تحت لافتة "الشرطة في خدمة الشعب"، بقسم شرطة أول التجمع الخامس بالقاهرة الجديدة، ظهر المستشار هشام جنينة رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات سابقًا وأحد معاوني الفريق سامي عنان الذي اُعتقل واُستبعد مؤخرًا من انتخابات الرئاسة، متأثرًا بجراحه، بعد تعرضه لمحاولة اغتيال من جانب أشخاص يحملون أسلحة بيضاء، أول أمس السبت، وهو في طريقه من منزله بمنطقة التجمع إلى المحكمة الإدارية العليا لنظر الحكم في الطعن الذي تقدم به ضد قرار عزله من وظيفته.

"إحنا جايين نموتك" 

عقب خروجه من منزله بدقائق، فوجئت زوجة المستشار جنينة السيدة وفاء قديح، باتصال منه يخبرها بأنه يتعرض لاعتداء من مجموعة بلطجية، هرعت السيدة على الفور إلى موقع الحادث، برفقة ابنتيها شروق ونهى وحارس العقار، ليجدوا 3 بلطجية يعتدون على جنينة بأسلحة حادة، مؤكدة أنهم حاولوا إخراجه من السيارة إلا أن حزام الأمان الذي كان يرتديه حال دون ذلك، خاصة مع تجمع المارة.

"سمعت البلطجية بيقولوا لوالدي إحنا جايين نموتك وهما بيعتدوا عليه"، هكذا أدلت شروق ابنة المستشار جنينة بشهادتها عن الواقعة، مشيرة إلى أنهم فوجئوا بأحد البلطجية يمزق ملابسه ويسقط على الأرض، في مشهد تمثيلي، إلى أن حضرت سيارة الشرطة واصطحبت الجميع على القسم.

في قسم شرطة التجمع، بدأ فصل آخر من فصول المأساة، حيث تم احتجاز جنينة نحو 3 ساعات، دون تحرير محضر بالحادث، كما استولى ضباط القسم على هواتف أسرة جنينة لمنعهم من تصوير الأب الذي كان ينزف دمًا كثيرًا من عينه وقدمه اليسرى المصابة جراء الاعتداء عليه.

حاولت نهى ابنة جنينة، إقناع الضباط بضرورة نقل والدها إلى أقرب مستشفى لتلقي العلاج، إلا أنهم تعنتوا بشدة بحجة أنهم ينتظرون التعليمات.

مفاجأة تنسف رواية الداخلية

الرواية الرسمية لوزارة الداخلية المصرية استبعدت أي دافع جنائي وراء الاعتداء على جنينة، وأشارت في بيانها بشأن الواقعة إلى أن الحادث لا يعدو كونه "حادث تصادم مروري تطور لمشاجرة". 

غير أن مستندات نشرتها صحف مصرية مستقلة، أثبتت أن أحد المعتدين على جنينة، ويُدعى السيد محمود شرنوخ، سبق أن اتهم الرائد فهمي بهجت، في قضية مشابهة عام 2016، بصدمه لسيارته، مما أدى لإصابته، وانتهت القضية ببراءة ضابط الشرطة بعد ثبوت عدم تعرضه لشرنوخ.

المثير في هذه القصة أن هذا البلاغ الكيدي ضد الرائد بهجت جاء على خلفية نشاطه في "ائتلاف ضباط الشرطة"، الذي بسببه سبق أن اتهمته وزارة الداخلية بتسهيل الدعارة في 2015، الأمر الذي جعل كثيرون يستنتجون أن شرنوخ، المعتدي على جنينة، متعاون بشكل ما مع أجهزة الأمن.  

ما زاد الأمر ريبة صورة تداولها رواد مواقع التواصل لشرنوخ وهو يقف ضمن مجموعة البلطجية الذين استأجرهم النظام للتضييق على مظاهرة مجموعة من المتظاهرين أمام نقابة الصحفيين اعتراضًا على التنازل عن جزيرتي "تيران وصنافير" للملكة العربية السعودية في 2016.

