لعبت الأسطول البحري دورا كبيرا في فتح الجزائر

بداية القرن السادس عشر، شهدت الجزائر أو ما كان يعرف قديما باسم المغرب الأوسط، انهيار حكم الدولة الزيانية وانقسامها على نفسها إلى إمارات صغيرة مفككة متناحرة، ما أدّى إلى احتلالها من قبل الإسبانيين، الأمر الذي استدعى تدخّل الأتراك العثمانيين لإعادة فتحها مجدّدا.

مراحل الفتح

التدخّل العثماني تمّ بعد استنجاد الجزائريين بهم، فهم القوة الوحيدة القادرة على قيادة مقاومة متماسكة وموحدة، تتصدّى للتهديد الصليبي على البلاد، خاصة بعد أن سمع أعيان الجزائر عن انتصارات الأسطول العثماني على المسيحيين خاصة البرتغاليين والإسبان في عرض البحر.

هذا التدخّل تمّ عن طريق الإخوة عروج واسحاق وخير الدين بربروس، حيث حاصروا بداية سنة 1512 مدينة بجاية بعد أن اتصل بهم علماء وأعيان المدينة، وأمير قسنطينة الحفصي أبو بكر، قادمين من حلق الوادي، غير أنهم فشلوا في فتح المدينة بسبب تحصينات الإسبان القوية وتعاون قلعة بني عباس معهم.

سنة 1518، ارتبطت الجزائر بالدولة العثمانية ودخلت ضمن أملاكها حتى تكسب نوعا من الحماية الدولية

بعد سنتين أعاد إخوة عروج الكرّة، لكن هذه المرّة من مدينة جيجل التي استعدوها من قراصنة جنوة الإيطالية، بجيش بري وحاصروها ما يقرب من ثلاثة شهور دون جدوى واضطر إلى رفع الحصار، وكرر المحاولة في ربيع العام الموالي بقوة برية كبيرة ولكن نفاذ الذخيرة الحربية وامتناع الأمير الحفصي بتونس عن تزويده بالذخيرة اضطره إلى الانسحاب منها.

بعد ذلك بسنة، أي عام 1515، توجّه عروج إلى مدينة الجزائر على رأس قوة برية بعضها من الأتراك وأغلبها من سكان القبائل، بينما قاد خير الدين أسطولا بحريا في نفس الاتجاه والتقيا معا بالمدينة، حيث بايع سكانها خير الدين أميرا للجهاد في سبيل الله.

قائد حملة فتح الجزائر خير الدين بربروس

افتكاك مدينة الجزائر وفتحها لم يعجب الإسبان ولا بعض متمردي الداخل، ما حتّم على خير الدين وأعيان المدينة، سنة 1518، أن يربطوا الجزائر بالدولة العثمانية ويدخلوها ضمن أملاكها حتى تكسب نوعا من الحماية الدولية، فعيّن السلطان سليم الأول خير الدين أول حاكم تركي على الجزائر بلقب "بايلر باي".

عهد البايلربايات

حكم العثمانيون الجزائر في البداية عن طريق البايلربايات (أمير الأمراء) يعينهم مباشرة السلطان العثماني على رأس الإيالة لفترة غير محدودة بزمن ويختارهم غالبا من أكفاء الرجال الذين خدموا في الجزائر، ودام حكم البايلربايات إلى غاية سنة 1588 ميلادي، ومن مميزاته مواصلة الجهاد ضد الإسبان وطردهم من المدن التي احتلوها في الجزائر.

نجح البايلربايات الذين تداولوا على حكم الجزائر في إرساء دعائم الحكم الجديد في البلاد

غالبا ما كان بايلربايات الجزائر يرشحون لاستلام البحرية العثمانية، وقيادة الأسطول العثماني أي منصب قبو دان باشا. وقد نجح البايلربايات الذين تداولوا على حكم الجزائر في إرساء دعائم الحكم الجديد في البلاد إلى حد كبير.

عهد الباشاوات

ما لم يتحقق في عهد البايلربايات، أتم تحقيقها خلفاءهم في عهد الباشاوات الذي امتدّ من سنة 1587 إلى غاية سنة 1659 ميلادي، وبدأ عهد الباشاوات في الجزائر بعد أن لمست الدولة العثمانية في عهد مراد الثاني ضعف الارتباط بينها وبين ولاتها على الجزائر في أواخر عهد البايلربايات، عمدت إلى إجراء تعديلات إدارية فيما يتعلق بنظام الولاية على الجزائر بحيث حددت مدتها بثلاثة أعوام، وقلّصت في الامتيازات السابقة وفي الاختصاصات الممنوحة للحاكم.

