ترجمة وتحرير نون بوست

نُشر المقال لأول مرة في صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية

كان حكما بدا لو أنه من زمان آخر، ومكان آخر، لكن الخبر الذي جاء يوم الاثنين الماضي حين حكم قاض مصري على 529 شخصا بالإعدام كان حقيقيا جدا! كل شيء، تفاصيل القضية ورد فعل الجمهور والمحكمة نفسها يمكن تسميته بالنوع المصري الخاص من “الواقعية السحرية”. لقد كان الحكم الذي حكم به القاضي سعيد الجزار وحشيا، مأساويا، سخيفا، وعلى الأرجح غير مجد. 

الاستهجان الدولي الذي تبع القرار لم يكن فقط بسبب شدة الحكم، لكن لأنه أيضا تم تجاهل كافة الإجراءات القانونية الواجبة لذلك تماما، مُنع محامو الدفاع من لقاء موكليهم أو استجواب الشهود، كما أن العديد منهم طُردوا خارج المحكمة بأمر القاضي.

المدانون اتُهموا بالانتماء للإخوان المسلمين، الجماعة التي كانت تحكم مصر قبل تسعة أشهر، والمحظورة حاليا، والتي أعلنتها الحكومة الحالية منظمة إرهابية. يقول ممثلوا الإدعاء أن هؤلاء -جميعا- هاجموا قسم شرطة ما أسفر عن مقتل ضابط وسرقة أسلحة.

البعض هنا في مصر يعتقدون أن الحكم سيُنفذ، من المرجح أن يُخفف الحكم إما من قبل الرئيس أو من قبل المفتي (رأي المفتي استشاري ولا يُلزم المحكمة)، وهو ما يقول أن قرار القاضي مجرد مسرحية فارغة، المحاكمة أيضا تكشف أن الحملة المتصاعدة ضد المعارضة المصرية قد تؤدي إلى ردود أفعال أقوى، في حين أن الهدف منها هو القضاء على تلك المعارضة بالأساس.

منذ الإطاحة بالرئيس محمد مرسي في 3 يوليو الماضي، تم القبض على ما لا يقل 16000 شخص، وانتشرت تقارير سوء المعاملة والتعذيب وانتهاكات إجراءات التقاضي السليمة في محاكمات سياسية تعسفية. الإخوان كانوا الهدف الأساسي من غضب الدولة، لكن الاتهامات قد توجه لأي شخص بتهمة التعاطف أو التأييد!

هناك أوجه تشابه مشؤومة بين كل الحالات، لقد حضرت محاكمة صحفيي الجزيرة الذين اتُهموا بالتعاطف مع الإخوان، ويوم الاثنين عادوا أيضا إلى المحكمة، حيث وقفوا في قفص الاتهام. ربما لن يواجهوا حكم الإعدام لكن أحكاما مطولة بالسجن هي احتمال وارد بقوة، الشيء نفسه ينطبق على العلمانيين في المعارضة، الذين تجمعوا في احتجاجات وتظاهرات “غير رسمية” وضد القانون، الذي يحظر التظاهر!

يقول بعض المعلقين أن حكم محكمة المنيا هو مثال على “العدالة الهاتفية”، لقد وصل القرار للقاضي عبر الهاتف! هذا الاقتراض ليس بالضرورة أن يكون صحيحا، فمع المشهد الذي تكون فيه السلطة التنفيذية مدعومة من الجيش، والقضاء الذي يسعى للعمل مع الأمن والتصرف بطريقة تكاملية لهدف “إعداة الاستقرار وهيبة الدولة، وتقوية السلطة، والانتقام من التجاوزات السابقة”

لكن تلك المحاولات جميعها لفرض النظام والسيطرة على الوضع نجحت فقط في العكس تماما! في أعقاب الانقلاب العسكري وفي 14 أغسطس قُتل أكثر من 900 شخص في تفريق اعتصام أنصار مرسي في رابعة العدوية شرق القاهرة، هذا العمل حفز المزيد من العنف على مستوى القطر المصري، الهجوم الذي حكمت محكمة المنيا بالإعدام على مئات الأشخاص بسببه وقع يوم الاثنين خلال تلك الفوضى الذي تسبب بها الأمن.

التناقض بين التعامل مع المسؤولين عن مقتل عدد أكثر ب900 ضعفا من حادث المنيا، وبين المتهمين في  القضية، لم يمر مرور الكرام. منظمة العفو الدولية سمت الحكم بالبشع، ومعهد القاهرة لدراسات حقوق الإنسان قال إن الحكم “مجزرة قانونية”. 

لكن بالنسبة للسكان في مصر، تبدو تلك الإدانات تأكيدا للموقف الإعلامي المصري الذي يقول إن “العالم” تخلى عن مصر مقابل دعم الإخوان، الذين يتهمهم الإعلام بالهجمات الإرهابية على المنشآت الأمنية في مصر، ليس هناك أي دليل أن تلك الهجمات تمت بفعل الإخوان، لكن مجموعة مرتبطة بالقاعدة أعلنت مسؤوليتها عنها.

بالنظر إلى تلك المسألة، ومع عدم تجاهل الرغبة الشعبية في الاستقرار، فإن ذلك قد يعني دعم، أو على الأقل، قبول العنف الفتاك الذي تقوم به الدولة ضد الشعب. وبغض النظر عن نتيجة حكم الإعدام على 529 شخصا، بالنسبة للكثيرين، يبدو التعامل مع الحكم دليلا على نبذ المصريين للإخوان، وبالتأكيد عدم الوقوف معهم لدعمهم. 

وبينما يؤدي الاستقطاب إلى التجريد من الإنسانية على كلا الجانبين، يؤدي أيضا إلى احتمالات المزيد من تفجر الأوضاع. الأربعاء الماضي، شارك المئات في مظاهرة غاضبة في جامعة القاهرة ضد الحكم في المنيا، فرقت قوات الأمن الحشد عبر قتل متظاهر والضرب بالغاز المسيل للدموع

تصوير المواطنين العاديين على أنهم ضد الدولة مخاطر جمة، اختلاف الموازين عند الحديث عن مفاهيم مثل العدالة والمساءلة والمسؤولية والمحاسبة سيذكي الصراع الأهلي، وأعمال العنف، ولن ينتصر أحد في حرب أهلية في طرف منها حركة إسلامية غاضبة، وفي الطرف الآخر الشرطة والقضاء المعزول.  وما لم يسع النظام في مصر نحو عملية سياسية أكثر شمولا، فإن المتطرفين داخل الدولة وعلى هوامشها سيستمرون في انتهاج طرق أكثر عنفا.