ترجمة وتحرير: نون بوست

إن التفكير السليم يوحي بأن إيران ستقوم بالتخفيف من حدة أساليبها وتدابيرها نظرا لتزايد الضغوط المحلية والدولية المسلطة عليها. ولكن، لا يمكن للمرء أن يزعم أن حكام طهران لا يفكرون بشكل سليم، على غرار ما شاع عن الزعيم الليبي معمر القذافي.

لمدة أربعة عقود، ظل النظام الإيراني متشبثا باتباع نهج عملي وحيد يضع هدف الحفاظ على نفوذه على رأس أولوياته. وليلة الأحد، أصبح المدنيون السعوديون هدفاً لسبعة صواريخ باليستية أطلقها المسلحون الحوثيون المدعومون من قبل إيران  من اليمن. وحسب ما ورد في التقارير الإعلامية، أطلق المتمردون الحوثيون الموالون لإيران ثلاثة صواريخ استهدفت الرياض وأربعة آخرين على مدن خميس مشيط وجازان ونجران الجنوبية.

حسب ما ورد في التقارير الإخبارية، استطاعت بطاريات منظومة الدفاع الجوي "باتريوت" التابعة للرياض أن تدمر قذيفة واحدة على الأقل متجهة إلى منطقة حضرية. وتسمح هذه البطاريات القابلة للبرمجة للصواريخ المتجهة إلى المناطق النائية الخالية من المدنيين، أن تنفجر على الأرض، لذلك لا تحتاج السعودية إلى تركيز صواريخ باتريوت باهظة الثمن.

من جانب آخر، أدت هذه المستجدات في الملف السعودي اليمني إلى إثارة الكثير من ردود الفعل السلبية. فقد أدانت الأمم المتحدة، والكثير من دول الشرق الأوسط، فضلا عن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، عن الهجمات الصاروخية التي تعرضت لها الرياض، مؤكدة التزامها بدعم المملكة. وعلى الرغم من تاريخ لندن الطويل في السعي للحفاظ على العلاقات مع طهران وتوسيع العلاقات الاقتصادية معها، إلا أنها أعربت عن استنكارها الشديد لآخر المستجدات.

ورد في بيان مشترك صادر عن وزير الخارجية بوريس جونسون، ووزيرة التنمية الدولية بيني مورداونت: "نحن نتساءل لماذا تنفق إيران عائدات كبيرة في بلد لا تربطه به روابط تاريخية حقيقية أو مصالح مشتركة". وقد تضمن هذا البيان دعوة طهران إلى وقف نقل الأسلحة إلى اليمن. وفي الحقيقة، يعد هذا البيان اختبارا حاسما لإيران لإثبات أنها تُفضل إنهاء العنف وإحلال السلام في أفقر دولة في العالم العربي. ومن المتوقع أن النظام الإيراني سيفشل في اجتياز هذا الاختبار نظرا لأنه يهوى التدخل في الأزمات التي تحدث في منطقة الشرق الأوسط.

مع تعيين وزير الخارجية الجديد، والسفير الأمريكي السابق لدى الأمم المتحدة، جون بولتون، في منصب مستشار الأمن القومي، يعتقد الكثيرون أن ترامب دق المسمار الأخير في نعش خطة العمل الشاملة المشتركة، الاسم الرسمي للاتفاق النووي الإيراني

بناء على هذه الحجة، هدد قائد الجيش النظامي الإيراني مرة أخرى بتدمير إسرائيل بشكل كلي. وفي هذا السياق، أفاد الجنرال عبد الرحيم موسوي في إشارة إلى تصريحات للمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي: "سننهي إسرائيل في أقل من 25 سنة". وقد جاءت هذه التصريحات في وقت يريد فيه كبار المسؤولين في النظام الإيراني حفظ ماء الوجه، نظرا لأن البلاد تعيش فترة اضطرابات الداخلية بينما تستمر عزلتها الدولية.

في هذا الإطار، أشار نائب وزير التجارة الإيراني، علي سرزعيم، "يجب أن نختار بين الصعب والأصعب. وإذا لم نقبل الطرق الصعبة، فسوف نضطر إلى الرضوخ تحت وطأة ظروف أكثر صعوبة". وتأتي مثل هذه التعليقات من إيران في وقت تخضع فيه إدارة ترامب لعمليات تغيير رئيسية، وتتزايد فيه النداءات بضرورة الضغط  أكثر على إيران.

بعد أكثر من سنة من العمل مع وزير الخارجية الأمريكي، ريكس تيلرسون، أثار تحرك الرئيس دونالد ترامب، الذي عين مدير وكالة الاستخبارات المركزية مايك بومبيو خلفا لتيلرسون، ريبة جميع دول العالم، بما في ذلك طهران. وتجدر الإشارة إلى أن تيلرسون، جنباً إلى جنب مع مستشار الأمن القومي السابق هربرت ماكماستر، قد كانا يعملان منذ سنة تقريبا على إقناع ترامب بالالتزام بالاتفاق النووي الإيراني، الذي آثار جدلا كبيرا.