عرفت هذه الفترة تمرّد الانكشاريين

تميّزت هذه الفترة بتعيين باشا تركي، يقوم السلطان العثماني بإرساله من تركيا ويستدعيه بعد انتهاء فترة تعيينه، على أن يقوم بإرسال باشا آخر من هناك، فأصبح هم الباشاوات جمع أكبر قدر ممكن من الأموال طوال فترة حكمهم، دون أن يولوا الحكم أي اهتمام، ما أدى إلى ثورة الإنكشاريين ضدّهم.

عهد الآغاوات

بدأ هذا العهد سنة 1659، بعد أن ثار الإنكشاريين على الباشاوات الذين صاروا موظفين فقط برئاسة الاحتفالات الرسمية وبعقد المعاهدات، حيث تقرر إعطاء السلطة التنفيذية للأغا رئيس الفرقة العسكرية، أما السلطة التشريعية فقد تقرر أن تكون بيد الديوان وبالتالي أصبحت طائفة الرياس التي ينتمي إليها الباشا تحتل مكانة ثانوية في شؤون الحكم.

يرجع سبب انعدام الأمن وكثرة الاغتيالات إلى طبيعة تعيين الآغا

هذه الفترة التي تواصلت إلى غاية سنة 1671، تعتبر أقصر فترات الحكم العثماني في الجزائر، حيث عرفت فيها البلاد اضطرابات سياسية كبيرة في نظام الحكم، من انقلابات واغتيالات وفساد، وتعرّض الحكم التركي فيها لهزات عنيفة عجز فيها عن توفير الأمن والاستقرار الداخلي.

ويرجع سبب انعدام الأمن وكثرة الاغتيالات إلى طبيعة تعيين الآغا، والمتمثلة في انتخاب آغا جديد من طرف الجند كل شهرين حسب الأقدمية من بين ضباط الإنكشارية بعدما كان الحاكم يعين من قبل السلطان العثماني خلال مرحلتي " البيلربايات"، و "الباشاوات "، وهو ما يشكل بحد ذاته خطرا على السلطة، انعكس بدوره سلبا على المجتمع.

عهد الدايات

مع اغتيال علي أغا عام 1671، تمّ ألغاء نظام الآغاوات بقرار من ديوان الأوجاق، وتمّ تعويضه بنظام الدايات، حيث يظل الداي في الحكم طوال حياته دون أن يكون له الحق في تعيين من يخلفه، وامتدّ هذا النظام إلى غاية سنة 1830، سنة احتلال الجزائر من قبل الفرنسيين.  

يعتبر نظام الدايات انتصارا لطائفة الرياس، كما يدل ذلك على اختيار الدايات الأربع الأولين من بين طائفة الرياس، ومن فترة 1671 إلى 1689 كان الدايات ينتخبون من طرف الرياس، ثم استرجع الأوجاق نفوذهم، فأصبح الداي يختار من بين ضباط الإنكشارية، وذلك بسبب الحملات الأوروبية على السواحل الجزائرية خلال عهد الدايات والتي ألحقت أضرارا كبيرة بالأسطول الجزائري وأضعفت مركز الرياس.

في هذه الفترة بقي ارتباط الجزائر بالباب العالي شكلي

تعتبر فترة الدايات من أهم الفترات التي مرت بها الجزائر، حيث دامت مدة 159سنة و هي تعادل نصف تاريخ التواجد العثماني بالجزائر، وعرفت هذه الفترة استقلالا نوعيا للجزائر عن السلطة العثمانية المركزية، حيث احتفظ العثمانيين لأنفسهم بسلطات شكلية في الجزائر تمثلت بصفة خاصة في الدعاء للسلطان العثماني في صلاة الجمعة و الاعتراف بمراسيم التعيين و التعاون في مجال الحروب ، بحيث تقوم الجزائر بتقديم المساعدة العسكرية للبحرية العثمانية في حالة تعرض تركيا للاعتداء، و  كذا في تقديم دايات الجزائر لهدايا أثناء المناسبات الدينية و السياسية.