تنشأ الانفلونزا عن طريق ثلاثة أنواع مختلفة من الفيروسات

قد يكون من المستحيل أنّ أحدًا منا لم يصب بالانفلونزا في حياته كلها، إذ لا يكاد ينتهي موسم الشتاء كلّ عامٍ إلا وقد مررنا بتجربةٍ ولو بسيطة مع ذلك الفيروس، أو الفيروسات الشبيهة به والمسببة للرشح أو الزكام أو نزلات البرد المتنوعة.

يجد الكثيرون صعوبةً بالتمييز ما بين الرشح أو الزكام من جهة، والانفلونزا من جهة أخرى، نظرًا لتشابه بعض الأعراض الشائعة، لكنّ الفرق الرئيسيّ الأكبر بينهما أن الفيروسات التي تسببهما ليست متشابهة ولا تتصرف بنفس الطريقة بالضرورة. لذلك فبدايةً علينا التمييز ما بين هذين المرضين الشائعين، لنفهم الانفلونزا أكثر.

 غالبًا ما يظهر الزكام بثلاثة أعراض رئيسية؛ هي التهاب الحلق وانسداد الأنف والسعال، وينشأ ذلك عن طريق أكثر من 200 فيروس مختلفٍ، أكثرها شيوعًا تلك الفيروسات الأنفية التي تنتقل عن طريق الرذاذ الصادر عن الجهاز التنفسي بشكلٍ أساسيّ، وتؤدي لسيلان الأنف أو احتقانه والعطس والسعال، وقد يصحب ذلك آلامٌ في العضلات والصداع وفقدان الشهية. ومن المثير للاهتمام أنّ حوالي ربع المصابين بفيروسات الزكام محظوظون بما فيه الكفاية لعدم الإصابة بأيٍّ من الأعراض على الإطلاق.

تبدأ العلامات الأولى لنشاط الانفلونزا عادةً في شهر أكتوبر أو تشرين الأول تقريبًا، وغالبًا ما تكون ذروتها في منتصف فصل الشتاء أي في شهر شباط

أمّا الانفلونزا، فيسبّبه نوعٌ خاصٌ من الفيروسات يُطلق عليها اسم "فيروس الانفلونزا"، وهي عبارة عن ثلاثة أنواع مختلفة تُعرف باسم ألف وباء وجيم. وفقًا لمراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها Centers for Disease Control and Prevention (CDC)، تبدأ العلامات الأولى لنشاط الانفلونزا عادةً في شهر أكتوبر أو تشرين الأول تقريبًا، وغالبًا ما تكون ذروتها في منتصف فصل الشتاء أي في شهر شباط، وينتهي المرض بانتهاء الشتاء، ولكن في بعض السنوات، يمكن له أن يدوم حتى شهر أيار، أو قد يُصاب به عدد قليل من الأشخاص خلال الصيف.

 تجدر الإشارة هنا إلى أنّ أغلب فيروسات الانفلونزا هي فيروسات عدائية وقد تكون مميتة أو تؤدي إلى تداعيات مهددة للحياة نتيجة تخريبها للجهاز المناعي عند الأفراد، خاصة أولئك ضعيفي المناعة مثل مرضى السرطان والإيدز والأمراض التنفسية المزمنة، فهم الأكثر عرضةً للخطر جراء الإصابة بالانفلونزا.

وإجابةً عن سؤال كيف يمكن للانفلونزا أنْ يكون مميتًا أو قاتلًا، فيمكن باختصار القول أنّ الجسم يقتل ذاته في محاولته لشفاء ذاته. فبعد دخول الفيروس للجسم بالطرق المختلفة، ستبدأ خلايا الجسم بتجهيز نفسها لاستجابة مناعية قوية ضد الفيروس، تجنّد فيها خلايا الدم البيضاء وجزيئات التهابية أخرى للقضاء على العامل المهدّد، بحيث تقوم بمهاجمة الخلايا والأنسجة المجاورة للفيروس وتدمرها.

يعدّ هذا العام أسوأ مما قبله مقارنةً بمدى انتشار وحدّة مرض الانفلونزا نظرًا لهيمنة سلالة فيروس H3N2 على المرض، والتي تميل لأنّ تكون أكثر حدة من سلالات الانفلونزا الأخرى

تنجح هذه العملية عند معظم البالغين الأصحاء، أي أنّهم يتعافون خلال أيام أو أسابيع، ولكن قد تكون الاستجابة المناعية أحيانًا قويةً أكثر مما يجب، فتدمّر الكثير من أنسجة الرئتين ولا تعود قادرةً على إيصال ما يكفي من الأوكسجين للدم، ما يؤدي إلى نقصه ومن ثمّ الموت. أمّا ثلث المرضى الذين يموتون جراء أسباب متعلقة بالانفلونزا يقضون عندما يغلب الفيروس الجهاز المناعي، وثلثٌ آخر يموت جراء استجابة الجهاز المناعي لعدوى بكتيريا ثانوية غالبًا تكون في الرئتين، ويفنى الثلث الأخير نتيجة فشل عضوٍ واحدٍ أو أكثر في الجسم.

