لم ينتظر الرئيس الذي جُددت ولايته في مصر طويلًا حتى يمهد الطريق أمام حملات تأبيده في السلطة مدى الحياة، فلم تكد تنتهي الانتخابات الرئاسية حتى سارعت أجهزته في ملاحقة ما تبقى من الصحافة المستقلة، فكان الإغلاق والحبس والإقالة مصير من تجرأ ولم يسر على خط إعلام الدولة التعبوي في تغطية الانتخابات.

"المصري اليوم".. غرامة وإقالة

في عددها الصادر الخميس 29 من مارس، اليوم التالي للانتخابات الرئاسية، نشرت صحيفة المصري اليوم في صدر صفحتها الأولى مانشيت يحمل عنوان "الدولة تحشد الناخبين في آخر أيام الانتخابات"، وألحقته بعنوان فرعي "الوطنية تلوح بالغرامة.. مسؤولون يعدون بمكافآت مالية.. وهدايا أمام اللجان"، وعنوان فرعي آخر "محافظ كفر الشيخ للمقاطعين: جتكم 60 نيلة.. اقعدوا في بيوتكم وشوفوا اللي هيطبطب على قفاكم".

وعلى الرغم من أن الصحيفة لم تنقل في عنوان المانشيت الرئيسي أو العناوين الفرعية سوى جزء مما حدث بتلك الانتخابات، إلا أن أجهزة الدولة قررت معاقبتها بشدة، حيث قرر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام تغريم الصحيفة 150 ألف جنيه، وإحالة رئيس تحريرها والمحرر الذي نشر الخبر للتحقيق بمعرفة نقابة الصحفيين.

كما أحالت مُعد فيديو تم بثه على الموقع الإلكتروني لها بعنوان "تعرف على اختيار المرشح الرئاسي موسى مصطفى موسى في أثناء تصويته خلف الستار" أيضًا إلى نقابة الصحفيين للتحقيق معه، كذلك إلزام الصحيفة بنشر اعتذار للهيئة الوطنية للانتخابات في نفس المكان والمساحة التي نشر فيها مانشيت "حشد الدولة للمواطنين في انتخابات الرئاسة".

على المستوى التقني، يعاني عدد من المستخدمين من الولوج إلى موقع المصري اليوم منذ "المانشيت الأزمة"، حيث توجد صعوبات تقنية، يتم التغلب عليها باستخدام برامج تخطي الحجب vbn، مما يشير إلى احتمالية انضمام الموقع إلى مئات المواقع المحجوبة في مصر

وبالفعل قدّمت الصحيفة، مساء الإثنين الماضي، اعتذارًا للهيئة الوطنية للانتخابات، والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، جاء فيه: "التزامًا بقرار المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، وبناءً على الشكوى المقدمة من السيد رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات بشأن ما نشر في (المصري اليوم)، يوم الخميس الموافق 29 من مارس، الذي يتعلق بالانتخابات الرئاسية، وكذا ما قام الموقع الإلكتروني ببثه، وتناول إدلاء المرشح الرئاسي موسى مصطفى موسى بصوته تحت عنوان: (تعرف على اختيار المرشح الرئاسي موسى مصطفى موسى)، فإن الصحيفة تقدم اعتذارًا للهيئة الوطنية للانتخابات عما ورد في الصحيفة والموقع الإلكتروني، وتؤكد الجريدة احترامها للهيئة الوطنية للانتخابات، وللمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام".

 لم تكتفِ الدولة بذلك، بل أرغمت مجلس إدارة الصحيفة على الإطاحة برئيس التحرير محمد السيد صالح، ليحل محله الكاتب الصحفي حمدي رزق المعروف بتأييده المطلق للنظام الحاليّ.

ليس هذا فقط، فعلى المستوى التقني، يعاني عدد من المستخدمين من الولوج إلى موقع المصري اليوم منذ "المانشيت الأزمة"، حيث توجد صعوبات تقنية، يتم التغلب عليها باستخدام برامج تخطي الحجب vbn، مما يشير إلى احتمالية انضمام الموقع إلى مئات المواقع المحجوبة في مصر.

وعلى خلفية الأزمة أيضًا، أوقف مجلس إدارة الصحيفة مقال الكاتب الصحفي عبد الناصر سلامة الذي عقّب على ذلك في تصريحات صحفية قائلًا: "الأمر لا يعدو كونه تصفية حسابات، تم نشر 980 مقالًا لي بالصحيفة وكنت أنوي التوقف بعد 20 مقالة أخرى، أي بعد الوصول لرقم 1000 لعدم جدوى الكتابة في هذا المرحلة".

