يتفق التونسيون بعد سبع سنوات من الثورة، على وجود أزمة حادة مست مجالات عدة في البلاد، غير أنهم يختلفون في أسبابها وطرق معالجتها، كل يشخصها حسب مصلحته، حتى إن البعض منهم أرجع سببها إلى طبيعة النظام السياسي الذي أقره دستور فبراير/شباط 2014.

أزمات عديدة

يجمع التونسيون على تواصل الأزمة التي تمر بها بلادهم منذ سنوات عدة، ففي المجال السياسي لا تكاد تمر سنة دون أن تتشكل حكومة جديدة، فخلال السبع سنوات الماضية شهدت تونس تشكيل 9 حكومات متتالية على يد سبع رؤساء حكومة، لم يدم مكوث أطولها مدة في القصبة أكثر من سنة ونصف، وكل حكومة تشهد بدورها أكثر من تعديل وزاري، حتى إن بعض الوزراء لم يتمكنوا من معرفة أروقة وزاراتهم.

ومن المنتظر أن تشهد البلاد حكومة عاشرة في قادم الأيام بعد احتدام الصراع بين الرئيس الباجي قائد السبسي ورئيس الحكومة يوسف الشاهد، وفقدان هذا الأخير للحزام السياسي الذي يدعمه عقب انسحاب أطراف عديدة من حكومة الوحدة الوطنية التي تشكلت بموجب اتفاق وثيقة قرطاج.

معظم التونسيين يعيشون في توتر متواصل نتيجة خشيتهم من تواصل هذا الانهيار الاقتصادي الذي أثر سلبًا على مقدرتهم المعيشية

كما أن التوافق الذي تروج له تونس كونه أحد أعمدة نجاح التجربة الديمقراطية في البلاد، كثيرًا ما شهد انتكاسات كاد بعضها أن ينهي العمل به، وترجع البلاد إلى نقطة الصفر والصراع الإيديولوجي والانقسام الحزبي.

وفي المجال الاقتصادي، يعرف الاقتصاد التونسي أزمة حادة رغم الإصلاحات القاسية وسياسة التقشف التي اعتمدتها الحكومات المتتالية، حيث تراجعت نسب النمو وازداد العجز التجاري في البلاد وتراجع احتياطي العملة الصعبة وارتفع التضخم، فضلاً عن ارتفاع حجم الدين وتوقف الإنتاج في العديد من القطاعات.

أما اجتماعيًا، فمعظم التونسيين يعيشون في توتر متواصل نتيجة خشيتهم من تواصل هذا الانهيار الاقتصادي الذي أثر سلبًا على مقدرتهم المعيشية، ووفقًا لإحصاءات رسمية تراجعت المقدرة الشرائية للمواطن التونسي في السنوات الأخيرة بأكثر من 42%، نتيجة انخفاض معدلات النمو الاقتصادي، وهو ما يُجبر الأسر التونسية على اللجوء إلى التداين بمختلف أنواعه لسد نفقات الحياة الضرورية.

ارتفاع حدة الاحتجاجات نتجية تدهور الأوضاع

يبرز تراجع إمكانات التونسي من خلال كثرة التداين وتراجع الادخار، وتشير إحصاءات جامعة المصارف إلى أن ثلثي حسابات التونسيين البنكية في الدائرة الحمراء، رغم أن التوصيات الموجهة للبنوك تفيد بالتقليص من السحب على المكشوف، نظرًا لعدم توفر السيولة، وتفيد إحصاءات رسمية، ارتفاع نسبة التداين لدى التونسيين خلال الخمس سنوات الأخيرة إلى أكثر من 50% من الدخل الفردي السنوي، تذهب جميعها لتسديد ديون المعيشة اليومية، وهو ما يؤكد تدهور القدرة الشرائية لمعظم التونسيين.

تعديل نظام الحكم

لتجاوز هذه المشاكل رأت بعض الأحزاب والشخصيات الوطنية وعلى رأسهم رئيس البلاد، ضرورة تغيير النظام السياسي الذي أقره دستور فبراير/شباط 2014، فهذا النظام حسب هذه الأطراف المسؤول عن هذه الأزمات المتعددة، ويرى الداعون إلى تغيير النظام السياسي للبلاد أن النظام الحاليّ له دور كبير في تأزم الوضع السياسي والحكومي والحياة العامة في تونس، ذلك أنه يقسم الصلاحيات بين عدة أطراف ولا يجمعها عند طرف واحد.

