في ظل الحديث عن غارات جوية ضد أهداف في سوريا، يبدو أن "الخطوط الحمراء" التي وضعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بشأن استخدام الأسلحة الكيميائية في الصراع السوري يجري اختبارها الآن. 

لكن هل توقف بضعة صواريخ جرائم الحرب التي تُقترف في سوريا؟ وهل يرتدع رئيس النظام السوري بشار الأسد عن تجاوز الخط الأحمر الذي رسمه ترامب كما سبق له أن قطع خط الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، أم أن الأمر يحتاج من ترامب إلى ما هو أبعد من ضربة صاروخية؟

تغريدات ترامب تسبق صواريخه بمسافات  

رغم مرور سبع سنوات على الحرب المستعرة في سوريا منذ أن كان الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما في 2011 يعلن أنه "حان الوقت لأن يتنحى الأسد"، لا يزال الأسد غير مقتنع بهذا الأمر، بل يبدو أنه ماضٍ ليحكم الأنقاض.  

وكان أوباما أول من حدد خطه الأحمر عام 2012، عندما حذر الرئيس السوري بشار الأسد من أن استخدام الأسلحة الكيماوية أو حتى حركتها من شأنه أن يؤدي إلى الانتقام العسكري الأمريكي.

لكن بعد هجوم السارين في العام التالي الذي أودى بحياة ما يقرب من 1500 مدني في ضواحي دمشق، وفقًا للمخابرات الأمريكية، اختار أوباما الخروج من عمليات الانتقام العسكرية وبدلاً من ذلك توصل إلى اتفاق مع روسيا لتفكيك الترسانة الكيميائية السورية. 

سمح ذلك للأسد بتجاوز "الخط الأحمر" الذي يحظر عليه استخدام الأسلحة الكيميائية ضد المدنيين في سوريا مرات عديدة دون أن تفعل الولايات المتحدة شيئًا يُذكر حيال هذه الأسلحة البغيضة.     

صحيفة ذي غارديان البريطانية ترى أن تغريدات ترامب أعطت الجيش السوري فرصة كافيه للتحرك ونقل قطعه الحربية

ويرجع ذلك بحسب الكاتب جورج ويل إلى أن قدرة الولايات المتحدة على التأثير في الأحداث في الحرب التي تعصف بسوريا منذ سنوات كانت ضئيلة، وذلك منذ تجاهل الأسد "الخط الأحمر" الذي رسمه أوباما في 2012. 

وفي أحدث حلقة من مسلسل الهجمات الكيمائية، وهذه المرة في دوما، وهناك أخفقت الولايات المتحدة وروسيا في التوافق على التحقيق باستخدام نظام الأسد للسلاح المحرم دوليًا ضد شعبه، وصدر عن ترامب عبر موقع تويتر أكثر من إشارة لقرب توجيه ضربة لمنشآت عسكرية سورية، لكن دون أي نتيجة تُذكر.




تغريدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

ويفسر ديفيد أديسنيك مدير أبحاث مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات ذلك بأن  "الهجمات جزء من جهد مستمر لاختبار ما إذا كان الرئيس ترامب سيطبق الخط الأحمر على الأسلحة الكيماوية الذي وضعه العام الماضي".   

لكن صحيفة ذي غارديان البريطانية ترى أن تغريدات ترامب أعطت الجيش السوري فرصة كافيه للتحرك ونقل قطعه الحربية، مما يوحي بأن أي ضربة عسكرية قادمة ستكون رمزية ولن تؤثر على مدار الصراع في سوريا.    

 لقطات للغارات الجوية ضد أهداف في سوريا فجر أمس

لعبة الخطوط الحمراء

بالعودة للعام الماضي، ومع انتشار الصور لهجوم بالأسلحة الكيميائية على المدنيين السوريين من القوات الموالية للرئيس بشار الأسد في 4 من أبريل/نيسان الماضي، ألقى الرئيس العاطفي ترامب اللوم على مأساة سلفه، وقال في بيان: "الرئيس أوباما قال إنه سيقيم خطًا أحمر ضد استخدام الأسلحة الكيميائية، ثم لم يفعل شيئًا".

