دخل الحياة العسكرية مجبرًا، يهوى كتابة الأغاني وقرض الشعر، لا يجيد السيطرة على انفعالاته، مثير للجدل حتى في سكناته، فجأة ومن دون سابق إنذار عُين رئيسًا للهيئة العامة للرياضة بالسعودية، ليصبح أحد القلائل المشار لهم بالبنان ممن حظوا بثقة ولي العهد ابن سلمان وباتت لهم كلمتهم المسموعة، إنه تركي آل الشيخ.

تداول اسمه كثيرًا في وسائل الإعلام القاهرية في الآونة الأخيرة بعدما بات الرقم الأكثر تأثيرًا في الخريطة الكروية المصرية إثر اختياره رئيسًا شرفيًا لأكبر أندية الكرة في مصر وإفريقيا "النادي الأهلي" بعدما قدم أوراق اعتماده رسميًا عبر بوابة إنهاء صفقة لاعب الأهلي عبد الله السعيد، ليثير موجة من الجدل داخل الشارع الرياضي المصري.

نفوذ آل الشيخ داخل الأهلي الذي تجسد في كثير من المواقف أثار حالة من القلق لدى الكثير من المصريين خاصة أن الرجل لم يكتف بنادي القرن فقط، بل تجاوز ذلك إلى تقديم دعم وعطايا غير مسبوقة لبعض الأندية الأخرى، وهو ما فرض الكثير من التساؤلات عن الدوافع الحقيقية وراء هذا التوغل في مفاصل الرياضة المصرية ليكتمل مثلث القلق المصري من النفوذ السعودي (سياسيًا - اقتصاديًا - رياضيًا).

العسكري المثير للجدل

ولد تركي في الـ4 من سبتمبر عام 1981 في الرياض، لأسرة متوسطة الحال، فوالده كان يعمل موظفًا في رعاية الشباب، إلا أنه كان مقربًا من العائلة المالكة، وتحديدًا من الأمير فيصل بن فهد والأمير سلطان بن فهد (الرئيسان السابقان للاتحاد العربي السعودي لكرة القدم).

سعت الرياض إلى تعزيز نفوذها وتأثيرها على دوائر صناعة القرار في بقية العواصم العربية، ومع سيطرتها المالية على صناعة الترفيه في المنطقة، اتخذت المملكة الرياضة وسيلة لمد نفوذها، بضخ المزيد من الاستثمارات في هذا القطاع

هذه الصلة كانت القفزة التي سرعت من وتيرة تدرج تركي في المناصب عامًا تلو الآخر، فبعد تخرجه في كلية الملك فهد الأمنية 2001، التحق بالعمل في وزارة الداخلية بإمارة الرياض، ثم مكتب وزير الدفاع وديوان ولي العهد بـ"المرتبة الممتازة" عام 2015، وصولاً إلى تعيينه مستشارًا للديوان الملكي برتبة وزير في يونيو 2017، وذلك قبل أن يتم اختياره رئيسًا للهيئة العامة للرياضة في الـ6 من سبتمبر 2017، في خطوة قيل وقتها إنها مدعومة من ولي العهد محمد بن سلمان.

وصف بـ"المثير للجدل" بسبب القرارات المفاجئة التي يتخذها وربما يكون لها تداعيات سلبية غير أن قربه الشديد من ابن سلمان وثقة الأخير فيه كانت الضامن لبقائه في منصبه رغم تعدد المطالب التي تنادي برحيله والإطاحة به، فبعد أشهر قليلة من توليه رئاسة الهيئة قام بسلسلة من الإقالات شملت رؤساء 3 أندية كبرى (الهلال والنصر واتحاد جدة)، والمدير الفني الأرجنتيني للمنتخب السعودي إدجاردو باوزا، وهو ما أثار الجماهير السعودية ضده أكثر من مرة.

