يعتقد الكثير من المؤرخين أنّ الصينيّين كانوا أول من عرف الشاي قبل ولادة المسيح، ويقال أنّ اكتشافه يرجع إلى الصدفة المحضة إذ وبينما كان أحد الأباطرة يغلي إبريقًا من الماء، سقطت فيه بضع وريقاتٍ من الشاي غيّرت من لون الماء وأضافت له رائحة طيبة زكية، وما إنْ تذوق طعمه حتى استطابه وبات يوصي به، حتى شاعت هذه العملية في الصين، ومن ثمّ في المناطق المحيطة بها.

لم يعرف العرب الشاي حتى القرن التاسع للميلاد، لكنه كان في البداية مشروبًا نخبويًا مقصورًا على الأسر الغنية والأرستقراطية، وبالتالي يمكن القول أنّ العرب عرفوا الشاي بشكلٍ رئيسيّ وشائع منذ القرن التاسع عشر، وهي نفس فترة انتشاره أيضًا في الأناضول وتركيا.

وحين وصل العرب في غزوهم إلى بلاد فارس، تعرّفوا على "السماور" وهو وعاء معدني يستخدم لغلي الماء وتحضير الشاي، استُخدم في روسيا وأوروبا الشرقية بدايةً عام 1717 واقتصر استخدامه على العائلة القيصرية والنبلاء، قبل أن يصل بلاد الفرس وبلدان الشرق الأوسط، وقد دخل السماور البلدان العربية عن طريق العراقيين الذين عرفوه من الأتراك الذين يطلقون عليه الاسم ذاته أيضًا "semaver".

الشاي في تركيا: مشروب لا يكاد ينقضي يومٌ دونه

لا يخفى على أيّ زائر لإسطنبول أو غيرها من المدن التركية مدى حبّ ناسها وسكّانها للشاي، حتى أنّ كلمة "حب" قد تكون غير كافية لوصف مكانة ذلك المشروب عندهم، لدرجة أنّ السماور قد يبقى على النار طوال اليوم في بعض البيوت ليكون باستطاعة أهله احتساء الشاي متى ما أرادوا.

تاريخيًا، عُرفت تركيا، أو الدولة العثمانية لنقل، على مدى عقودٍ كثيرة، باهتمامها بالقهوة واشتهارها فيها، حتى أنّ أحد أنواع القهوة بات يُعرف عالميًا بالقهوة التركية لتميّزها وخصوصيتها، إذ كانت القهوة في زمن العثمانيين هي المتسيدة مع كميات استهلاك تكاد تكون شبه منعدمة للشاي.

ولم يصبح الشاي مشروبًا مفضَلًا عند الأتراك إلا مع حلول القرن العشرين، أي بعد سقوط الدولة العثمانية تحديدًا، إذ أصبحت القهوة أكثر كلفةً لاستيرادها نظرًا للظروف التي كانت تمرّ بها الدولة. ولهذا شجع زعيم الجمهورية الحديثة مصطفى كمال أتاتورك شعبه على التحوّل من القهوة للشاي، خاصة لسهولة زراعته في تركيا.

ومن هنا نشأ الإدمان المحلي على المشروب الأحمر بدلًا من القهوة، رغم أنّ الأخيرة عادت إلى الواجهة لكن في المرتبة الثانية حاليًا، إذ يقدّر استهلاك الفرد التركيّ من الشاي ما يعادل الألف كوبٍ خلال العام الواحد. وكانت منطقة شرق البحر الأسود، وتحديدًا المناطق المحيطة بمدينة ريزا وطرابزون هي المناسبة لزراعة الشاي؛ نظرًا لخصوبة التربة ووفرة الأمطار، وتشكّل هذه المنطقة اليوم سادس أكبر منتج للشاي في العالم أجمع.

أما اجتماعيًا، فيحتلّ الشاي في تركيا مكانةً قد لا تكاد توجد في غيرها من البلدان، تتعدّى كونه مشروبًا يرافق وجبات الفطور أو يتبعها، إذ يُعتبر أيضًا رمزًا للضيافة والترحاب وإكرام الضيف. ومن إحدى العادات المرتبطة بالشاي، إذا أنهيت شرب الشاي ووضعت الملعقة الصغيرة التي تقدم مع الكوب بجواره في الصحن الصغير، فستجد أن المضيف أخذ الكوب وأحضر لك آخر جديدًا، لأنّ هذه علامة على أنك لا تزال ترغب بالمزيد، عدا عن ذلك فعليك وضع الملعقة داخل الكوب.

طريقة تحضير الشاي التركي تختلف عن طريقة تحضيره في العالم العربي، إذ ما زالت تركيا حتى يومنا هذا محافظة على استخدام السماور، فيتم استخدام إبريقين أحدهما كبير في الأسفل يوضع فيه الماء ليغلي، وفوقه يُوضع إبريق صغير يحتوي على القليل من الماء المغلي الممزوج ببضع ملاعق من أوراق الشاي التي تبقى تخمّر على نار هادئة، وبعد اختمارها تصبّ المياه المغلية في كوب زجاجي صغير من الإبريق السفلي ثم يصب فوقها الشاي المختمر من الإبريق الصغير، ويُضاف السكّر إلى الكوب بحسب رغبة الشخص، لكنْ من المعروف ميل غالبية الأتراك إلى احتساء بدون سكّر أو مع القليل منه فقط.

