تعيش تونس اليوم على وقع الحملات الانتخابية البلدية التي يمكن أن ننظر اليها من عدة جوانب، منها الاجرائية والقانوية، لكن رغم أهميتها فان هناك جانبًا آخر قد لا نبالغ إن اعتبرناه الأهم وهو ارتباط نتائج هذه الانتخابات بإعادة رسم المشهد السياسي ككل في تونس.

لو أخذنا الجانب الاجرائي فإننا نشير كون موعد هذا الاستحقاق تأخر كثيرا، بل أكثر من اللازم، فقد كان من المفروض أن تجرى هذه الانتخابات قبل 2014 وعلى أقصى تقدير بعد الانتخابات التشريعية والرئاسية الأخيرة، لكن تمت عرقلتها من قبل حزب نداء تونس بعدة طرق منها تعطيل المصادقة على القانون الانتخابي في مجلس نواب الشعب ثم تعطيل المصادقة على مجلة الجماعات المحلية، وكل هذا له سبب معلوم في تونس وهو عدم استعداد النداء لهذه الانتخابات خاصة في ظل الخلافات والصراعات التي أنهكته منذ وصوله الى السلطة.

هذه الانتخابات هي أهم مقياس بالنسبة لنداء تونس لمعرفة حجمه السياسي والشعبي الحالي

لكن وبما أنه لم يعد ممكنا أن يؤجل هذا الاستحقاق أكثر، اضطر النداء للقبول به مكرها لكن الى جانب الاضطرار هناك عامل آخر دفعه للقبول أخيرا بإجراء هذه الانتخابات وهو ما سنأتي عليه لاحقا. بالنسبة للجانب القانوني فيما يخص هذه الانتخابات فهي تجري بينما مجلس نواب الشعب بصدد المصادقة على مجلة الجماعات المحلية رغم أنه كان من المفترض أن يستكمل هذا العمل قبل موعد الانتخابات البلدية.

لكن علينا أن ننتقل إلى أهم معطى مرتبط بإجراء الانتخابات البلدية، وكما قلنا سابقا فإن هذا العامل كان سببًا في قبول نداء تونس بإجرائها أخيرًا، وما نعنيه هو ارتباطها بإعادة تشكل المشهد السياسي في تونس.

فالنداء اليوم ليس هو نداء ما قبل انتخابات 2014، وهو يدرك هذا جيدًا خاصة بعد أن فقد ثلث نوابه في مجلس نواب الشعب وبعد أن تفتت إلى عدة الأحزاب بل أكثر من هذا، فرغم أنه الحزب الحاكم فعليًا باعتبار أن أغلب أعضاء الحكومة منه وإليه تعود رئاسة مجلس نواب الشعب ورئاسة الجمهورية، إلا أنه لم يتمكن إلى الآن من عقد مؤتمره العام وهو ما يؤكد حدة الخلافات التي يعيشها رغم أنه يعمل على التغطية عليها.

ما قد يكون غاب عن النداء هو أن الظروف اختلفت كليا عن 2014، فالنهضة استطاعت تجاوز هذا الجدل من خلال ما قامت به من مراجعات طرحتها في مؤتمرها العاشر من خلال تفعيل مشروع إصلاحي جوهره أنها حزب مدني وليست حزب ديني

فهذه الانتخابات هي أهم مقياس بالنسبة لنداء تونس، لمعرفة حجمه السياسي والشعبي الحالي. لكن السؤال: هل نداء تونس مرشح لتحقيق فوز ساحق كما حققه في الانتخابات السابقة، أي في 2014؟

هذا السؤال يطرح حاليا داخل النداء بشدة، لكن الأهم من طرحه نظريًا هو قياس مدى قوة "الماكينة" الانتخابية التي مكنته من الفوز في 2014 والتي تداخل فيها الإعلامي بالمال الفاسد بالأيديولوجيا، أي أن النداء عاد لتشغيل نفس "المنظومة" أي تحريك مراكز القوى المالية والإعلامية لصالحه وأيضا اعادة الجدل حول الهوية من خلال خلق نوع من الصراع يريد فرضه لدى الرأي العام من خلال الإعلام مع حركة النهضة، وتقديم نفسه كمشروع حداثي ضد مشروع مناقض له أي (ديني).

لكن ما قد يكون غاب عن النداء هو أن الظروف اختلفت كليا عن 2014، فالنهضة استطاعت تجاوز هذا الجدل من خلال ما قامت به من مراجعات طرحتها في مؤتمرها العاشر من خلال تفعيل مشروع إصلاحي جوهره أنها حزب مدني وليست حزب ديني.

التحول الذي ستحدثه نتائج الانتخابات البلدية التي تجري في بداية مايو/أيار القادم لن تشمل النداء والنهضة فقط بل هي متعلقة بأحزاب أخرى صار لها وزن وإن لم يعرف حجمه إلى الآن

لكن المسألة الأهم من كل هذا هي توضح الصورة لدى الرأي العام حول النداء والنهضة باعتبارهما الحزبين الأكثر تأثيرا في الشارع , فالنداء قدم مشروعا نظريا بحتا لكنه لم يظهر في الواقع وبان بالمكشوف كونه" ماكينة" انتخابية أكثر منه حزبا , في مقابل مزيد ترسخ النهضة كحزب مهيكل منظم قادر على تسيير الدولة.

التحول الذي ستحدثه نتائج الانتخابات البلدية التي تجري ماي القادم لن تشمل النداء والنهضة فقط ,بل هي متعلقة بأحزاب أخرى صار لها وزن وان لم يعرف حجمه الى الآن ,ونقصد بذلك حزب الحراك الذي يترأسه الرئيس السابق المنصف المرزوقي وحزب التيارالديمقراطي الذي أنشئ بعد انفصال قيادات بارزة عن المؤتمر من أجل الجمهورية حزب المرزوقي السابق .