدنية كما وردت في قواميس اللغة وهو ما استدعيته هنا لأصبحنا في خير كثير، إذ هي الجانب المادي من الحضارة كالعمران ووسائل الاتصال والترفيه، يقابلها الجانب الفكري والروحي والخلقي من الحضارة.

وشتان بين المعنى اللغوي والاصطلاحي والواقع المعاش الذي يجعلك تضرب الأخماس بالأسداس، لمخالفة النص كل القيم والمبادئ التي ستكون إبرة مخدرة لا أكثر، وإلا فمرحبًا بالمدنية وأهلها إن كانوا واقعيين، لا مثاليين أو حالمين، أو يغردون خارج السرب كما يقال.

الحزبية ليست عيبًا يعير به المنتمي، كما أن الاستقلالية ليست درعًا واقيًا وصك غفران في الدنيا والآخرة

أما الاستقلالية فهي حق فرد أو جهاز أو جماعة في تنظيم شؤونها الداخلية بحرية مطلقة دون التأثُّر بعامل خارجي، وهذا حلم كبير ومجانبة للواقع، لأنها كذبة كبيرة، فمن أين يمول الحزب شبابه؟ وأين الحزب المستقل الغني الذي يملكه تجار؟ وما حاجتهم له؟ وكم من حزب مستقل في مجتمعنا العراقي كان أنموذجا به يحتذى ويقتدى؟

أخلص فأقول: الحزبية ليست عيبًا يعير به المنتمي، كما أن الاستقلالية ليست درعًا واقيًا، وصك غفران في الدنيا والآخرة، أما المدنية فلا أكثر من مراهقة سياسية انتخابية توضع على الرف بعد أن تضع الانتخابات أوزارها سلمًا وحربًا. وحي الله المدنيين والمستقلين.