في الـ9 من ديسمبر الماضي، أعلن رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي انتهاء الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" وسيطرة قواته بشكل كامل على الحدود العراقية السورية من منفذ الوليد إلى منفذ ربيعة، بينما كان الانتشار العسكري والأمني والاستخباري لقواته في مختلف المدن العراقية، يوحي بعكس ذلك.

وبينما كان العبادي يعلن النصر على تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" من جانب واحد، كانت خلايا التنظيم النشطة تستجمع قواها وتحين خططها وتكتيكاتها لتتأقلم مع المتغيرات الجديدة، فـ"الخلافة" سقطت والرعية خرجوا، والقوات والميليشيات العراقية والشيعية المدعومة من التحالف الدولي أصبحت سيدة القرار في دولة كانت نصف مساحتها خاضعة لسيطرة مقاتلي أبي بكر البغدادي.

عندما أعلن رئيس الوزراء العراقي انتهاء تنظيم الدولة في شهر ديسمبر الماضي، شكك خبراء وباحثون وعسكريون غربيون في حقيقة ذلك، بل عبروا عن خشيتهم من أن يكون العبادي قد استبق الأمر خاصة أن كل الوقائع والمؤشرات تؤكد تواصل نشاط خلايا التنظيم النائمة واستحالة القضاء عليها في أشهر قليلة.

عجز الحكومة عن الإيفاء بالتزاماتها تجاه المواطنين المتضررين من تدمير مدنهم ومنازلهم كان له الأثر البالغ في إعادة تشكيل حاضنة شعبية مؤقتة للجهاديين وللخلايا النائمة التي عجزت الاستخبارات العراقية عن كشف أكثرها

رد تنظيم الدولة على العبادي لم يتأخر كثيرًا، فبعد أيام قليلة، قُتل وجُرح عدد من الأمنيين والعسكريين والمدنيين في مناطق متفرقة من العراق على غرار العاصمة بغداد وكركوك والحويجة، جراء تفجيرات ومواجهات نفذها مقاتلوه، ليعلن تواصل وجوده رغم إعلان النصر عليه من جانب الحكومة العراقية.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقبل أيام قليلة، قُتل وجرح عشرات من القوات العراقية وميليشيا الحشد الشعبي جراء عمليات نفذها تنظيم الدولة في مناطق متفرقة من كركوك، بطرق مختلفة كان أخطرها إقامته لحاجز تفتيش وهمي على طريق طوزخورماتو ـ داقوق، الموازي لسلسلة جبال حمرين، عندما أعدم 8 من أفراد الشرطة الاتحادية وبث صورًا لذلك.

يطرح تواصل وجود تنظيم الدولة الأمني في مناطق متفرقة من العراق أسئلة عديدة على المراقبين والباحثين ومتابعي تطورات المشهد العراقي، يبقى أهمها سر نجاح التنظيم في التحرك بحرية وإقامة الحواجز الوهمية واستهداف الأمنيين والعسكريين والمدنيين متى ما قرر ذلك.

خلال إعلانه الانتصار على تنظيم الدولة في شهر ديسمبر الماضي، لم يكن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي يعلم أن سياسته المتخبطة لمرحلة ما بعد طرد التنظيم ستؤدي إلى ما لا يحمد عقباه، فعجز الحكومة عن الإيفاء بالتزاماتها تجاه المواطنين المتضررين من تدمير مدنهم ومنازلهم كان له الأثر البالغ في إعادة تشكيل حاضنة شعبية مؤقتة للجهاديين وللخلايا النائمة التي عجزت الاستخبارات العراقية عن كشف أكثرها.

في ذات السياق، وبينما كان العبادي يستعد لإلقاء خطاب النصر وإعلان السيطرة على الحدود العراقية السورية، كان المئات من الجهاديين يصولون ويجولون في تلك المنطقة، وكل همهم إعادة ترتيب أمورهم وتحيين خططهم الأمنية بما يتماشى مع طبيعة المرحلة الراهنة وهي مرحلة شبيهة بسنوات ما قبل إعلان "الخلافة".

تكرار تجربة 2014 وسقوط المدن عسكريًا بقبضة تنظيم الدولة، يبدو صعبًا في الوقت الراهن إن لم يكن مستحيلاً

عندما سقطت مدينة الموصل وأعقبتها تلعفر، سقط تنظيم الدولة عسكريًا بالضربة القاضية، ولكنه لم يسقط أمنيًا، وهذا ما حاول إخفاءه المسؤولون العراقيون الذين تعجلوا إعلان النصر الشامل، ورغم أنهم أعدوا الخطط العسكرية والسيناريوهات المتوقعة في حربهم الأمنية مع الجهاديين، فإن التحركات غير المحسوبة لحكومة بغداد وخاصة منها اجتياح كركوك ومعاداة الأكراد، كان لها الأثر البالغ في فقدان السيطرة على مناطق متفرقة من العراق.

يتخوف العراقيون اليوم من تكرار سيناريو 2014 وسقوط المدن من جديد بيد تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" وعودة الأمور إلى ما كانت عليه، بينما يتخوف المسؤولون في بغداد من خروج الأمور عن السيطرة بسبب عدم التزامهم بوعودهم بإعمار المدن المحررة؛ مما قد يصب في مصلحة الجهاديين الراغبين في إعادة تكوين حواضن شعبية في حربهم المستمرة.

إن تكرار تجربة 2014 وسقوط المدن عسكريًا بقبضة تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، يبدو صعبًا في الوقت الراهن إن لم يكن مستحيلاً، ولكن في المقابل، فإن سقوط المدن أمنيًا سيتواصل بسبب السياسة الطائفية والمتخبطة التي تنتهجها حكومة حيدر العبادي، لذلك فمن الممكن أن نشهد خلال الفترة المقبلة هجمات وحوادث أكثر دموية من أي وقت مضى.