مع اقتراب العام الأول للرئيس من نهايته، وجد ترامب نفسه على شاكلة سلفه، وأصبحت مواقفه الشاقة الخاصة بسوريا وكوريا الشمالية خارج نطاق التركيز، فالإدارة التي تجنبت استخدام مصطلح "الخط الأحمر" نفسه، كثيرًا ما تحدثت عن تحذيرات لدمشق وبيونغ يانغ.

لكن الطبيعة المبهمة للتهديدات ساعدت في جعل بعض التحذيرات بلا أنياب، باستثناء مرة واحدة أطلق الجيش الأمريكي 59 صاروخ كروز في مطار الشعيرات السوري العسكري ردًا على هجوم كيميائي في خان شيخون أعقبه استخدام النظام السوري للسلاح الكيمياوي مرات عديدة لم تحرك ساكنًا أمريكيًا.

وبالنسبة لأنصاره، كان رد فعل ترامب العسكري السريع مجرد جزء من سياسة خارجية أمريكية جديدة، فقد كانت واشنطن مستعدة وقادرة على استخدام القوة عند الاقتضاء، ولم يكن الأمر مجرد إخطار للأسد، كما اكتشف كيم يونغ أون في كوريا الشمالية في وقت سابق.

رغم أحاديث متكررة لترامب على نطاق واسع ضد هجمات الأسلحة الكيميائية، فإن تعليقات تيلرسون تعكس تميزًا رئيسيًا في كيفية استخدام هذه الأسلحة في سوريا

يقول كوري شاكي، وهو محلل عسكري في مؤسسة هوفر التي عمل في عدد من الأدوار بالبيت الأبيض خلال إدارة جورج دبليو بوش، إنه في كل من سوريا وكوريا الشمالية، يبدو أن الإدارة الأمريكية كانت تحاول تغيير الخطوط التي حددتها سابقًا، وهي خطوة يمكن أن تخلق مشاكل للإدارة.

لكن التعليقات الأخيرة من كبار المسؤولين في الإدارة ألمحت إلى حدوث تحول، وخلال ظهور له في باريس، تحدث وزير الخارجية السابق ريكس تيلرسون باستفاضة عن الهجمات الأخيرة بالأسلحة الكيميائية ضد المدنيين السوريين في الغوطة الشرقية، وهي معقل للمتمردين في ضواحي دمشق.

كان اعترافًا عامًا ونادرًا، لكن الاعتراف وحده لا يكفي، فعلى الرغم من العمل العسكري الأمريكي العام الماضي، لا تزال هجمات الأسلحة الكيميائية على المدنيين سمة متكررة في الصراع السوري، رغم أن غاز الكلور كان المستخدم بشكل عام، وهو سلاح رخيص أقل فتكًا من السارين.  

ورغم أحاديث متكررة لترامب على نطاق واسع ضد هجمات الأسلحة الكيميائية، فإن تعليقات تيلرسون تعكس تميزًا رئيسيًا في كيفية استخدام هذه الأسلحة في سوريا، ففي الماضي، امتنع مسؤولو الإدارة، مثل وزير الدفاع جيم ماتيس، عن الحديث عما إذا كان سيتم التعامل مع هجمات الكلور بطريقة مختلفة عن هجمات السارين.

الصواريخ الترامبية وحدها لا تكفي

بعد أن تعهد ترامب بأن يجعل "الحيوان" الأسد يدفع ثمنًا باهظًا جراء استخدامه الأسلحة الكيميائية، ربما اضطر ترامب وحلفاؤه - بعد الحديث عن قصف مشترك بين أمريكا وفرنسا وبريطانيا - بتوجيه ضربات رمزية قصف سوريا حفاظًا على ماء وجهه، وحتى لا يتسبب في ضربة أخرى للقيادة العالمية للولايات المتحدة إذا لم يف بوعده في هذا السياق.     

