في تصريح وصف بـ"المفاجئ" أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سحب قواته من سوريا "قريبًا جدًا، وترك الآخرين يتولّون الاهتمام بها" دون أن يفصح عن المزيد من المعلومات بشأن آلية تنفيذ هذا القرار الذي أثار الجدل بين مرحب به وقلق بشأنه ومناشد بالتراجع عنه.

قرار ترامب الذي جاء بمعزل عن أجهزة الدولة السيادية رغم أنه وفق نظر البعض لا يعدو كونه "ضجيجًا فارغًا" لا محل له من الإعراب على أرض الواقع أسوة بالكثير من القرارات والتصريحات التي قطعها الرئيس الأمريكي على نفسه منذ حملته الانتخابية وحتى الآن، إلا أن التوقيت الزمني والسياسي لإصداره وضعه تحت مجهر العناية والاهتمام من شتى الأطراف المعنية بالأزمة السورية على حد سواء.

الملفت للنظر أن تلك التصريحات التي تناقض مصالح الحليف السعودي جاءت بعد ساعات قليلة من اللقاء الذي جمع ترامب وابن سلمان وتم الاتفاق فيه على حزمة من الصفقات الجديدة، وهي علامة استفهام أخرى فرضت نفسها أمام تلك الأجواء الغامضة التي صاحبت هذا القرار الأحادي.

تناقض وغموض

لم يدل ترامب بمعلومات تفصيلية شارحة لقرار الانسحاب من سوريا، هذا بخلاف حالة الغموض التي فرضت نفسها على مضمون التصريح ذاته، ففي الوقت الذي يعلن فيه الرئيس الأمريكي مثل هذا القرار تنفي وزارة خارجيته علمها بمثل هذه الخطط.

وزير الخارجية الأمريكي السابق ريكس تيلرسون، كان قد أعلن أكثر من مرة أن القوات الأمريكية ستبقى لوقت طويل في سوريا، حتى إن بعض المصادر أشارت إلى احتمالية زيادة عدد القوات الموجودة هناك من ألفين إلى أربعة وخمسة آلاف وهو ما أثار تساؤلات البعض.

علاوة على ذلك فقد ذهب البعض إلى وصف تصريحات ترامب بأنها "مُضلِّلة"، وتحمل تسويفًا، فالرجل لم يُحدِّد موعد الخروج من الأراضي السورية، حين أشار إلى أن الانسحاب سيكون قريبًا جدًا، دون أن يحدد طبيعة عملية الانسحاب، وهل تتضمن انسحابًا جزئيًا أم كليًا، خاصة أن التجارب السابقة التي أعلنت واشنطن من خلالها الانسحاب من بعض الأراضي التي دخلتها تؤكد عدم وفائها بما يصدر عنها من قرارات، ولعل في المشهد العراقي على وجه التحديد المثل الصارخ لهذا التناقض.

للتوقيت دلالة

لا يمكن فصل تصريحات الرئيس الأمريكي عن الظرف الزمني والسياسي الذي تحياه الولايات المتحدة داخليًا وخارجيًا، خاصة مع تأزم موقف ترامب جراء توالي الفضائح في قضية التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي دخلت نفقّا جديدًا بعد الضغط على عدد من الشهود الأساسيين في القضية، بخلاف توسعة دائرة التحقيقات لتشمل فضائح جديدة بشأن المحيطين به بما في ذلك تلقي أموال مقابل الترويج للإمارات والسعودية والتحريض على قطر عن طريق رجل الأعمال لبناني الجنسية جورج نادر، وذلك من خلال علاقته بإليوت برودي أحد كبار جامعي التبرعات لحملة ترامب، فكان لا بد من ضجة إعلامية تخفف الضغط الممارس على الرئيس داخليًا.

علاوة على ذلك تحول إدارة ترامب إلى ما يشبه بـ"الإدارة الحربية" وذلك بعد تعيين جون بولتون أحد أبرز الصقور المحافظين المعروف ميله تجاه الحروب الخارجية، مستشارًا للأمن القومي، وهو أحد الدافعين إلى توجيه ضربة عسكرية لإيران، ومن ثم يمكن فهم تصريحات ترامب في هذا الشأن كون وجود قوات أمريكية في سوريا ستصبح هدفًا سهلاً للقوات الإيرانية وميليشياتها حال نشوب أي حرب بين واشنطن وطهران، ومن ثم كان الانسحاب حفاظًا على أرواح الأمريكان الموجودين هناك.

بين مؤيد ومعارض

أثارت تلك التصريحات حالة من الجدل داخل الشارع الأمريكي على وجه الخصوص، بين مرحب بها ومعارض لها في هذا التوقيت تحديدًا، ورغم تعدد التعهدات التي أدلى بها ترامب دون تنفيذ غير أن ما تفوه به مؤخرًا كان له تأثير مختلف على الأوساط السياسية المختلفة داخليًا.