الطريقة التي تم الاعتداء بها على جنينة، وشهادات أسرته، وتعنت ضباط قسم التجمع في نقله للمستشفى، والسجل الإجرامي للمعتدي، كلها أشياء دفعت إلى السطح اتهام نظام عبد الفتاح السيسي بتدبير محاولة اغتياله، وهو الأمر الذي لم تستبعده عدة صحف ودوائر أجنبية ترى القمع الذي يمارسه النظام غير مسبوق، خاصة بعد إقصاء جميع مرشحي انتخابات الرئاسة بالاعتقال والتهديد والتضييق الأمني، وعلى رأسهم سامي عنان الذي اختار جنينة نائبًا له.

فلماذا يسعى إذًا النظام للتخلص من جنينة؟ وما تاريخ العداء بينه وبين السيسي؟

عضو تيار الاستقلال ومناهض لمبارك

هشام جنينة أحد رموز تيار استقلال القضاء الذي كشف تزوير نظام مبارك للانتخابات البرلمانية عام 2005، وفي 2009 وحينما كان رئيسًا لمحكمة الاستئناف، خسر انتخابات نادي القضاة، ضد المستشار أحمد الزند، لكنه وصف تلك المعركة بأنها "غير شريفة" واعتبر أن قائمته لم تكن تنافس قائمة أخرى بل كانت في منافسة مع الدولة والحكومة.

واتهم جنينة، الحكومة، آنذاك، في حوار صحفي، بالتدخل بشكل سافر في هذه الانتخابات، فضلًا عن تدخلات واضحة من مجلس القضاء الأعلى، وأكد أنه تم استخدام كل الأسلحة للتأثير على إرادة القضاة. 

رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات

في سبتمبر 2012، أصدر الرئيس محمد مرسي قرارًا بتعيين هشام جنينة رئيسًا للجهاز المركزي للمحاسبات، لمدة 4 سنوات، وهو أهم جهاز رقابي على أموال السلطة التنفيذية في مصر، فمن شأنه تحقيق الرقابة على أموال الدولة وأموال الأشخاص العامة الأخرى المنصوص عليها في القانون، ويعاون مجلس الشعب في القيام بمهامه في هذه الرقابة.

والجدير بالذكر أن المادة 20 من القانون الخاص بالجهاز المركزي للمحاسبات تؤكد عدم جواز عزل أو إعفاء رئيسه من منصبه.

السيسي يمهد لعزل جنينة

بعد عزل مرسي في 3 من يوليو 2013، ظل جنينة في منصبه، لكن يبدو أن التقارير الرقابية التي كان يصدرها الجهاز المركزي للمحاسبات ضد الفساد، في عهد جنينة، أرقت السلطة الجديدة، فأصدر عبد الفتاح السيسي، في يوليو 2015، قرارًا جمهوريًا يمنحه حق عزل رؤساء وأعضاء الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية من مناصبهم، في عدة حالات، من بينها "فقد الثقة والاعتبار والإضرار بالمصالح العليا للبلاد أو أحد الأشخاص الاعتبارية العامة".

آنذاك، أطلق مراقبون للشأن العام على هذا القرار "قرار جنينة"، في إشارة واضحة إلى أن المقصود الأول به هشام جنينة الذي أضحى صداعًا في رأس الفاسدين.

أزمة الـ600 مليار فساد

ظل الرأي العام ينتظر قرار إعفاء جنينة منذ ذلك الوقت، حتى أطلق جنينة قنبلته في ديسمبر 2015، مؤكدًا أن تكلفة الفساد في مؤسسات الدولة خلال الفترة من 2012 حتى 2015 بلغت 600 مليار جنيه.

على خلفية ذلك، شنت وسائل الإعلام التابعة للنظام، حملة شرسة على جنينة، وتوالت البلاغات ضده تتهمه بنشر أخبار كاذبة من شأنها الإضرار بالاقتصاد المصري.

من جهته، شكّل السيسي لجنة تقصي حقائق برئاسة رئيس هيئة الرقابة الإدارية وعضوين ممثلين عن وزارات "التخطيط والمالية والداخلية والعدل" والمستشار هشام بدوي نائب رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، لدراسة تصريحات جنينة وتقديم تقرير عنها.