مع تعيين وزير الخارجية الجديد، والسفير الأمريكي السابق لدى الأمم المتحدة، جون بولتون، في منصب مستشار الأمن القومي، يعتقد الكثيرون أن ترامب دق المسمار الأخير في نعش خطة العمل الشاملة المشتركة، الاسم الرسمي للاتفاق النووي الإيراني. من جهة أخرى، تدرك طهران جيدا أن تغيير الكثير من المعطيات في صلب الإدارة الأمريكية لا يخدم مصالحها على المدى القريب والبعيد.

ما يجب فهمه، والذي بدأت أوروبا تدركه لتوها، أن سياسة ترامب تختلف عن أوباما كثيرا، وأن نظام إيران قد أضحى أضعف بكثير بسبب الاضطرابات الأخيرة التي شهدتها البلاد

قبل الزيارة الأخيرة التي أداها وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان، إلى طهران، كانت البلدان الغربية تسعى إلى منع إيران من مواصلة برنامج الصواريخ الباليستية وكبح جماح تدخلها في صراعات الشرق الأوسط. لكن يبدو أن طهران ترفض الامتثال لكل هذه النداءات، نظرا لسلسلة التطورات التي شهدتها الساحة العالمية في ذلك الوقت. أما حاليا، فقد أضحى مصير خطة العمل الشاملة المشتركة على المحك.

على خلاف ما قد تقرأه في وسائل الإعلام أو تسمعه من المسؤولين الإيرانيين الذين يتباهون دائما بقوتهم، إن طهران بحاجة ماسة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة لتحافظ على صمودها ونفوذها؛ لا سيما بعد أن تغيرت ظروفها المحلية بشكل ملحوظ على خلفية اندلاع احتجاجات خلال شهر كانون الأول/ ديسمبر جابت شوارع أغلب المدن الإيرانية. ويدرك حكام طهران أن نظامهم غير قادر على تحمل أعباء العودة إلى فترة العقوبات، التي سُلطت على إيران قبل إبرام خطة العمل الشاملة المشتركة.

إن الوضع الحالي يؤثر سلبا على الشؤون اليومية للنظام، ناهيك عن العقوبات المفروضة على البلاد تعرقل عجلة الاقتصاد. ولهذا السبب بالذات، يعمل النظام الإيراني على زيادة العمليات العدائية في اليمن التي تهدف من خلالها إلى إخفاء خوفها وقلقها، ولكي تستطيع اتخاذ خطوات مماثلة إذا قررت الولايات المتحدة الانسحاب من خطة العمل الشاملة المشتركة، على غرار تهديدها بتخصيب 20 بالمائة من اليورانيوم في غضون 48 ساعة.

في الواقع، ما يجب فهمه، والذي بدأت أوروبا تدركه لتوها، أن سياسة ترامب تختلف عن أوباما كثيرا، وأن نظام إيران قد أضحى أضعف بكثير بسبب الاضطرابات الأخيرة التي شهدتها البلاد، وتنامي النزاعات الداخلية.  ونتيجة لذلك، باتت الظروف مناسبة لزيادة الضغط على طهران من خلال فرض عقوبات على البنك المركزي الملالي والحرس الثوري الإيراني.

تعتقد إيران  أن التراجع عن اتباع بعض السياسات الخارجية، على غرار الهجمات الصاروخية الأخيرة التي شنها الحوثيون على الرياض، قد يساهم في تصاعد مطالب الغرب على جميع الأصعدة

من شأن هذه الإجراءات أن تساهم في توافق وتكاتف كل من الولايات المتحدة والبلدان الغربية فضلا عن الشعب الإيراني، من أجل الإطاحة بالنظام الملالي الإيراني وإرساء الحرية والديمقراطية في هذا البلد، على عكس التدخل العسكري الأجنبي في إيران، الذي من المحتمل أن تكون نتائجه عكسية.

لم تترك تداعيات سنين من الاسترضاء والتهدئة مع إيران خيارا لواشنطن سوى اتباع سياسة أكثر حزما تجاهها. وفي هذا الإطار، تسعى الولايات المتحدة، في الوقت الحالي، إلى إصلاح الأخطاء التي اقترفتها. وتدرك طهران مدى خطورة كل المستجدات التي تحدث على الصعيد العالمي على نظامها. وهي تعتقد أن التراجع عن اتباع بعض السياسات الخارجية، على غرار الهجمات الصاروخية الأخيرة التي شنها الحوثيون على الرياض، قد يساهم في تصاعد مطالب الغرب على جميع الأصعدة.

المصدر: فوربس