ووفقًا لموقع "لايف ساينس"، فيعدّ هذا العام أسوأ مما قبله مقارنةً بمدى انتشار وحدّة مرض الانفلونزا نظرًا لهيمنة سلالة فيروس H3N2 على المرض، والتي تميل لأنّ تكون أكثر حدة من سلالات الانفلونزا الأخرى، إضافةً لكونها واحدة من السلالات الأكثر ارتباطًا بمعدّلات الوفاة أو تعريض الحياة للخطر.

وبحسب الموقع نفسه، فقد وجد الباحثون أنّ لقاحات الإنفلونزا السنوية عادة ما تكون أقل فعالية ضد سلالة فيروس H3N2 مقارنةً مع السلالات الأخرى. إلا أنّ هذا لا يعني نفي الفائدة كليًّا من أخذ اللقاح، فما يزال مسؤولو الصحة يوصون بأخذه لكلّ من تتراوح أعمارهم بين ستة أشهر فما فوق، لأنه لا يزال الوسيلة الأفضل لمنع الإصابة بالفيروس. وقد وجدت الدراسات أنه حتى لو كان الشخص مصابًا به، فإن مرضه سيكون أكثر اعتدالًا إذا تم تطعيمه، أي أنّ اللقاح أفضل من لا شيء.

تُتبع اللقاحات ضد الانفلونزا  بعدد من الأعراض الخفيفة التي تظهر لدى بعض الأشخاص، وليس جميعهم، نتيجة توليد اللقاح لاستجابة مناعية في الجسم وتحفيزه لجهاز المناعة

إذن فالأشخاص الذين يحصلون على اللقاح يكونون أقل عرضة للإصابة بالإنفلونزا من أولئك الذين لم يحصلوا عليه، إضافةً لكونهم أقل احتمالًا لمعاناة أعراض المرض الأكثر حدة مثل الارتعاش وآلام العضلات والعظام والحاجة للبقاء في السرير، وتأثر حياتهم اليومية وأنشطتهم المعتادة سلبًا أو حتى الحاجة للدخول للمشفى، مع أعراض أخرى أكثر خطرًا.

وقد يتساءل الكثير عن مدى أمان تلك اللقاحات أو مدى فعاليتها وجدواها مع تأكيد الباحثين والمتخصصين على أمانها كليّا، إلا أنّ هذا لا يعني أنها لا تُتبع بعدد من الأعراض الخفيفة التي تظهر لدى بعض الأشخاص، وليس جميعهم، نتيجة توليد اللقاح لاستجابة مناعية في الجسم وتحفيزه لجهاز المناعة. بالنهاية فهذه هي الطريقة التي تعمل بها اللقاحات، أي عن طريق تدريب جهاز المناعة للتعرف على أجزاءٍ من فيروس الانفلونزا، حتى يتمكن من الاستجابة له بشكلٍ أكثر فعالية واستعدادٍ أكبر عند مواجهة المرض الحقيقي. ولا يوجد فيروس حي في اللقاح يمكنه أن يصيبك بالمرض.

يعطي لقاح الانفلونزا استجابة مناعية قصيرة الأجل نسبيًا تمتد ما بين 6-12 شهرًا بعد التلقيح، وتعتمد مدة الحماية على نوع الفيروس وعلى المريض نفسه، إذ يؤثر العمر ومدى قوة جهاز المناعة على الطريقة التي يستجيب بها الجسم للقاح، فعلى سبيل المثال يُظهر المرضى المسنّين استجابةً مناعية لوقتٍ أقصر من غيرهم، كما أن بعض الأنواع الفرعية للانفلونزا تثير استجابة مناعية أقوى من غيرها. لذلك هناك بعض القلق من أنه إذا تم تلقيح الأفراد في وقت مبكر جدًا من العام، فإن الاستجابة المناعية قد تبدأ بالانخفاض عندما يحين وقت الحاجة إليها.

عمومًا، يُوصى بأخذ اللقاح بين شهرين إلى أربعة أشهر قبل بداية موسم المرض، فيأخذ جهاز المناعة عندك وقتًا كافيًا لكي يتعرّف على فيروسات المرض وكيفية عملها والتعامل معها، ما يجعله جاهزًا لها ومستعدًا للتصدّي للفيروس الحقيقيّ حين يحين وقته.