عندما تكون منهمكا في إحدى الألعاب الإلكترونية على جهازك اللوحي مبديًا إعجابك بروعة تصميم اللعبة والشخصيات فيها وتفاعلها مع محيطها، لم تفكر يومًا بأن هذه اللعبة مجرد محاكاة صيغت برموز وكودات طويلة ومعقدة وبأن أي شخص قادر على صنع عالم مماثل باستخدام جهازه الخاص، بل ويمكنه أيضًا تحديد شكل هذا العالم وظروفه وربما أحاسيس الشخصيات التي تلعب فيه.

مع ظهور الواقع الافتراضي أصبحنا ندرك قدرتنا على محاكاة الواقع، أدركنا أننا في المستقبل قد نتمكن من محاكاة الأكوان بأكملها ولكن إذا كان هذا خيارا مطروحا، كيف يمكننا أن نعرف أنه لم يحدث بالفعل معنا؟

ماذا لو.. أننا مجرد دمى في مسرح واسع تتحكم بنا قوة نجهلها..هل من الممكن أن نكون وهميون، من دون حتى إدراكنا ذلك؟

هل يعقل أن فهمنا البشري الحالي للفيزياء هو مجرد هراء ومسرحية تم إقناعنا بها من طرف صانع لهذا العالم المحاكى؟ قد يبدو هذا السؤال مربكًا، لكن: هل نعيش الآن في محاكاة؟

نحن البشر غير قادرون على فهم الطبيعة الحقيقية للكون، حواسنا وأدمغتنا لا يمكنها معالجة إلا جزء صغير جدًا من هذا العالم لذلك نستخدم المفاهيم والأدوات، لمعرفة المزيد عن الطبيعة الحقيقية للواقع.

تخيل معي أننا قمنا بتغطية عيون مولود جديد في يومه الأول في عالمنا، بنظارات واقع افتراضي وأقنعناه مع مرور الأيام والسنوات بأن هذه النظارات جزء لا يتجزأ من جسمه وإن نزعها قد ينهي حياته كإقدام شخص ما على الانتحار في عالمنا الحالي عبر قطع أوردة يده بأداة حادة أو طعن نفسه مثلاً!

في الحقيقة لسنا بحاجة إلى خلايا وتفاصيل صغيرة حتى نحاكي عاملنا الحالي.. بل أن ما تعلمناه عنه من علوم وقواعد فزياء قد تكون كلها غير حقيقة!

داخل هذه النظارة سيكون هناك عالم آخر تم تصميمه بغرض خداع الطفل بعالم مختلف تماما عن عالمنا الحالي (الذي قد يكون هو بدوره ايضا محاكاة).

كيف تستطيع إقناع هذا الطفل بأن ما يعيشه مجرد سراب تم تصميمه حتى يكون هو جزء منه؟ شكك بعض من العلماء في فرضية أننا نعيش في عالم محاكى بحجة أن حجم الكون وكل تفاصيله من  كواكب وخلايا وبكتيريا وجزئيات صعب المحاكاة.

في الحقيقة لسنا بحاجة إلى خلايا وتفاصيل صغيرة حتى نحاكي عاملنا الحالي.. بل أن ما تعلمناه عنه من علوم وقواعد فزياء قد تكون كلها غير حقيقة.. ربما تكون الخلايا التي تراها في المجهر مثلا تشكلت على الفور في اللحظة التي استعملت فيها المجهر لتراها.قد يشعر جسمك وكأنه مليء بأعضاء بشرية من دم اعضاء وأنفاس تدخل وتخرج، ولكنه قد يكون فارغا، حتى يقرر الطبيب الجراح فتحه. المقصود هنا أن الحد الأدنى لمتطلبات المحاكاة لدينا، هو فقط الوعي البشري الظاهري لدينا, من دون الحاجة لان تكون  الاشياء حقيقية بالتفاصيل العلمية والفيزيائية التي نعرفها.

تكون الشخصيات داخل الألعاب الرقمية مقيدة بمجموعة من القواعد والقوانين التي يضعها المصمم، مثلا لا يمكن للشخصية أن تمر عبر الحائط مع أن الحائط ليس حقيقيا فهو عبارة عن مجموعة كودات ورموز ترفض مرور أي جسم صلب عبرها.

لنعد الان الى عالمنا: لدينا مجموعة من الذرات التي تشكل معا مجسما ندعوه حائطا لقد تمت برمجة هذا الحائط ذريا لكي يتخذ شكلا محددا فيتشكل جسم يبدو لنا على أنه حائط. نحن لا نرى القطع المجهرية التي تبنيه، تماما كما لا نرى البرمجة. فقط داخل اللعبة نتوقع من الجدار أن يتصرف بطريقة بناء على طريقة تصميم عالمنا.

ربما قراءتك لهذا المقال محاكاة أيضا .. صانع هذه المحاكاة جعلك تصل لهذا المقال بشكل بدا لك على أنه صدفة ..وجعل كاتبه يكتب هذا المقال حتى يقنعك بشيء ما أو يخلق عندك أحاسيس معينة تجاه العالم.

تكمن الصعوبة في حسم الاجابة على سؤال فيما اذا كان العالم الذي نحياه هو الحياة الحقيقية أم محاكاة, هو ما قاله بروفيسور جامعة نيويورك ديفيد شالميرز أن "أي دليل نحصل عليه قد يكون محاكى"

تخيل الآن وأثناء قراءتك لمقالي أن أظهر أمامك وأسلم عليك، عقلك الآن يرفض الفكرة ويعتبرها مستحيلة أو على الأقل صعبة الحدوث. لكن إن حصل هذا فعلا فسيكون غير متوقع وسيكون ظهوري أمامك قد كسر إدراكك للواقع بشكل جزئي، إنه ذلك العالم المحاكى، يعلمك كيفية توقع حصول الأشياء وكل ذلك حسب ما يريد مصممه. إن كنت تنظر أمامك في عالمنا، فان الاجسام خلفك لن تصبح حقيقية الا عندما تدير رأسك نحوه.. فكيف لك ان تعرف أن أي شيء لا تراه موجود عندما لا تنظر إليه؟

البروفسور نايك بوستروم  يتحدث عن الأسباب التي تجعله يعتقد أننا نعيش في عالم محاكى

يقول العالم نيك بوستروم في بحثه: "هل أنت داخل محاكاة حاسوبية"؟ إننا محاكون وقد تكون حضارة عظيمة أرادت أن ترى ما قام به من أتوا قبلهم فصممت محاكاة نعيش فيها نحن، تمامًا ككتاب تاريخ يتم تمثيله وليس قراءته، قد نكون عبارة عن شخصيات داخل لعبة رقمية متطورة هائلة نظن أننا نتحكم بزمام الأمور!

تكمن الصعوبة في حسم الاجابة على سؤال فيما إذا كان العالم الذي نحياه هو الحياة الحقيقية أم محاكاة، هو ما قاله بروفيسور جامعة نيويورك ديفيد شالميرز أن "أي دليل نحصل عليه قد يكون محاكى".