المؤيدون لما طرحه الرئيس الأمريكي عززوا موقفهم بالنتائج الاقتصادية المتوقعة حال انسحاب القوات الأمريكية من الأراضي السورية، خاصة أن ترامب ألمح في خطابه بقوله "سنسيطر على 100% من الخلافة كما يسمونها، في بعض الأحيان يقولون إنها أرض، سنأخذها كلها بسرعة".

وأضاف "لكننا سنخرج من هناك قريبًا، سنعود إلى بلدنا الذي ننتمي إليه ونريد أن نكون فيه"، وتابع "أنفقنا سبعة تريليونات دولار في الشرق الأوسط، هل تعلمون ما الذي حصلنا عليه لقاء ذلك؟ لا شيء"، متعهدًا بتركيز الإنفاق الأمريكي في المستقبل على خلق وظائف وبناء بنية تحتية في بلده.

بينما المعارضون ومن بينهم صقور سابقون في الإدارة الأمريكية من بينهم وزير الدفاع جيمس ماتيس، ومستشار الأمن القومي الجديد جون بولتون، ووزير الخارجية السابق تيلرسون، وبديله مايك بومبيو، فقد رأوا أن الانسحاب المبكر من سوريا لا يصب في الصالح الأمريكي.

ترامب يعلم جيدًا  أهمية الملف السوري بالنسبة للسعودية، كونه أحد أبرز ساحات الصراع على النفوذ مع الغريم التقليدي إيران، كما يعلم أيضًا أن تحقيق الرياض لأهدافها داخل سوريا مرتبط بالوجود الأمريكي هناك

 كان ماتيس قد أعلن، أكثر من مرة، أن قوات بلاده في سوريا لفترة طويلة، كذلك جرى الحديث بشأن احتمال زيادة عددها، كما أن ماتيس وتيلرسون سبق أن تحدّثا عن ضرورة بقاء الولايات المتحدة منخرطة في سوريا، ليس من أجل منع عودة تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" فقط وإنما أيضًا في إطار "المعركة على النفوذ بين دول عدة، ومن بينها روسيا وإيران".

وزير الخارجية الأمريكي الحاليّ، كان قد انتقد إدارة أوباما سابقًا بأنها تركت "المجال واسعًا" أمام إيران للوجود في سوريا، مشيرًا إلى أن الإدارة الحاليّة "تعمل بالتأكيد لإيجاد المقاربة الصحيحة لمواجهة هيمنة إيران الواسعة على الشرق الأوسط"، كما أن بولتون جادل، من ناحيته، بأن "على التحالف الذي تقوده أمريكا إبطال طموحات إيران في الوقت الذي يسقط فيه داعش"، هذا بخلاف الضغوط الإسرائيلية الممارسة لإبقاء القوات الأمريكية هناك حماية لمصالح تل أبيب.

تفاهمات روسية أمريكية بشأن سوريا ربما تقف خلف تصريحات ترامب

3 سيناريوهات

التوجه المفاجئ للرئيس الأمريكي بشأن مستقبل قواته داخل سوريا، دفع إلى صعود بورصة التكهنات السياسية التي سعت إلى إيجاد تفسير محتمل لهذا القرار المثير للجدل، ليس على مستوى الداخل الأمريكي فحسب بل تجاوزت ذلك إلى ما هو خارج حدود الولايات المتحدة.

"أمريكا أولا".. السيناريو الأول لتفسير ما وراء قرار ترامب ربما يكون إحياء الشعار المرفوع خلال الحملة الانتخابية "أمريكا أولاً" وهو الشعار الذي تعهد من خلاله الرئيس الأمريكي بوضع مصالح الشعب فوق كل اعتبار، ومن ثم سعى الرجل إلى تنفيذ برنامجه الانتخابي عبر سياسة الانطواء على الداخل والانسحاب من التدخلات الخارجية التي ترهق الميزانية الأمريكية.

الملفت للنظر أن تلك التصريحات التي تناقض مصالح الحليف السعودي جاءت بعد ساعات قليلة من اللقاء الذي جمع ترامب وابن سلمان وتم الاتفاق فيه على حزمة من الصفقات الجديدة

"توجيه ضربة عسكرية لإيران".. السيناريو الثاني وهو ما تم الإشارة إليه سابقًا يتعلق باحتمالية توجيه ضربة عسكرية لإيران والانسحاب من الاتفاق النووي المبرم معها في 2015، ومن ثم كان لا بد من سحب قواته من سوريا لئلا يكونوا هدفًا سهلاً أمام ميليشيات إيران هناك.

"المقايضة مع روسيا وتركيا".. الخسائر التي تكبدتها واشنطن في سوريا منذ دخولها ربما كانت الدافع وراء إبرام مقايضة سياسية مع روسيا تقتضي بترك الساحة السورية لموسكو صاحبة اليد العليا حاليًّا، في مقابل صمتها عن الوجود الأمريكي في دول الجوار على رأسها العراق مثلاً.

