عبدالفتاح السيسي يتفقد أحدى الوحدات العسكرية (أرشيفية)

"القوات المسلحة والشرطة المدنية ستقوم بالثأر لشهدائنا، واستعادة الأمن والاستقرار بمنتهى القوة خلال الفترة القليلة القادمة، وسنرد على هذا العمل بقوة غاشمة في مواجهة هؤلاء الشرذمة المتطرفين الإرهابيين التكفيريين"، بهذه الكلمات غير المنتقاة بدقّة، أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في 24 من شهر نوفمبر الماضي، انطلاق المعركة الفاصلة ضدّ الفرع المصري لتنظيم الدولة الإسلامية، بعد ساعات قليلة من تنفيذ جهات مجهولة هجوما أوقع مئات القتلى والجرحى من المسلمين السيناويين.

وبعد شهر من هذا الوعيد، جدّد السيسي تهديده لأهالي سيناء الذين ضاقوا ذرعا بمجازر الجيش المصري المتواصلة منذ سنوات، عندما قال في جولة تفقدية لعدد من المشروعات في منطقة قناة السويس إن "سيناء أرضنا، والقوات المسلحة ستقوم بكل العنف، بكل العنف، بكل العنف، ويجب أن نضع حدا للإرهاب الموجود فيها، نموت كلنا ولا أحد يقترب من أرضنا.. الدفاع عن البلاد ليس بالكلام، لكن بالعرق والجهد والتضحية والدم".

بسبب هذين الخطابين، وضع الرئيس المصري نفسه في حرج جديد لم يجد معه تبرير بسام راضي، المتحدث باسم الرئاسة المصرية، أيّة جدوى تذكر، فنبرة الخطاب والرّعب الظاهر على وجه المُخاطِبِ تكشف عن عمق الأزمة التي أصبح يعيشها النظام الانقلابي المصري، فكيف لجيش بمئات الآلاف ووزارة داخلية ومخابرات حربية وعامّة أن يفشلوا في إيقاف بضع مئات من المسلّحين غير القادرين على تأمين طرق إمدادهم الغذائيّة ناهيك عن العسكريّة حتّى.

خلال 7 سنوات من الحرب في سيناء، خسرت القوات المسلّحة المصريّة بمختلف فروعها وانتماءاتها الوظيفيّة نحو ألفين من رجالها، بسبب حدّة المعارك والمواجهات الدائرة في تلك المنطقة النائية والمهمّشة منذ عشرات السنين، ولكن النظام المصري لم ينجح في هزيمة "الإرهابيين التكفيريين"، بل ساهم في تمدّدهم إلى داخل المدن المصريّة الحيويّة، ليفجّروا ويقتلوا ما شاء لهم من المسيحيين الأقباط.

وفق المعلومات الواردة من هناك، استعان النظام المصري بحركة المقاومة الإسلامية "حماس" للضغط على مسلّحي "ولاية سيناء" ومنعهم من النشاط على الحدود المصرية الفلسطينية

خلال السنوات التي قضّاها على رأس السلطة في مصر، فشل عبد الفتاح السيسي العسكري والضابط المخابراتي المتمرّس، في اجتثاث بضع مئات من المسلّحين المنتشرين في صحاري وجبال سيناء، رغم تأكيده في لقاءات إعلامية احتفاليّة بذكرى تولّيه السلطة، أن "الإرهاب في سيناء محصور في منطقة محدودة" لم يحدّدها.

بعد سنتين من "انحصار الإرهاب في منطقة محدودة"، استعان الرئيس المصري بطائرات الاحتلال الإسرائيلي للقيام بـ 100 علمية عسكرية داخل سيناء، الأمر الذي أكد المأزق الكبير الذي يعيشه النظام الذي وجد الحلّ الأبرز في الاستعانة بسلاح الجو الإسرائيلي لقصف بضع مئات من المسلّحين المنتشرين في مناطق نائية على شبه الجزيرة المصريّة.

ليس هذا فحسب، فوفق المعلومات الواردة من هناك، استعان النظام المصري بحركة المقاومة الإسلامية "حماس" للضغط على مسلّحي "ولاية سيناء" ومنعهم من النشاط على الحدود المصرية الفلسطينية، إضافة لتعاون استخباري يقضي بالحصول على معلومات من شأنها تسهيل مهمّة القوات المصريّة في حرب الاستنزاف التي تخوضها منذ سنوات في صحارى سيناء.