بلاد الشام: شاي بنكهة النعناع أو الميرامية

يشرب سكان منطقة بلاد الشاي الأحمر المتوسط أو الخفيف مع النعناع والسكر، وعادة ما يكون متوفرًا على وجبة الإفطار بشكلٍ أساسيّ، لكنه يحضر في غيره من أوقات اليوم، خاصة وقت التجمعات العائلية والاجتماعية الحميمة. وفي فلسطين تحديدًا، يتميّز حضور الميرامية بديلًا للنعناع في فصل الشتاء، نظرًا لفوائدها المتنوعة في البرد كعشبةٍ طبية بحسب الروايات الشعبية، إضافةً لندور النعناع في ذلك الوقت من السنة.

 

المغرب العربيّ: أتايْ بالنعناع وطقوس مميزة

يرجع تعرّف المغاربة على الشاي إلى مطلع القرن الثامن عشر في عهد السلطان إسماعيل، إذ وصلهم عن طريق الإنجليز الذين بدورهم قد عرفوه سابقًا عن طريق التجار العرب. لكنّ الشاي كان بادئ ذي بدء حكرًا على الطبقة الحاكمة والحاشية المقربة من السلطان، إذ كان من الهدايا المقدَمة من طرف الأوروبيين إلى السلطان وحاشيته، طيلة القرن الثامن عشر.

ومنذ مطلع القرن العشرين، احتلّ الشاي مكانةً مميزة في الأسر المغربية، ورافقته طقوس وعادات خاصة به يمتاز بها عن غيره من المشروبات، وظهر على إثر ذلك أشكالًا جديدة من الحرف والصناعات المتعلقة به، مثل صناعة أكوابه وصوانيه وأباريقه وبوابيره وغيرها، ومن هنا برز في المغرب جمال الأدوات المستعملة لتحضير الشاي وتقديمه، إذ تصنع معظمها من النحاس أو الفضة المزينة بنقوش يدوية.

وتمامًا مثل تركيا، وعلى خلاف بلاد الشام، فلا وقت محدّد للشاي، إذ أنّ النهار يبدأ وينتهي به، إضافةً إلى أنّ طريقة تحضيره تختلف كليًا عن غيره من المناطق، ما يجعل لونه وطعمه مختلفين تمامًا أيضًا. وقد يكون أحد الفروقات الأساسية هي كون الشاي من النوع الأخضر الصينيّ، لا الأحمر الذي يُستخدم في تركيا وبلاد الشام. كما لا يكون الشاي المغربيّ شايًا بدون عشبة النعناع التي تستشفّ رائحتها عن بُعد، إضافةً لاستخدام السكّر كإضافة أساسية له لا يصلح بدونه.

في الثقافة المغربية أيضًا يُعتبر الشاي دليلًا على الكرم وحسن الضيافة، كما يُعتبر من قلة الذوق أن يحلّ بالبيت ضيف ويذهب دون أن يتناول كأس شاي، خلافًا لبلاد الشام حيث تُعتبر القهوة رمزَ الضيافة الأساسيّ.

الشاي في بريطانيا: من أروقة القصور الملكية إلى منازل العامة

يرجع دخول الشاي إلى إنجلترا مع زواج تشارلز الثاني من الأميرة كاثرين البرتغالية، 1622م، وبموجب هذا الزواج منحت البرتغال إنجلترا حق استخدام موانئها في مستعمراتها بأفريقيا وآسيا، ودخل الشاي إنجلترا بواسطة الطرق التجارية الجديدة.

وبذلك عرفت بريطانيا الشاي كمشروب أنيق يقتصر فقط على الطبقة الملكية والراقية لا سيّما مع ارتفاع سعره آنذاك. أما انتشاره بين عامة الشعب فقد بدأ مع الثورة الصناعية في بريطانيا، خصوصًا مع بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر وانتشار المصانع وتأثيرها على الحياة الاجتماعية في بريطانيا قبل غيرها من الدول الأوروبية.

ومع الوقت، تحوّل الشاي من مجرد مشروب إلى كونه طقوسًا مميزة تُعرف بأسماء عديدة منها "حفلة الشاي" أو "شاي ما بعد الظهيرة" والذي عادة ما تكون وجبة خفيفة صغيرة تُؤكل بين الثالثة والخامسة مساءً  ظهرت في إنجلترا في أربعينيات القرن التاسع عشر، وتتكون من كوب الشاي مع شطيرة صغيرة أو وجبة خبز خفيفة من المعجنات أو البسكويت أو الكعك. ويفضّل الإنجليز شرب الشاي الأسود والإيرل غراي وشاي الياسمين الصيني كما يضيفون السكر أو الحليب أو الليمون إليه، ويمكن شربه في أوقات محددة مختلفة.