في يناير 2016، أصدرت "لجنة السيسي"، تقريرها، واتهمت جنينة بـ"التضليل وعدم الصدقية"، وقالت في بيان لها أنها تواصلت مع رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات للاستفسار عن تصريحاته، فأفاد بإعداد دراسة بواسطة لجنة فنية انتهت إلى صحة الرقم، وأوضحت اللجنة أنها استعانت بخبراء لفحص الدراسة، وانتهت إلى أن تصريحات جنينة ودراسة الجهاز شابهما قصور من حيث التضليل والتضخيم في حجم وقيمة ما سمي بالفساد من خلال تكوين وتجميع بعض الأرقام أكثر من مرة تحت مسميات عدة في أكثر من موضع.

لم يصمت جنينة، وأعلن تحديه للجنة السيسي، مؤكدًا أن تقرير الـ600 مليار تم إرساله إلى الجهات المعنية، من قبل تشكيل لجنة تقصي الحقائق، لكن لم يتلق ردًا بشأنه.

السيسي يعزل جنينة

في 28 من مارس 2016، أنهى السيسي الأمر سريعًا، وأصدر قرارًا جمهوريًا بإعفاء جنينة من منصبه كرئيس للجهاز المركزي للمحاسبات.

لم يستسلم جنينة، ولم يعترف بعزله، فأقام دعوى قضائية اختصم فيها السيسي، لوقف تنفيذ قراره، معتبرًا إياه مخالفًا للدستور، ولمخالفته كذلك للمادة 20 من قانون الجهاز المركزي للمحاسبات التي سبق الإشارة إليها، وقد قررت المحكمة الإدارية العليا تأجيل النظر في طعن جنينة على قرار عزله من منصبه إلى جلسة 10 من مارس المقبل.

محاكمة جنينة

في 2 من يونيو 2016، قرر النظام التصعيد ضد جنينة، بعد عزله، حينما أحال النائب العام المستشار نبيل صادق، جنينة، إلى المحاكمة الجنائية العاجلة بتهمة "إذاعة أخبار كاذبة على نحو يسيئ إلى مؤسسات الدولة وزعزعة الثقة بها".

الانتقام من ابنة جنينة

في الشهر ذاته، يونيو 2016، واصل السيسي انتقامه من جنينة، وأصدر قرارًا جمهوريًا بفصل شروق ابنته، من وظيفتها كمعاون للنيابة الإدارية، بسبب نشرها كاريكاتير يسخر من المستشار أحمد الزند على صفحتها بموقع "فيسبوك". 

حكم بحبس جنينة 

وفي يوليو 2016، قررت محكمة جنح القاهرة الجديدة حبس جنينة سنة وتغريمه 20 ألف جنيه بتهمة نشر أخبار كاذبة عن الفساد، وكفالة 10 آلاف جنيه لوقف تنفيذ الحكم، وفي يناير 2017 أيدت محكمة جنح مستأنف القاهرة الجديدة تأييد الحكم.

نائب سامي عنان يتحدى السيسي

لم يغب هشام جنينة عن المشهد السياسي بعد عزله، حيث انتشرت شائعات تفيد بأنه يفكر في الترشح لانتخابات للرئاسة 2018، الأمر الذي نفاه جنينة بنفسه في تصريحات صحفية.

عاد جنينة بقوة إلى صدارة المشهد السياسي، في 20 من يناير الماضي، عندما أعلن الفريق سامي عنان رغبته في الترشح لانتخابات الرئاسة، مؤكدًا اختياره المستشار هشام جنينة نائبًا له لحقوق الإنسان وتفعيل الدستور، والدكتور حازم حسني نائبًا له لشؤون الثورة المعرفية والتمكين السياسي والاقتصادي ومتحدثًا رسميًا باسمه.

لم يتمكن عنان من مواصلة مشواره الانتخابي، أو بالأحرى لم يمهله السيسي الفرصة لفعل ذلك، وتم اعتقاله بعد 3 أيام فقط من إعلانه رغبته في الترشح لانتخابات الرئاسة، وبعد 4 أيام فقط من اعتقال عنان، جرت محاولة اغتياله نائبه، في رسالة تبدو واضحة لأي شخص يحاول فتح ثقب في جدار الانسداد السياسي التي تعيشه مصر منذ 4 سنوات ونصف.