لكن بضعة صواريخ أمريكية "جميلة وذكية" - كما وصفها ترامب - لن تحدث تغييرًا في سوريا، وهو ما تؤكده رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، إذ قالت إنها سمحت للقوات البريطانية بتوجيه ضربات منسقة لتقليص قدرات النظام السوري، لكنها لا تتعلق بمسألة "تغيير النظام" هناك.   

يعني ذلك أن الأسد لن يراوح مكانه؛ لأن الأمر - بحسب محللين - يتطلب إستراتيجية منسقة في الحرب متعددة الأطراف المستعرة هناك، وهو ما لم يفلح ترامب في تحقيقه على الرغم من حث العديد من مستشاريه له على فعله.  

مناطق انتشار القواعد الجوية السورية

وترى الكاتبة رولا خلف في صحيفة الفاينينشال تايمز البريطانية أن انجرار الغرب وراء تصريحات ترامب الراغب في رد عسكري على بشار الأسد قد يشعل صراع أقوى من الصراع الحاليّ، مؤكدة أن ترامب سيعاقب الديكتاتور السوري على هجوم دوما، لكن رغم أنه قد يعفي الغرب من الشعور بالذنب إزاء سوريا ويعزز صورة ترامب فإنه لن يكون بديلاً عن الحلول السياسية.    

في سياق ذلك، تساءلت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية عن جدوى الضربات الصاروخية "الترامبية" ما لم تتبعها مبادرات عسكرية أو دبلوماسية أمريكية وما لم تسبقها خطة محكمة، أن انتهاكات الأسد يجب أن لا تمر دون عقاب؛ لأن ذلك لو حصل سوف تتكرر الانتهاكات، وأضافت الصحيفة أن الضربة قادمة لكن يجب عدم التسرع بها.

يؤكد ذلك ما جرى منذ عام، فعلى الرغم من إصدار ترامب أوامره بتوجيه ضربة صاروخية إلى مطار الشعيرات في حمص الذي انطلقت منه تلك الغارة التي قصفت خان شيخون بريف إدلب شمال غرب سوريا بغاز السارين السام في أبريل/نيسان 2017، فإن النظام السوري استخدم الكيميائي بكميات أصغر نحو سبع مرات بعد تلك الحادثة دون أن يحرك ترامب ساكنًا.  

الحقيقة التي لم يدركها ترامب بعد تتمثل في أنه طالما بقي "الحيوان" الأسد في السلطة فإن حروب سوريا ستتواصل متسببة في ظهور إرهابيين إسلاميين وفي دفع المزيد من اللاجئين إلى أوروبا

وفي كلا الحالتين حقق النظام السورى وحلفاؤه أهدافهم جراء القصف بالأسلحة الكيميائية، وعن دوما مثلاً، تفيد التقارير بأن مقاتلي المعارضة الذين كانوا متحصنين فيها وافقوا على إجلائهم وعائلاتهم إلى إدلب، أما النظام السوري فسيطلق على دوما في نهاية المطاف حملة الأرض المحروقة، وذلك بمساعدة القاذفات الروسية والمليشيات التي تقودها إيران.  

في هذا الإطار، قالت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية إن الأمر يتطلب عقابًا كالذي فعلته "إسرائيل" في غاراتها الأخيرة، إذ دمرت جزءًا كبيرًا من قاعدة عسكرية سورية في الغارة التي شنتها مستهدفة القوات الإيرانية في مطار تيفور.

أما الحقيقة التي لم يدركها ترامب بعد تتمثل في أنه طالما بقي "الحيوان" الأسد في السلطة فإن حروب سوريا ستتواصل متسببة في ظهور إرهابيين إسلاميين وفي دفع المزيد من اللاجئين إلى أوروبا.