فضلاً عن فنادقها العصرية وشواطئها الخلابة وغاباتها الخضراء وسهولها الغناء وطيبة سكانها ورحابة صدرهم، تُعرف تونس أيضًا بمسارحها الرومانية الشامخة المخلدة لفترة تاريخية مهمة من تاريخ البلاد المليء بالأحداث الكبيرة.

مسرح الجم

بعد سقوط قرطاج سنة 146 قبل الميلاد، وقعت تونس تحت الحكم الروماني حتى سنة 431 ميلاديًا، وخلال تلك الفترة عرفت البلاد ازدهارًا كبيرًا على جميع الأصعدة، واحتوى المجال التونسي خلال العهد الروماني على أكثر من 200 مدينة، من هذه المدن نذكر إضافة إلى قرطاج، هدرومتوم (سوسة) ونيابوليس (نابل) وتوقا (دقة) ومكتريس (مكثر) وسيكا فينيريا (الكاف) وأوينا (أوذنة) وتيسدروس (الجم) وغيرها من المدن التي أنشئت أو أعيد تهيئتها على النمط الروماني لتوطين الجيوش وعائلاتهم والمهاجرين الإيطاليين.

لعراقته وتاريخه الكبير وجماله الفريد أُدرج مسرح الجم سنة 1979 على لائحة مواقع التراث العالمي من طرف اليونسكو

احتوت هذه المدن على جملة من المعالم كالفوروم (الساحة العمومية) والكابيتوليم (معبد الديانة الرسمية للدولة الرومانية) والحمامات والمسارح ومن أهم هذه المسارح: "مسرح الجم" المشهور بقصر الجم أو مدرج الجم كما يحلو للبعض أن يطلقوا عليه.

تبلغ مساحة هذا القصر الذي بني سنة 238 ميلاديًا، 148 مترًا في 122 مترًا، أما أبعاد الحلبة فتبلغ 65 مترًا في 39 مترًا، وتتسع مدارجه لقرابة 35 ألف متفرج، ويقع تحت حلبته رواقان يصلهما الضوء من الفتحة الوسطى للحلبة إضافة إلى فتحتين من جانبي الحلبة كانت تستخدم لرفع الوحوش من أسود ونمور والمصارعين من أسرى الحرب، حيث كان المصارعون والوحوش يؤسرون في غرف تحت الحلبة ليتم إطلاقهم في الأعياد والمناسبات الضخمة التي تشهد إقبالاً جماهريًا ضخمًا من الشعب والنبلاء الذين يجلسون في المدارج لمشاهدة مصارعات الوحوش ومعارك المصارعين من أسرى الحروب وسباقات العربات.

يحتضن مسرح الجم عديد المهرجانات الكبرى

ويعتبر هذا المسرح، واحدٌ من أعظم الآثار الرومانية في العالم، ولعراقته وتاريخه الكبير وجماله الفريد أُدرج سنة 1979 على لائحة مواقع التراث العالمي من طرف اليونسكو، ليضاف بذلك إلى المواقع الأعرق والأجمل في العالم التي تديرها منظمة الأمم المتحدة للثقافة والعلوم "اليونسكو".

مسرح قرطاج

إضافة لمسرح الجم، تشتهر تونس بمسرح قرطاج الذي تم إنشاؤه في أواسط القرن الثاني الذي يمكن له أن يستوعب أكثر من 10 آلاف متفرج، ويقع هذا المسرح في الركن الغربي من مدينة قرطاج ومن أهم سماته المعمارية أنه يقع في شبه ربوة ويستقل في بنائه عنها.

كان مسرح قرطاج حلبة لمصارعة الوحوش ومسرحًا داميًا تتمزق فيه أجساد العبيد وأسرى الحرب وكبار المجرمين الذين تجاوزوا القانون

وخلال القرن الخامس الميلادي، هدم الونداليون المسرح، ولم يخرج إلى النور إلا في أواخر القرن التاسع عشر حيث رمم جزئيًا وأعيد استعماله لتقديم روايات مسرحية وحفلات موسيقية، ومنذ ستينيات القرن الماضي، تم إعادة بنائه كليًا.

تمت إعادة بناء المسرح كليًا في ستينيات القرن الماضي

في أثناء تأسيسه، كان مسرح قرطاج حلبة لمصارعة الوحوش ومسرحًا داميًا تتمزق فيه أجساد العبيد وأسرى الحرب وكبار المجرمين الذين تجاوزوا القانون، كما كانت جدرانه شاهدًا على النبلاء الرومانيين الذين أدمنوا الصراعات الدامية، وخصصوا لمشاهدتها أغلب وقتهم، غير أنه اليوم أصبح مكانًا لالتقاء الفنانين ومسرحًا شهيرًا لأهم الحفلات الموسيقية في تونس والعالم، ومكانًا لاحتضان أعرق مهرجان في تونس "مهرجان قرطاج".

مسرح أوذنة

قرب تونس العاصمة في "مدينة أوذنة" التابعة لمحافظة بن عروس، والممتدة على آلاف الهكتارات وسط الحقول الشاسعة المليئة بأشجار الزيتون والبرتقال، يقع "مسرح أوذنة" الروماني المطمور قليلاً تحت الأرض، ويتسع هذا المسرح الدائري سابقًا إلى ما يناهز الـ17 ألف متفرج ويرجع بناؤه إلى بداية القرن الثاني بعد الميلاد في عهد الإمبراطور هادريانوس، حسب ما بينت الحفريات الأخيرة.

يتسع هذا المسرح الدائري سابقًا إلى ما يناهز الـ17 ألف متفرج

يقع هذا المعلم فوق هضبة أين تم بناء حلبته، ويتكئ الهيكل الحامل للمدارج من الداخل على حزام المنطقة المحفورة، ويحتوي الجزء العلوي للمسرح على 12 جناحًا خاصًا أما واجهته فهي مبنية بالحجارة الضخمة وبه 68 قوسًا.

مسرح دقة

تعتبر مدينة دقة، من بين المدن القليلة في العالم التي ما زالت تحتفظ بآثار مدينة رومانية كاملة، أبرزها المسرح الروماني الذي يتسع إلى أكثر 3500 شخص، ويقع المسرح المحافظ على مظهره المتكامل في مدخل المدينة الأثرية حيث كانت تقام فيه المسرحيات والطقوس الدينية، ويشمل ثلاثة أجزاء: المدارج والأركسترا وخشبة المسرح، كما توجد بعض المدارج للأغنياء.

بُني مسرح دقة سنة 168ميلاديًا

يعتبر هذا المسرح أحد المسارح الرومانية الرائعة في شمال إفريقيا وأكثرها محافظة على شكله وأجزائه، بُني سنة 168ميلاديًا في عهد الإمبراطورين "مارك أورال" و"لوقيوس فروس" على نفقة واحد من أثرياء دقة، وتقول كتب التاريخ، إن استعمال هذا المسرح دام لقرون طويلة.