يرى المناصرون لهذا التوجه أن نظام الحكم الحاليّ "برلماني معدل"، قاد إلى إضعاف أداء مؤسسات الدولة وسلطة القرار

تتكون السلطة التنفيذية في تونس من رأسين: رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، الأول منتخب مباشرة من الشعب، لكنه لا يتمتع بصلاحيات واسعة، وتقتصر على تعيين مفتي الجمهورية وإعفائه، والتعيينات والإعفاءات في الوظائف العليا برئاسة الجمهورية والمؤسسات التابعة لها، وتعيين محافظ البنك المركزي باقتراح من رئيس الحكومة، وبعد مصادقة الأغلبية المطلقة لأعضاء مجلس نواب الشعب، والثاني منتخب من الأغلبية داخل البرلمان وله كل  الصلاحيات.

وسبق أن اعتبر الرئيس السبسي في سبتمبر 2017، أن النظام السياسي المنبثق عن الدستور الحاليّ يشكو هنات عدة، وهو نظام شل العمل الحكومي أو يكاد، وطابعه الهجين لا يساعد الحكومة ـ أي حكومة ـ والسلطة التنفيذية عمومًا على القيام بواجباتها في تسيير الدولة وتحقيق التنمية في إطار مجتمع ديمقراطي تتحقق فيه قيم الحرية والكرامة، حسب قوله.

 السبسي يريد نظام رئاسي كي يحكم السيطرة على البلاد

وخلص الباجي قايد السبسي في تصريحاته المثيرة للجدل إلى القول: "في تونس نعيش في ضوء نظام سياسي شاذ فيه من الحرص على استقلالية عمل المؤسسات حد التعطيل والشلل، وفيه كذلك من إفراد بعض الهيئات المستقلة بصلاحيات استثنائية حد التغول على الدولة والمؤسسات الدستورية ذاتها، بما فيها مجلس نواب الشعب صاحب السلطة الأصلية والأم في النظام السياسي الحاليّ، وكل ذلك كان يتم تحت شعار الاستقلالية"، حسب قوله.

ويرى المناصرون لهذا التوجه أن نظام الحكم الحاليّ "برلماني معدل"، قاد إلى إضعاف أداء مؤسسات الدولة وسلطة القرار نتيجة اختلال التوازن بين صلاحيات رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة ورئاسة البرلمان في وقت تحتاج فيه تونس إلى دولة قوية تنأى بنفسها عن سياسات الأيادي المرتعشة، في معالجة الأوضاع العامة، كما ساهم في بطء تركيز مؤسسات الدولة والهيئات الدستورية التي نص عليها الدستور.

المشكلة في الحاكم وليس في نظام الحكم

تحميل النظام السياسي الذي أقره المجلس الوطني التأسيسي، مسؤولية ما وصلت له البلاد، يراه البعض أمرًا مجانبًا للصواب، ذلك أن هذا النظام لم يمر على بدء العمل به أكثر من 4 سنوات، وهي فترة قصيرة لتقييم نظام سياسي وإثبات فشله.

ويؤكد خبراء في القانون الدستوري أنه لا يمكن تقنيًا تعديل الدستور التونسي في الوقت الحاليّ، على اعتبار أن المحكمة الدستورية طرف أساسي في المسار وهي لم تتركز بعد، إلى جانب ذلك يتضمن دستور تونس الجديد فصولاً تم التنصيص على أنه "لا يجوز تعديلها"، تمثل أساسًا في الفصول التي تحدد دين الدولة ونظامها وباب الحقوق والحريات والفصل المتعلق بتحديد عدد الدورات الرئاسية.

منح نظام الحكم، البرلمان، صلاحيات التشريع والرقابة ومنح الثقة للحكومة وسحبها منها والرقابة على عملها

ويرجع محللون سبب ما آلت إليه أوضاع البلاد إلى الفشل الكبير الذي أظهرته المؤسسات الحاكمة على جميع المستويات، ذلك أن الائتلاف الحاكم هو المسؤول المباشر عن تأزم الوضع في تونس، وهو الذي أوصل البلاد إلى الحال التي تعرفها الآن نتيجة سوء تصرفه وتوجهه إلى الصراعات السياسية عوض الاهتمام بوضع البلاد.

وشهدت تونس خلال صياغة الدستور الجديد، نقاشات معمقة واستشارات داخل لجنة النظام السياسي في المجلس الوطني التأسيسي بشأن طبيعة النظام السياسي، انتهت باعتماد النظام البرلماني المعدل الذي منح البرلمان صلاحيات التشريع والرقابة ومنح الثقة للحكومة وسحبها منها والرقابة على عملها، وأسند لرئاسة الحكومة أغلب الصلاحيات التنفيذية، في حين بقي رئيس الجمهورية ذو صلاحيات محدودة في مجالي الدفاع والسياسة الخارجية.