لاقت مساعي الأمم المتحدة لتخفيض التمويل المالي لوكالة غوث وتشغيل الفلسطينيين "الأونروا" ردود فعلٍ على نطاق واسع في أوساط اللاجئين والجهات السياسية والحقوقية المحلية والدولية، إذ تعتزم الأونروا قطع 65 مليون دولار من أصل 125 مليونًا هي مساهمتها الطوعية المخصصة لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأوسط.

وتقدم وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى "الأونروا" خدمات التعليم والصحة والإغاثة والخدمات الاجتماعية لأكثر من خمسة مليون لاجئ فلسطيني مسجل في الأردن ولبنان والجمهورية العربية السورية والضفة الغربية وغزة قطاع، وبالتالي ستهدد تلك الاقتطاعات والتقليصات الكبيرة مئات المدارس والعيادات والمستشفيات التي تديرها الأونروا والتي تشكل بدورها شريانًا يمد اللاجئين بالحياة، لا سيما وأن الغالبية الكبرى منهم يعيشون في حالةٍ من الفقر الملحوظ، إلى جانب انتشار البطالة بين أوساطهم.

وتعاني "الأونروا" أساساً من أزمة مالية كشفت عنها في ديسمبر الماضي، وتفكر حالياً في إعلان حالة التقشف في النفقات والخدمات المقدمة للاجئين الفلسطينيين. إذ تدرجت في تقليص خدماتها خلال الفترة الأخيرة شيئًا فشيئًا، إلى أن أصبحت شحيحة بشكلٍ ملحوظ وتراجع معها العديد من الخدمات المتنوعة والمتميزة، التي كانت تشكّل أساسًا للكثير من اللاجئين، وتتنوع ما بين مواد عينية تموينية وخدمات صحية وتعليمية وفرص تشغيلية على المدى القصير للحد من البطالة، ما قد يفي بحاجة اللاجئين ولو قليلًا.

وقد أنشأت الجمعية العامة للأمم المتحدة الأونروا في عام 1949 بعد نكبة عام 1948 وتهجير عدد كبير من الفلسطينيين من ديارهم، لخدمتهم وتقديم المعونات الأولية لهم والتي تشمل المعونات الغذائية والصحية والتعليمية وغيرها.

ووفق سجلات "الأونروا"، فقد وصل عدد اللاجئين الفلسطينيين المسجلين لديها في نهاية 2016 إلى نحو 5.9 ملايين، علمًا أن اللاجئين المقيمين في غزة يبلغ عددهم نحو 1.445 مليون ويشكّلون ما نسبته 24.5% من إجمالي اللاجئين ككل، و 65.3% من سكان القطاع. أما في الضفة، فالمسجلون لدى وكالة الغوث في 2016 يشكلون ما نسبته 17% من إجمالي اللاجئين، أي نحو مليون لاجئ ويشكلون نحو 26.2% من سكان الضفة. ويشكل اللاجئون الفلسطينيون في لبنان ما نسبته 10% من مجموع اللاجئين المسجلين لدى الأونروا، وحوالي 11% من مجموع سكان لبنان. أما في سوريا فيبلغ عدد اللاجئين الفلسطينيين حوالي 620 ألف فلسطيني، موزعين على نحو 9 مخيمات تعترف بها وكالة الغوث.

كانت الولايات المتحدة الأمريكية أكبر جهة مانحة في عام 2013، وتجاوز المبلغ الذي قدمته 130 مليون دولار، يليها الاتحاد الأوروبي الذي منح أكثر من 106 مليون دولار. وشكلت تلك التبرعات حوالي 45 في المئة من إجمالي الواردات التي حصلت عليه الأونروا. ولكن وبحسب المسؤولين الأمريكيين، فقد قررت حكومتهم حجب 65 مليون دولارعن الوكالة بعد أن قوبل قرار الرئيس ترامب بإعلان القدس عاصمة لإسرائيل بالرفض من قبل الفلسطينيين وبعض الدول الإقليمية والأوروبية.

المدارس والخدمات التعليمية

توفّر الأونروا خدمات التعليم لأكثر من 525 ألف تلميذًا في 700 مدرسة ابتدائية وإعدادية في كافة مخيمات اللاجئين في الدول الأربع بالإضافة إلى مدارس ثانوية في لبنان. كما تستقطب كلياتها التربوية الثلاث في الأردن والضفة الغربية أكثر من 1200 طالب يحصلون على شهادة بكالوريوس أو الدبلوم ليكونوا فيما بعد مهيّئين للعمل في مؤسسات الوكالة نفسها.