 أكبر الخاسرين على الإطلاق من أزمة الإعلام والانتخابات، موقع "مصر العربية" الذي تعرض للإغلاق واُعتقل رئيس تحريره

وعلى درب سلامة، منعت "المصري اليوم" مقال الفقيه الدستوري محمد نور فرحات بعنوان "المتحرشون بالدستور" من النشر، ليعلق فرحات على حسابه الشخصي بموقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" قائلًا: "وداعًا المصري اليوم، كنا نكتب ما نريد، فأصبحنا نريد أن نكتب".

"مصر العربية".. إغلاق وحبس

على الرغم من الخسائر الكبيرة التي تعرضت لها صحيفة المصري اليوم جرّاء تغطيتها لانتخابات الرئاسة التي لم ترق للأجهزة الأمنية، إلا أن أكبر الخاسرين على الإطلاق من أزمة الإعلام والانتخابات، موقع "مصر العربية" الذي تعرض للإغلاق واُعتقل رئيس تحريره.

بدأت الأزمة في 1 من أبريل الماضي، عندما فرض المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام غرامة مالية على الموقع - بجانب صحيفة "المصري اليوم" - قدرها 50 ألف جنيه (نحو 2800 دولار)، على خلفية تقرير مترجم من صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، حمل عنوان: "مصريون يزحفون للانتخابات من أجل 3 دولارات".

تطورت الأزمة سريعًا، عندما داهمت مباحث "المصنفات"، مقر الموقع بحي الدقي (محافظة الجيزة)، وبعد نحو 5 ساعات من فحص أجهزة الكمبيوتر بدعوى وصول معلومات لديهم بأن الموقع يستخدم برامج مقلدة، ولم تجد شيئًا، قررت غلق الموقع واقتياد رئيس التحرير عادل صبري إلى قسم الدقي بتهمة عدم وجود تصريح من الحي.

وفي صباح الأربعاء 3 من أبريل اُقتيد عادل صبري إلى النيابة، وفي صباح نفس اليوم أصدرت وزارة الداخلية بيانًا جاء في نصه: "الإدارة العامة لمباحث المصنفات وحماية حقوق الملكية الفكرية تتمكن من ضبط رئيس تحرير موقع مصر العربية الإلكتروني لقيامه بإدارة الموقع دون ترخيص بالمخالفة للقانون".

وخلال التحقيق مع عادل صبري لم تُوجه له أي اتهامات سوى تهمة إصدار صحيفة إلكترونية بالمخالفة لقانون تنظيم الصحافة، وعلى مدار نحو 12 ساعة ظل صبري في مقر النيابة بين انتظار المثول للتحقيق، وانتظار انتهاء سماع النيابة لأقوال ضابط المصنفات محرر محضر الضبط، والتحقيق نفسه، وانتظار قرار النيابة الذي صدر باستمرار حبسه لعرضه في اليوم الثاني بعد ورود تحريات الأمن الوطني.

قررت نيابة الدقي حبس عادل صبري رئيس تحرير موقع مصر العربية، 15 يومًا على ذمة التحقيقات، وتتحفظ حاليًّا النيابة العامة على مقر الموقع

وحتى الخميس 4 من مايو لم يكن عادل صبري متهمًا سوى بإصدار صحيفة إلكترونية بالمخالفة لقانون تنظيم الصحافة رغم تقديمه جميع المستندات الدالة على التصاريح اللازمة وفقًا للقانون المصري.

ولكن كانت المفاجأة بتوجيه اتهامات جديدة تمامًا له، وهي "الانضمام إلى جماعة إرهابية والترويج باستخدام الكتابة والرسوم والصور الشمسية والرموز إلى المذاهب التي ترسي مبادئ تغيير الدستور والنظم الأساسية عبر موقع صحيفة مصر العربية الإلكتروني، وإذاعة أخبار وبيانات وشائعات كاذبة عبر موقع صحيفة مصر العربية الإلكتروني ومنها الخبر المعنون "المصريون يزحفون إلى الانتخابات الرئاسية مقابل 3 دولارات" التي من شأنها إلحاق الضرر بالمصلحة العامة للبلاد، والتحريض على التظاهر بقصد الإخلال بالأمن والنظام العام".

على إثر هذه الاتهامات، قررت نيابة الدقي حبس عادل صبري رئيس تحرير موقع مصر العربية، 15 يومًا على ذمة التحقيقات، وتتحفظ حاليًا النيابة العامة على مقر الموقع.

