في استفتاء نيسان بدا أن هناك شرخًا في أصوات الحركة القومية التي فضل رئيسها وعدد من كتلته الانتخابية دعم التعديلات الدستورية، بينما رفض ذلك عدد من كوادر الحزب، وقسم آخر من أنصار الحزب الذين ذهب بعضهم إلى حزب الخير المعارض، ولكن مع هذا قد يكون جزء من القوميين قد وقفوا ضد النظام الرئاسي ورأوا أن النظام البرلماني أفضل من وجهة نظرهم، ولهذا صوت ضد التعديلات الدستورية في 16 من أبريل/نيسان 2017.

ولكن بما أن الأمر قد حسم لصالح التحول إلى النظام الرئاسي، فليس شرطًا أن يكون كل الذين صوتوا ضد التعديلات الدستورية سيصوتون لمرشح ضد الرئيس أردوغان لاحقًا، فحتى كثير من المعارضين له يرون فيه الزعيم "القومي" والأكثر قدرة على قيادة الدفة التركية والأكفأ بين الشخصيات المنافسة الأخرى التي تعد شحيحة في هذا التوقيت، وهم بطبيعة الحال لم يخفوا إعجابهم بمواقفه في تحدي إدارة ترامب في قضية نقل السفارة إلى القدس.

في العام الماضي كتبت هنا مقالاً بعنوان "مرحلة جديدة من التنافس على أصوات القوميين في تركيا"، وذكرت عددًا من الشواهد عن هذا، وفي الحقيقة كان المسار بعد أن نجح التحالف بين حزب العدالة والتنمية والحركة القومية خلال الاستفتاء ولو بصعوبة متجهًا نحو تمتين التحالف في الانتخابات الرئاسية، إذ إن الثمرة الحقيقية لتحالف الاستفتاء هي في الانتخابات القادمة سواء كانت في 2018 أو 2019.

ومع عمل المعارضة على توحيد جبهتها كان لزامًا على الحزب الحاكم والحركة القومية أن يكونا قلب الجبهة الثانية، فبينما يتقابل حزب الشعب الجمهوري وحزب السعادة وتدور أحاديث في الكواليس عن إمكانية ترشح عبد الله غول، أكد رئيس الحركة القومية التحالف المقابل وأنه لن يرشح مرشحًا من داخل الحزب للانتخابات الرئيسية، بل أكد دعمه للرئيس أردوغان، ليلي ذلك تأسيس لجنة مشتركة مع حزب العدالة لتشكيل ما أطلق عليه "التوافق القومي الكبير".

قد نشهد تحالفًا غير مسبوق في البداية بالانتخابات البلدية في المناطق التي كان يفوز فيها حزب الشعب الجمهوري بسبب ترشيح العدالة والتنمية والحركة القومية لمرشحين مختلفين

تراجع حزب الحركة القومية في العمليات الانتخابية من 16% إلى 12% وإلى أقل من ذلك بالتأكيد في استفتاء نيسان، وفيما يصعب جدًا تحديد النسبة التي وصل إليها النقص في الاستفتاء، لكن يقدرها البعض من 5-7%، ومع ذلك يؤدي حزب الحركة القومية دورًا لا يستهان به في تحديد مستقبل تركيا خاصة أن حزب العدالة والتنمية مر بمراحل لم يستطع فيها تشكيل الحكومة بمفرده.

ويدرك زعيم الحركة القومية دولت بهتشلي أهمية هذا الدور، ولهذا اختار أن يقف مع أردوغان الزعيم القوي الذي لم يخسر في انتخابات سابقة، ولهذا يعتبر بهتشلي هو الآخر نفسه على الجانب الصحيح من التاريخ أو على الأقل يخوض في رهان ناجح، ولهذا فإن الأصوات القومية التي كان يبحث عنها وفقد جزءًا منها قد تعود نسبة كبيرة منها من خلال تصرفاته الموزونة مؤخرًا ومن خلال النتائج المتواضعة التي يبدو أن حزب ميرال أكشينار أو ما يعرف بحزب الخير قد جناها.

فالحزب الجديد أضعف مما صور به، كما أن بقية الأحزاب الأخرى القديمة واقعها أكثر سوءًا سواء حزب الشعب الجمهوري الذي كثرت الشجارات في اجتماعاته الداخلية أو حزب الشعوب الديمقراطي الذي تراجع إلى أسوأ مستوياته.

لقد استمعت لخطاب لبهتشلي قبل أيام، بدأ حديثه بالعبارة التالية "نحن كحزب رابع في البرلمان..." ثم أتم حديثه، ولكن من هذه العبارة يرسل بهتشلي رسالة إلى أتباع حركته أنه سينقلهم من حزب رابع في البرلمان إلى شريك في الحكم في مرحلة مفصلية من تاريخ الجمهورية التركية في حال فاز تحالفهم مع أردوغان في الانتخابات القادمة.

ويستعد حزب الحركة القومية لحملة قوية على 81 مدينة تركية وبالتأكيد سوف يلقى الدعم من حزب العدالة والتنمية، وقد نشهد تحالفًا غير مسبوق في البداية بالانتخابات البلدية في المناطق التي كان يفوز فيها حزب الشعب الجمهوري بسبب ترشيح العدالة والتنمية والحركة القومية لمرشحين مختلفين، وفي حال توافقهم على مرشحين توافقيين فستكون فرصهم في النجاح أكبر.

كان حزب العدالة والتنمية يحافظ على أصوات من كتلة القوميين الأكراد وهو الآن بتحالفه المباشر مع القوميين الأتراك قد يدخل في مجازفة، إلا أن تجربة حزب العدالة تفيد بأن الحزب لن يعمل على خسارة أي صوت قد يفيد

لقد نجح أردوغان في الفوز بدعم الجهة الرسمية التي تمثل القوميين الأتراك، كما أن هذه الجهة في حالة تعافي بعد تعرضها لهزات، وربما تتعافى أكثر مع المزيد من الدعم من حزب العدالة والتنمية وهو ما يعتبر عامل قوة في الانتخابات القادمة عندما تجمع الحركة القومية حولها أكبر قدر من الأصوات القومية.

إن كلا الطرفين سواء العدالة والتنمية أم الحركة القومية يرون في التحالف بينهما مكسبًا للطرفين، فالحركة القومية يحافظ على وجوده ويستعيد قوته ويتقدم إلى الحكم بدعم العدالة والتنمية، والعدالة والتنمية يحافظ على مسار نجاحاته ويؤمن صعوده بمؤازرة الأصوات القومية.

ولكن من جهة أخرى كان حزب العدالة والتنمية يحافظ على أصوات من كتلة القوميين الأكراد وهو الآن بتحالفه المباشر مع القوميين الأتراك قد يدخل في مجازفة، إلا أن تجربة حزب العدالة تفيد بأن الحزب لن يعمل على خسارة أي صوت قد يفيده، ولهذا سيكون هناك محاولات لكسب الأصوات هناك خاصة أن بعض الباحثين أشاروا إلى أن أصوات الأكراد كان لها دور مهم في نجاح التعديلات الدستورية في استفتاء نيسان.

ولعلنا نناقش موضوع انعكاس التحالف بين حزب العدالة والحركة القومية على أصوات الأكراد في العمليات الانتخابية البرلمانية والرئاسية في مقال قادم.