الأمر لم يتوقف عند التخبط الداخلي وفقط، بل تجاوز حدود بلاده ليثير الرجل الجدل خارجيًا إلى الحد الذي بات يهدد فيه علاقات المملكة بجيرانها، حيث فتح النار على عدد من ممثلي الاتحاد الآسيوي لكرة القدم، على خلفية ممارسات اعتبرها ضد كرة القدم في بلاده طوال الفترة الماضية، هذا بخلاف تغريدته الشهيرة في الـ22 من يناير الماضي التي أغضبت الكوييتين، شعبيًا ورسميًا، إذ وصف خلالها وزير الرياضة الكويتي خالد الروضان بأنه "مرتزق"، على خلفية زيارة الأخير إلى قطر.

لعب تركي آل الشيخ دور البطولة في إتمام صفقة عبد الله السعيد

"القوى الناعمة" للنفوذ السعودي

في السنوات الأخيرة، سعت الرياض إلى تعزيز نفوذها وتأثيرها على دوائر صناعة القرار في بقية العواصم العربية، ومع سيطرتها المالية على صناعة الترفيه في المنطقة، اتخذت المملكة الرياضة وسيلة لمد نفوذها، بضخ المزيد من الاستثمارات في هذا القطاع، على رأسها مصر على سبيل المثال.

عصر الثلاثاء الـ13 من مارس/آذار الحاليّ توجه تركي آل الشيخ مستقلاً سيارته الخاصة إلى مقر النادي الأهلي بمنطقة الجزيرة بمحافظة الجيزة، وهي الزيارة الأولى له للنادي بعد أن عين رئيس شرفي له بناء على قرار من رئيس النادي محمود الخطيب عقب فوزه في الانتخابات التي جرت مؤخرًا، ليصبح بذلك أول رئيس شرفي لنادي مصري.

كواليس الاستقبال الحافل للشيخ خلال زيارته للأهلي وحضوره تمرينات اللاعبين في ملعب "مختار التتش" أثارت استياء الكثير من الجماهير، خاصة تلك الصورة الملتقطة لانحناء رئيس النادي الأهلي أمام تركي خلال جلوسهما في المنصة الرئيسية للمعلب، غير أن مدير التعاقدات بالنادي عدلي القيعي، علق عليها بقوله إن الصورة طبيعية جدًا، لافتًا إلى أن ذلك حدث بسبب ظروف خاصة بالخطيب ليس من حق أحد أن يتدخل فيها.

لم يكن اسم تركي آل الشيخ مطروحًا على خريطة الإعلام المصري قبل هذا اليوم، لكن الرجل وبسرعة الصاروخ وفي أقل من ساعات بات حديث الصحف والفضائيات، المصرية منها والسعودية، وذلك بعدما نجح في القيام بدور البطولة في إنهاء أزمة اللاعب عبد الله السعيد، تلك الصفقة التي أثارت الجدل في الشارع الكروي المصري طيلة الأيام الماضية بعد التنافس الشديد بين قطبي الكرة في مصر، الأهلي والزمالك، للحصول على توقيع اللاعب بعد انتهاء مدة تعاقده.

وبينما ألمح رئيس الزمالك مرتضى منصور، عن قرب انتهاء الصفقة لصالحه، في الوقت الذي كانت فيه القلعة الحمراء تستعد لرفع الراية البيضاء إيذانًا باستسلامها للعرض الزملكاوي، فوجئ الجميع في أقل من بضع ساعات، باللاعب يجدد للأهلي، في خطوة أثارت الكثير من الجدل، وحين حاول الجميع معرفة سر هذا التحول المفاجئ، كانت الإجابة: تركي آل الشيخ.

"الكفيل السعودي" كما يحلو لبعض الجماهير الأهلاوية أن تسميه، وإن نجح في إنهاء صفقة السعيد، غير أنه فجر بركانًا داخل النادي الأهلي

نجح رئيس هيئة الرياضة السعودية والرئيس الشرفي للنادي الاهلي المصري في إقناع اللاعب - بالمال - في البقاء في ناديه الأصلي، والتراجع عن التوقيع لغريمه التقليدي الزمالك، وذلك بعدما رفع قيمة العقد للرقم الذي لم يستطع اللاعب رفضه أو التعليق عليه (40 مليون جنيه - 2.4 مليون دولار)، ليصبح الشيخ بعدها بطلًا قوميًا لدى بعض المحبين لنادي القرن وإن كان في الوقت ذاته أثار استياء آخرين ممن تخوفوا من زيادة نفوذ الرجل داخل النادي التي ربما تؤثر في قراره مستقبلاً.