أصدر العاملون بالموقع بيانًا ردًا على إغلاقه وحبس رئيس التحرير، أكدوا فيه أن "موقع مصر العربية يزاول عمله في الصحافة الإلكترونية منذ نحو 5 سنوات، وخلال تلك السنوات زارت مقر الموقع أكثر من مرة مباحث المصنفات ذاتها التي زارته آخر مرة، وفحصت أوراقه جيدًا، وتأكدت مرارًا أن الموقع يُدار من شركة مساهمة مصرية، خالصة الجذر والساق والفرع، حاصلة على ترخيص مزاولة عملها من وزارة الاستثمار المصرية، ولم يكن يعمل بالمخالفة للقانون أو دون الحصول على تصريح كما تردد".

كذلك أشار العاملون بالموقع في بيانهم إلى "تضررهم من الإغلاق الذي حال دون حصولهم على مستحقاتهم المالية، وذلك لتزامن الإغلاق مع موعد صرف المستحقات في أول شهر أبريل"، مؤكدين أن استمرار هذا الوضع لا يعني سوى تشريد أسر أكثر من 100 صحفي وإداري وعامل بالموقع.

منذ 24 من مايو 2017، حُجب نحو 500 موقع على الإنترنت في مصر، بحسب مؤسسة حرية الفكر والتعبير

"المنصة".. عقاب بالحجب

بسبب تغطية الانتخابات الرئاسية أيضًا، حجبت السلطات المصرية موقع "المنصة" الإلكتروني، ليصل عدد المواقع المحجوبة إلى نحو 500 موقع.

وجاء حجب موقع "المنصة" بعد تغطية متواصلة للانتخابات الرئاسية، وثق خلالها عدة انتهاكات وتجاوزات تضمنت رشى انتخابية وحشدًا للناخبين وإجبار موظفين حكوميين على المشاركة في الانتخابات، واستقدام أجانب وتقديمهم للرأي العام باعتبارهم مراقبين ممثلين عن الكونغرس اﻷمريكي.

ونشر "المنصة" تقريرًا حمل عنوان "عازف بيانو وسمسار: كيف باع وفد كونغرس المنوفية الوهم للصحافة المصرية"، تتبع مشاهد تظهر مراقبين من الكونغرس الأمريكي يشاركون الناخبين الرقص أمام اللجان الانتخابية في المنوفية، ووصل فيه إلى أن الذين ظهروا في هذه المقاطع ليسوا موفودين من الكونغرس الأمريكي.

ومنذ 24 من مايو 2017، حجب نحو 500 موقع على الإنترنت في مصر، بحسب مؤسسة حرية الفكر والتعبير.

استمرار اعتقال الصحفيين

في زخم الانشغال بقضية إغلاق موقع "مصر العربية" وحبس رئيس تحريره، توسعت قوات الأمن في حملاتها ضد الصحفيين والمصورين الصحفيين، فألقت القبض على أحمد عبد الجواد المصور بصحيفة "الشروق"، وعادل عيسى المصور بموقع "مبتدأ"، وبلال وجدي المصور بموقع "مصر العربية"، قبل أن تفرج عن مصور "الشروق" و"مبتدأ".

كما ألقت قوات الأمن القبض على محمد إبراهيم الشهير بـ"محمد أوكسجين" مؤسس مدونة "أوكسجين مصر"، واحتجزته في مكان غير معلوم، وأصدرت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان تقريرًا أدانت فيه القبض على "أوكسجين" واعتبرته حلقة ضمن مسلسل الإجهاز على حرية التعبير، وطالبت بالإفصاح عن مكان احتجازه وسرعة الإفراج عنه.

 ترتب على الضربات الموجعة للصحافة المصرية احتلالها المرتبة الـ161 من أصل 180 دولة في الترتيب العالمي لحرية الصحافة خلال 2017

في الأسبوع ذاته، جُدد الحبس للصحفي حسام السويفي 15 يومًا جديدة في قضية القبض عليه من على سلم النقابة المعروفة بـ"معتقلي القدس"، وكذلك تم التجديد للصحفي أحمد عبد الجواد 15 يومًا جديدة ليكملا أكثر من 4 أشهر حبس احتياطي.

كما تم تجديد الحبس للصحفي أحمد عبد العزيز والصحفي معتز ودنان صاحب حوار المستشار هشام جنينة رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، ورُفض استئناف الصحفي حمدي الزعيم على حبسه احتياطيًا منذ أكثر من عام ونصف.

وهكذا ترتب على الضربات الموجعة للصحافة المصرية احتلالها المرتبة الـ 161 من أصل 180 دولة في الترتيب العالمي لحرية الصحافة خلال 2017، في التقرير الذي أعدته منظمة "مراسلون بلا حدود" التي ذكرت وجود 29 صحافيًا مسجونًا في مصر.