تزخر تونس بأصناف عديدة من الفنون الموسيقية الشعبية، التي تحتل حيزًا مهمًا في التقاليد الشفوية التي تكونت عبر العصور وتناقلتها الأجيال جيلاً عن جيل في البلاد، من ذلك "فن المزود" الذي يعكس جوانب من الثقافة التونسية الضاربة جذورها في أعماق التاريخ.

فن الكادحين والفئات المهمشة

بدأ ظهور هذا النمط الموسيقي في تونس في ستينيات القرن الماضي، بكونه وسيلة لهو وترفيه للطبقات الكادحة في الضواحي السكنية المهمشة، فهناك تؤلف الأغاني وتلحن وتغنى، وتنشر عند الجميع فهي تحكي عنهم.

ليتطور هذا الفن عبر الوقت، ويصبح فنًا يستهوي جميع التونسيين مهما اختلفت أعمارهم أو طبقاتهم الاجتماعية، واكتسب هذا الفن اسمه من الآلة التي تسمى في الأصل مزوج (أي ثنائي)، وذلك نسبةً إلى القرنين اللذين يكونان عادةً في أعلى الآلة التي تصنع من جلد الماعز مع قصبة في الأسفل فيها خمس أو ست فتحات.

كانت هذه الآلة عنوانًا لفن رافق الكادحين في اجتماعاتهم وسهراتهم وينسيهم همومهم

تتألف آلة المزود من قربة أو ما يشبه الكيس المصنوع من الجلد وهي آلة هوائية ينفخ فيها العازف بواسطة مزمار وتحتوي القربة في العادة على مزامير أخرى تأخذ الهواء لإخراج صوت بعد الضغط عليها وهي تستعمل كثيرًا في الفلكلور والأفراح والأعياد.

يمسك الموسيقي المزود تحت إبطه ويضغط على الجوانب بذراعه، فينشأ عن هذه دفعة هواء تثير اهتزاز الألسنة المصنوعة من قصب والمنحوتة على شكل صفارة، وبأصابعه يسد أو يكشف الثقوب، وبذلك ينبعث النغم.

آلة المزود

ظهرت هذه الآلة في تونس بعد أن أحضرها البدو الرحل الذين قدموا في بدايات القرن العشرين من الجزائر، ومن ليبيا خصوصًا، فكانت هذه الآلة عنوانًا لفن رافق الكادحين في اجتماعاتهم وسهراتهم لينسيهم همومهم.

وتستعمل هذه الآلة التي تمتاز بطبقة صوتية عليا وصوت قوي يجعلها من الآلات المحبذة لدى بعض الفئات الموجودة في الأحياء الشعبية، في الكثير من الحالات كأداة للتعبير عن الحدث الانفعالي والتلقائي الذي يشهده ويفرضه المظهر الاحتفالي.

مرآة عاكسة لقضايا المهمشين

منذ بداية بروزه، عرف فن المزود بكونه تعبيرًا فنيًا ومرآةً عاكسة لقضايا المهمشين والمساجين والكادحين، فهذا الفن كان بمثابة التيار المضاد الذي يحمل ثقافةً ومعجمًا غير معتادين، فهو انعكاس لمشاعر وأحاسيس طبقات مهمشة ومنسية من المجتمع.

وكان فنانو "المزود" عبارة عن متمردين بموسيقاهم الشعبية ضد الأطر والرسميات، فمعظم ممارسي فن المزود من أبناء النزوح من الأرياف التونسية الذين صدمتهم المدينة بأضوائها ومشكلاتها، فكان مصير معظمهم السجون.

تمتاز أغاني المزاودية ببنية لحنية تتكرر في العديد من المرات وبإيقاعات شعبية سريعة وراقصة

عادة ما تتغنى أغاني المزود بقصص الحب والعشق والهيام وتمنع الحبيبة وشقاء العاشق فتخلد لحظات العذاب وتساهم في إثارة المشاعر الجياشة عبر المواويل الطويلة التي ترافقها ألحان المزود فتترك في النفس أثرًا يصعب أن يمحى.

ويقسم هذا الفن إلى 3 أصناف، صنف أول يعرف بالمزود الصوفي الموجه لمدح الأولياء الصالحين الذي كان في السابق منتشرًا في الأوساط التونسية وتصاحبه مجموعة مهمة من الطقوس، ويعتبر الفنان الشعبي مصطفى قتال الصيد من بين أهم ممارسيه.

أما الصنف الثاني فيعرف تحت اسم "الزندالي" المرتبط بالسجون ويروي هموم المساجين ويؤرخ للأوجاع الاجتماعية التي تعاني منها الأحياء الشعبية ومعظم أغانيه كتبت كلماتها ولحنت داخل السجون التونسية، وصنف ثالث معروف بالمزود الراقص وهو موجه لإحياء الأفراح والمناسبات الاجتماعية السعيدة، ومن أبرز ممارسيه عبد الكريم البنزرتي وأشرف ومحسن الماطري.

وتمتاز أغاني المزاودية ببنية لحنية تتكرر في العديد من المرات وبإيقاعات شعبية سريعة وراقصة من أهمها "الغيطة" و"الفزاني" بأنواعه، و"البونوارة" و"المربع تونسي" على الطريقة الشعبية.

ضحية السلطة

نشأته وسط الأحياء المهمشة وحديثه عن أوجاع تلك الفئة التي تسكن هذه الأحياء، جعلت المجتمع الحضري ينظر لهذا الفن نظرة سلبية في البداية، فحتى إن حدث وتم استدعاء إحدى الفرق لإحياء حفلة لعائلة ما، فيعامل "المزاودية" باحتقار.

https://www.youtube.com/watch?v=HextBEGe2ME

هذه النظرة السلبية تدعمت نتيجة منع المشرفين على الإذاعة التونسية، كصالح المهدي، ورئيس فرقة الإذاعة التونسية عبد الحميد بن علجية، هذه الموسيقى من الظهور في الإذاعة، بحجة أنها شعبية وليست لها أي جذور تاريخية.

ويقول بعض "المزاودية" إن الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة منع دخول "المزود" إلى وسائل الإعلام الرسمية من إذاعة وتليفزيون، فطيلة فترة حكمه من 1956 إلى 1987 لم يكن من الممكن برمجة أغنية شعبية معتمدة على "المزود" ضمن البرامج الإذاعية والتليفزيونية المختلفة.