ليس سرًا أن الدولة العثمانية كانت واحدة من أكثر الدول أو الإمبراطوريات قوة في الحضارة والثقافة بأشكالها المختلفة من عمارة وفنون وموسيقى وغيرها. والباحث في الموسيقى التركية سيجد أنها غارقة في القدم وأنّ قدمها هذا ساعد في تطورها واتساعها واستيعابها للعديد من الأنماط الموسيقى الحديثة.

بدأ النمو المتسامي للموسيقى في الدولة العثمانية خلال القرن الثالث عشر، خاصة مع إدخال "المقامات" إلى المقطوعات، والمقامات عبارة عن سلالم موسيقية تتألف من مقاطع متتالية بطرق مختلفة ما ينتج عنها نغمات مميزة متنوعة، وعلى الرغم من أنّ تاريخ المقامات يعود إلى ما قبل العثمانيين بكثير، إلا أنهم استوعبوا هذه الثقافة وأضافوا عليها الطابع العثماني أو التركيّ الخلّاق.

هناك أكثر من 600 مقام تمّ استخدامها في الموسيقى العثمانية حتى الآن، 119 تم تحديدها رسميًا على الأقل، 20 منها هي أكثرها شهرة واستخدامًا على نطاقٍ واسع. ويمثّل كلّ مقام في الصوفية حالةً نفسية وروحية خاصة تتميز عن غيرها بشكلٍ واضحٍ وجليّ، لذلك ما تصلح له بعض المقامات من محتوى قد لا تصلح له غيرها.

خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر أخذت الموسيقى منحىً أكثر منهجيةً واحترافيةً في الدولة، إذ بدأت الابحاث والمؤلفات حول الموسيقى العثمانية تبدأ بالظهور، مما أدى في وقتٍ لاحق إلى تدريسها وتخصيص الصفوف والحلقات لتعلمها وتطويرها، لا سيّما في حدائق القصور وبلاط السلاطين الذين عُرف عنهم حبهم للموسيقى وللاستماع إليها، أو تعلمها وتأليفها عند بعضهم.

وعلى الرغم من أنّ النخبة التي اختصت بالموسيقى واقتصر تعلمها عليها أولت أهمية بالغة للتراث الثقافي الأناضولي القديم واستكشافه أكثر، إلا أنّ اتساع الرقعة الجغرافية للدولة وتنوع الحضارات والثقافات التي انطوت تحت لوائها أنتج خصوصية ثقافية متنوعة من حيث غنى المحتوى وتنوع العناصر، فكان هناك الموسيقى التركية والعربية والبلقانية والإفريقية وغيرها الكثير.

في أواخر القرن الثامن عشر إلى نهاية القرن التاسع عشر أثّر الانفتاح الكبير على أوروبا وحركة التنوير الغربي بشكلٍ كبير على الموسيقى التركية، حيث لعبت الموسيقى الشعبية فجأة دورًا مركزيًا، وظهرت حركات جديدة جمعت ما بين الموسيقى العثمانية التقليدية من جهة والغربية المعاصرة من جهة أخرى. كما لعب التنوع العرقي الكبير في تركيا آنذاك دورًا كبيرًا في إثراء المشهد الموسيقي وزيادة حيويته مع التأثيرات الموسيقية اليونانية والأرمينية والكردية والألبانية والآذرية واليهودية.

أما الأدوات الموسيقية التقليدية التي تم استخدامها في تلك الفترة فلعلّ أشهرها هي الطنبور التي تشبه العود غير أنها أطول عنقًا، ولو تمعّنا في تاريخ الآلات الوترية في حياة الموسيقى الشرقية لوجدنا أنّ آلة الطنبور هي المصدر الأساسيّ لآلاتٍ عديدة مثل العود والبزق والباغلامه المتداولة حاليًا بكثرة في المجتمعات التركية والكردية.

كما استحوذ الناي على مكانةٍ مهمة وكبيرة في صفّ الأدوات المستخدمة قديمًا، خاصة في الموسيقى الصوفية التي اشتهرت أساسًا بنغمات الناي الذي يُعدّ وسيلة "للجذب الإلهي"، كما يُعتبر أكثر الآلات الموسيقية ارتباطا بعازفه وروحه.

خلفاء وسلاطين أحبوا الموسيقى وألّفوها


السلطان عبد العزيز​

وعلى مستوى السلاطين والخلفاء، فقد برع عددٌ منهم في دراسة الموسيقى وتعلمها وتأليفها، مثل السلطان عبد العزيز الذي وعلى الرغم من تلقيه تعليمًا عثمانيًا مثله مثل بقية السلاطين، إلا أنه كان معجبًا بقوة بالتقدم المادي والفني الذي كان يحرزه الغرب في تلك الفترة، فسعى إلى دراسة الأدب والموسيقى الكلاسيكية التي ألّف بعضًا منها، وتمّ تجميع بعضها لاحقًا في ألبوم "الموسيقى الأوروبية في بلاط العثمانيين" من قبل أكاديمية لندن للموسيقى العثمانية.

يُذكر أنّ على إثر وصول السلطان عبد العزيز إلى لندن عام 1867 كضيف للملكة فيكتوريا، استقبلته الفرق الموسيقية للملكة بمقطوعة " La Gondole Barcarolle"، إحدى مؤلفاته الكلاسيكية الخاصة، وقد كانت الصحافة الأوروبية آنذاك مندهشة من أنّ سلطانًا عثمانيًا قد امتلك القدرة الفائقة على تأليف الموسيقى وعزفها أو حتى اعتمادها في دور الموسيقى الإيطالية بشكلٍ يُحتفى به.

وكان السلطان سليم الثالث محبًا رائعًا للموسيقى وملحنًا متمرّسًا بقوة. ويُقال بأنه عمل على تأليف أربعة عشر مقامٍ لحنيّ ثلاثة منها ما تزال تستخدم حتى يومنا هذا، أما موسيقاه فتنوعت ما بين الموسيقى التركية التقليدية وما بين الموسيقى الكلاسيكية الأوروبية، كما عُرف عنه اهتمامه وحبه للعزف على آلتي الناي والطنبور بشكلٍ متمكن.

إضافةً لذلك، فقد ارتبط اسم سليم الثالث بالموسيقى العثمانية نظرًا لتشجيعه للموسيقيين في عصره، واهتمامه البالغ بدور الموسيقى وحلقات تعليمها، وكان هو أول من استقبل فرقة أوبرا في التاريخ العثماني واحتفى بها في القصر الخلافيّ. ولم تكن الموسيقى عنده كهواية كما لم تقتصر على وقتٍ معين أو طقس خاص، وإنما اعتبرها فلسفة تستدعي الاهتمام البالغ ما جعل منه رجلَ دولة في المقام الأول وموسيقيًّا في المقام الثاني ألف ما يقارب 117 عملًا فنيًا.