كذلك ربما توصلت إدارة ترامب مع أنقرة لاتفاق يخفف من حدة التوتر بين الجانبين في الآونة الأخيرة، يقتضي بسحب واشنطن قواتها الموجودة في شمال سوريا والداعمة للميليشيات الكردية الممتدة على طول الحدود بين سوريا وتركيا، مما يسهل للقوات التركية إنهاء عملية "غصن الزيتون" على أكمل وجه دون الصدام مع القوات الأمريكية هناك.

"الزبون الكبير" هكذا يصف الأمريكان محمد بن سلمان

ابتزاز للرياض

تشكيك البعض في قدرة ترامب على الوفاء بتصريحاته أسوة بقائمة التعهدات غير المنفذة منذ دخوله البيت الأبيض، دفع البعض إلى التساؤل عن الدوافع الحقيقية وراء هذا القرار الأحادي الذي ربما يثير حفيظة حلفائه في الشرق الأوسط على رأسهم تل أبيب والرياض.

غير أن الإجابة عن مثل هذه الأسئلة ربما تتكشف رويدًا رويدًا حال ربط تلك التصريحات بزيارة ولي العهد السعودي لواشنطن والمستمرة قرابة ثلاثة أسابيع، فـ"الزبون الكبير" كما يلقبه بعض الأمريكان فرصة كبيرة أمام الإدارة الأمريكية لسد العجز الذي تعاني منه، وإعادة إحياء عدد من الشركات المتوقفة، فضلاً عن تعويض ما أنفقته الولايات المتحدة في الشرق الأوسط حفاظًا على مصالحها.

ترامب يعلم جيدًا أهمية الملف السوري بالنسبة للسعودية، كونه أحد أبرز ساحات الصراع على النفوذ مع الغريم التقليدي، إيران، كما يعلم أيضًا أن تحقيق الرياض لأهدافها داخل سوريا مرتبط بالوجود الأمريكي هناك، وحال انسحاب الأخير ستمنى المملكة بخسارة جديدة تضاف إلى سجلات هزائمها أمام طهران، خاصة أن جراحها في اليمن لم تلتئم بعد.

الخسائر التي تكبدتها واشنطن في سوريا منذ دخولها ربما كانت الدافع وراء إبرام مقايضة سياسية مع روسيا تقتضي بترك الساحة السورية لموسكو صاحبة اليد العليا حاليًّا، في مقابل صمتها عن الوجود الأمريكي في دول الجوار على رأسها العراق مثلاً

البعض هنا ألمح إلى محاولة ترامب ابتزاز الحليف السعودي بمزيد من المليارات في مقابل البقاء في سوريا، فالرجل لم يكتف بالـ460 مليار دولار التي حصل عليها في مايو الماضي خلال زيارته للرياض، كذلك يبدو أن الـ200 مليار دولار الأخرى التي تعهد ابن سلمان بها للولايات المتحدة في صورة استثمارات خلال لقائه به مؤخرًا لم يرو ظمأ التاجر الأمريكي الشاطر، فكان البحث عن المزيد من المليارات هو السبيل، خاصة أنه يعلم جيدًا عدم ممانعة الأمير الشاب الطامح في خلافة عرش والده مهما كلفه ذلك من مقابل.

ولعل ما يعزز هذا التفسير تلك التصريحات الصادرة عن ولي العهد السعودي بعد ساعات قليلة من القنبلة المدوية التي أطلقها ترامب، حيث ناشد في مقابلة له مع مجلة "تايم" الأمريكية واشنطن أن تبقي قواتها في سوريا للتصدي للنفوذ الإيراني، كما رأى أن الرئيس السوري بشار الأسد باق في السلطة، وتمنى ألا يصبح "دمية" بيد إيران.

ابن سلمان أضاف في الحوار الذي نشرته المجلة على موقعها مساء أمس الجمعة: "نعتقد أن على القوات الأمريكية أن تبقى، على الأقل في المدى المتوسط إن لم يكن في المدى الطويل"، مستبعدًا إزاحة الأسد من السلطة، قائلاً: "بشار باق، لكن أعتقد أنه من مصلحة بشار ألا يدع الإيرانيين يفعلون ما يحلو لهم".

تصريحات ولي العهد تميط اللثام بوضوح عن الدوافع الحقيقية وراء التدخل السعودي في سوريا، فالأمر لا يتعلق بإزاحة نظام الأسد كما جاء في السابق، والانتصار للمعارضة وثورة السوريين كما عزف مرارًا وزير خارجية المملكة عادل الجبير، إذ إن مناهضة النفوذ الإيراني الدافع الحقيقي، وهو ما تناشد به واشنطن الآن مهما كلفها ذلك من أموال.