إذ تم أيضًا تخفيض الشهادة العلمية التي تقدمها كلية الطيرة في مدينة رام الله وغالبية طلابها من اللاجئين، من نظام البكالوريوس إلى شهادة دورة مهنية فقط، كما خفضت شهادة كلية قلنديا المهنية شمالي القدس من شهادة معترف بها، إلى دورة مهنية لمدة تسعة شهور.

وعلاوة على ذلك، ستتوقف الأنشطة الترفيهية التي تضطلع بها الأونروا لأكثر من 200 ألف طفل في مخيمات اللاجئين، والتي تتوزع ما بين الأنشطة اللامنهجية في المدارس أو المخيمات الصيفية والبرامج التي تنظمها الوكالة بين الفينة والأخرى.

ومع حملة التقليصات الجارية، قامت الأونروا بدون سابق إنذار بإيقاف ما يقارب المائة وستين معلمًا ومعلمة من حملة شهادةا الدبلوم عن العمل، على أن لا يتم توظيف معلمين جدد بدلًا منهم، وإنما توزيع الدروس التي كانوا مسؤولين عنها على بقية المعلمين المتواجدين، بالإضافة إلى دمج الطلاب في صفوف أقل، بحيث يصبح الحدّ الأقصى لعدد الطلاب في الشعبة الواحدة 50 طالبًا، وهو عدد كبير قياسًا بالمعدل المتعارف عليه، والذي يودي إلى تراجع المستوى التعليمي للطالب.

الرعاية الصحية للاجئين

يقوم برنامج الأونروا الصحي على المجتمع المحليّ مع التركيز على الرعاية الصحية الأولية التي يتم توفيرها من خلال مرافق عدة يبلغ عددها 127 مرفقًا موزعة على مخيمات اللاجئين. كما تقدم الرعاية الثانوية من خلال الترتيب أو التعاقد مع مستشفيات حكومية أو غير حكومية عن طريق رد جزء من تكاليف العلاج والمساهمة فيها.

ونظرًا لأنّ ما يقارب ثلثا اللاجئين من النساء والأطفال دون سن الخامسة عشر، فتولي عيادات الأونروا ومراكزها الصحية اهتمامًا بالغًا برعاية الأم والطفل، سواء عن طريق برامج العلاج أو برامج التوعية الصحية والأسرية.

تولي البرامج الصحية للأنروا أيضًا اهتمامًا بالأمراض غير المعدية مثل ارتفاع ضغط الدم وداء السكري وأمراض القلب والسرطان وما إلى ذلك، من خلال تقديم برامج واستراتيجيات نشطة تهدف لمراقبة هذه الأمراض والعمل على الوقاية منها من خلال أساليب العلاج والأدوية التي تخضع لبروتوكولات منظمة الصحة العالمية، وفي الوقت نفسه تحاول تجنيب اللاجئين التكلفة العالية في سبيل علاجها والوقاية منها والحصول على أدويتها.

أما في حال غياب الدعم أو اقتطاعه، فإن الخسائر ستؤدي إلى توقف تسعة ملايين استشارة صحية يقدمها أطباء الأونروا كل عام في المخيمات المختلفة، كما أنّ أكثر من 40 ألف لاجئ من ذوي الإعاقة سيكونون بدون دعم.

وقد أدت السياسات الجديدة في التقليص إلى الحد من خدمات التأمين الصحي الذي توفره الوكالة للاجئين، وتعقيد شروطه بحيث بات الكثير من الأمراض لا تخضع له، وإلغاء التعويض عن الدفوعات التي حدثت بالفعل دون صرف مقابل لها.

فيما قامت الوكالة بإيقاف مستشفى مدينة قلقيلية التابع لها، وهو المشفى الوحيد في الضفة الغربية الذي يتبع لها ويقدّم خدماته الصحية المتنوعة للاجئين. عوضًا عن أنّ عددًا كبيرًا من الأدوية التي كانت توفّر في عيادات الوكالة تمّ تقليص حجمها أو الحدّ من توفيرها.