"الكفيل السعودي" كما يحلو لبعض الجماهير الأهلاوية أن تسميه، وإن نجح في إنهاء صفقة السعيد، غير أنه فجر بركانًا داخل النادي الأهلي، خاصة بعد اتهام البعض للإدارة بخضوعها لإملاءاته المتمثلة في التدخل لإبقاء اللاعب في صفوف النادي بعد أن كان على بعد خطوات من الانتقال لناد آخر.

الأمر لم يتوقف عند السعيد فقط، فقد تكفل أيضًا بقيمة صفقة انتقال صلاح محسن للأهلي التي قدرت بـ35 مليون جنيه (مليوني دولار)، كذلك صفقة اللاعب أحمد فتحي التي بلغت 500 ألف دولار، فيما كشف في تصريحات له أن 4 لاعبين "سوبر" من العيار الثقيل، سينضمون إلى النادي قريبًا.

وسرت تساؤلات عن طبيعة دور آل الشيخ في الأهلي، وقارن البعض بين حقيقة صلاحياته مقارنة برئيس النادي المنتخب محمود الخطيب الذي كشف بنفسه أن الاتصالات بينهما بدأت قبل 4 شهور من خوضه انتخابات الجمعية العمومية، وهو ما دفع البعض إلى التلميح بوجود انقسامات داخل مجلس إدارة النادي بسبب تلك الصلاحيات ولعل هذا ما دفع بعض أعضاء المجلس لعدم المشاركة في استقبال آل الشيخ خلال زيارته للنادي.

افتتح الموفد السعودي بطولة الألعاب الإلكترونية في إستاد القاهرة الدولي، التي حملت الدورة الأولى للبطولة اسمه، إذ رصد جوائز للبطولة تصل قيمتها إلى مليوني جنيه

اهتمامات الرجل لم تتوقف عند الرياضة فحسب

اختراق الرياضة المصرية

نفوذ رئيس هيئة الرياضة السعودية مصريًا لم يتوقف عند النادي الأهلي وفقط، فرغم العداء التاريخي بين قطبي الكرة المصرية، فإن ذلك لم يكن حائلاً أمام الرجل ليغدق بأمواله على الزمالك عبر تحمل كلفة شراء بعض الصفقات على رأسها اللاعب التونسي حمدي النقاز الذي أرسل السعودي ثمن الصفقة بالكامل إلى ناديه النجم الساحلي التونسي.

حتى حين انتفض رئيس الزمالك اعتراضًا على تحول موقف عبدالله السعيد الذي كان قاب قوسين أو أدنى من التوقيع للقلعة البيضاء، ووقع للأهلي في اللحظات الأخيرة، تحمل آل الشيخ مسؤولية تهدئة الأجواء مع الغريم التقليدي للنادي الذي يرأسه شرفيًا، وذلك عبر جلسة من المفترض أن تجمع بينهما خلال الساعات القادمة، من المرجح أن يقدم فيها عروضًا للزمالك وصفقات جديدة في مقابل غلق صفحة السعيد نهائيًا.

كذلك افتتح الموفد السعودي بطولة الألعاب الإلكترونية في إستاد القاهرة الدولي، التي حملت الدورة الأولى للبطولة اسمه، إذ رصد جوائز للبطولة تصل قيمتها إلى مليوني جنيه مقسمة إلى 500 ألف جنيه لصاحب المركز الأول، 300 ألف للمركز الثاني، 150 ألفًا للثالث و50 ألفًا للرابع، كما سيتم توزيع مليون جنيه على 100 متسابق بواقع 10 آلاف من المركز الخامس حتى الـ105.

غير أن اهتمامات الضابط السابق لم تتوقف عند الرياضة فحسب، فالرجل يهوى كتابة الشعر والأغاني، وقد حرص خلال وجوده في القاهرة، على الظهور مع فنانيين مصريين مثل عمرو دياب ومحمد هنيدي ومحمد حماقي، إلى جانب لفيف من نجوم الفن والمجتمع.