من المفارقة التي تُحسب له، أن عبد الفتاح السيسي نجح في جمع الخصوم على ساحة واحدة، فرغم العداء المُعلن بين "حماس" والاحتلال الإسرائيلي، إلا أن العدوّين اللدودين ساعدا الرئيس المصري بشكل مباشر أو غير مباشر في حربه على الفرع المصري لتنظيم الدولة الإسلامية، لأنّ الأخير يمثّل تهديدا وجوديّا لكل الأطراف المتصارعة على الأرض، والتي يعتبرها أهدافا مشروعة انطلاقا من معتقداته الشرعيّة.

وبعد سنتين من إعلان رأس هرم الدولة المصريّة عن اقتراب هزيمة الإرهاب وإعادة الأمن لسيناء، يعود الجيش معزّزا بقوات الأمن بمختلف تشكيلاتها إلى سيناء مجدّدا، ليلقي بثقله برّا وبحرا وجوّا، في محاولة قد لا تكون الأخيرة لدحر المسلّحين والنصر عليهم، في واحدة من أكبر الحملات العسكريّة والأمنية في التاريخ المصري المعاصر، إلا أن المعلومات الشحيحة الواردة من المنطقة المنكوبة، لا تبشّر بذلك، خاصّة وأن الارتباك أدّى إلى قصف إحدى الطائرات الحربية المصرية بالخطأ نقطة عسكرية بمدينة العريش مركز محافظة شمال سيناء.

ذهب البعض إلى القول إن الحملة العسكرية الأخيرة في سيناء تهدف أساسا لإفراغ أجزاء كبيرة من سيناء وتهجير أهلها تمهيدا لتطبيق صفقة القرن

أسبوعان مرّا على انطلاق العملية الشاملة لمجابهة الإرهاب، والتكتّم الإعلامي من طرفي الصراع سيّد الموقف، فمن جهة، يكتفي المتحدّث العسكري المصري بنشر بيانات لا تختلف كثيرا في صياغتها عن بيانات سابقة، ومن جهة أخرى، لم تنشر المؤسسات الإعلامية الرسمية لـ"ولاية سيناء" أو المجموعات الموالية لها، تفاصيل عن حجم الخسائر في صفوفها أو في صفوف الجيش المصري، ما يعني أن هناك حربا حقيقيّة تدور في شبه الجزيرة المنكوبة، أجبرت الجيش المصري على استخدام القنابل العنقودية الأمريكية الصنع في مواجهة المسلّحين.

رغم أن الجيش المصري، لم يعلن عن مدّة زمنية محدّدة لانتهاء العمليّة العسكريّة الشاملة، إلا أن المعطيات تشير إلى أنها لن تتجاوز 3 أشهر، يهدف من خلالها الجيش إلى تحقيق 4 أهداف أساسية تتمثل في "إحكام السيطرة على المنافذ الخارجية، وضمان تحقيق الأهداف لتطهير المناطق من البؤر الإرهابية، وتحصين المجتمع المصري من شرور الإرهاب والتطرف، بالتوازي مع مواجهة الجرائم الأخرى ذات التأثير"، بالإضافة لإرهاب الشعب وتخويفه قبل أسابيع قليلة من موعد الانتخابات الرئاسية التي ينافس فيها السيسي مرشّحا صوريّا بعد إقصاء ألدّ خصومه وعلى رأسهم أحمد شفيق وسامي عنان.

في ذات السياق، ذهب البعض إلى القول إن الحملة العسكرية الأخيرة في سيناء تهدف أساسا لإفراغ أجزاء كبيرة من سيناء وتهجير أهلها تمهيدا لتطبيق صفقة القرن، إلا أننا لسنا مع هذا الطرح، فما يحدث في سيناء هو حرب حقيقيّة بين جيش وقوات نظامية وبضع مئات على أقصى تقدير من المسلّحين المتخفّين بين الجبال والكثبان وداخل المدن، حرب عصابات طويلة الأمد ينتصر فيها الطرف الذي يملك نفسا أطول من الآخر، حرب لا يبدو أن فصولها ستنتهي خلال الأشهر الثلاث المقبلة، خاصة وأنها ستكون مكلفة لطرفي الصراع، ولكنّنا لا نعلم من سيدفع التكاليف الأكبر، الدولة المصرية أم الفرع المصري لتنظيم الدولة الإسلامية.