بطريقة لا تخلو من التهكم، قال المكلف بالاتصال في حركة نداء تونس فؤاد بوسلامة: "تصور امرأة ليلة 27 من رمضان في الجامع؟ لا يعقل في تقاليدنا هناك الأعياد الدينية وعندنا تقاليد في الجوامع للأسف نحن بلد إسلامي"، وأضاف بالقول إنه لا يمكن أن تكون امرأة على رأس بلدية تونس.

كلام المكلف بالاتصال في حركة نداء تونس جاء ردًا على سؤال إعلامي تونسي فيما يخص إمكانية تولي مرشحة حركة النهضة الإسلامية سعاد عبد الرحيم منصب شيخ مدينة تونس كأول امرأة تتقلد هذا المنصب في تاريخ البلاد. 

للمساجد تقاليد.. فنحن في دولة مسلمة

رد فؤاد بوسلامة لم يكن استثناءً، فسبقه في ذلك العديد من القيادات من "النداء" التي عبرت عن رفضها تولي عبد الرحيم هذا المنصب، حيث عبر وسام السعيدي عن تمسك حركته بتولي رئيس قائمة النداء بتونس منصب "شيخ بلدية العاصمة"، مؤكدًا أن حزبه لا ينوي التحالف في المطلق مع النهضة في مختلف المجالس البلدية، بل ستكون التحالفات فيها حالة بحالة.

ولفت السعيدي في تصريح إعلامي إلى أن النداء لا يحتاج إلى النهضة، وسيذهب نحو تشكيل أغلبية ليحظى رئيس قائمة النداء كمال إيدير برئاسة بلدية تونس عبر تحالفات أخرى، على غرار الائتلاف المدني والمستقلين والجبهة الشعبية.

ومن المنتظر أن يتكون المجلس البلدي لبلدية تونس العاصمة من 6 قوائم حزبية ومستقلة، وسيختار أعضاؤها الـ60 شيخ المدينة - بعد 13 من يونيو/حزيران القادم - من بين رؤساء القوائم وهم: سعاد عبد الرحيم أوكمال إيدير أو أحمد بوعزي أو مهدي الرباعي أو محمد منير بن ميلاد أو لطفي بن عيسى.

في حال انتخابها تكون عبد الرحيم قد وصلت إلى منصبها هذا بفضل حركة النهضة الإسلامية

ويعود منصب "شيخ المدينة" إلى عام 1858 حيث أُنشأ بمرسوم من الباي محمد بن حسين، وتطمح "سعاد عبد الرحيم" المرشحة عن حركة النهضة أن تتولى منصب شيخ المدينة في تونس (رئيسة المجلس المحلي)، وتمكنت عبد الرحيم من الفوز في هذه المنافسة الانتخابية، لتكون بذلك أول سيدة تشغل هذا المنصب في تاريخ تونس (في انتظار انتخابها رسميًا من الأعضاء)، وتكون قد وصلت إلى منصبها هذا بفضل حركة النهضة الإسلامية.

وسبق لحركة النهضة أن رشحت سعاد عبد الرحيم على رأس قائمتها بدائرة تونس خلال انتخابات المجلس الوطني التأسيسي لسنة 2011، وكان خبر ترشيحها آنذاك مفاجأة لجميع التونسيين باعتبارها غير منتمية للحركة، وهي سياسية مستقلة وغير محجبة وسبق أن نشطت في الاتحاد العام التونسي للطلبة المحسوب على الإسلاميين في الجامعة التونسية.

دعاة الحداثة ضد سعاد

هذا الموقف لم يكن صادرًا عن قيادات "نداء تونس" فقط بل ساندهم في ذلك العديد من الشخصيات التي تروج لنفسها بأنها حامية الحداثة والتقدم وحقوق المرأة في تونس، حيث شنت بعض النخب اليسارية في تونس والأوساط النسوية المدافعة عن حقوق المرأة هجومًا على سعاد عبد الرحيم.

وسخرت الفنانة المسرحية ليلى طوبال من كلمة عبد الرحيم التي أهدت نجاحها في الوصول لمنصب شيخ مدينة تونس للمرأة التونسية، قائلة في تدوينة لها: "المرأة التونسية الحرة لا تقبل هدايا من الإخوانجية".

بدورها استعرضت الأستاذة الجامعية سلوى الشرفي عبر تدوينة لها في صفحتها على "فيسبوك" تاريخ وأصل تسمية منصب رئيس بلدية تونس الملقب بـ"شيخ المدينة"، منتقدة حصول من وصفتهم بالفاسدين على شرف تقلد هذا المنصب، مضيفة: "لا مجال لأردوغان في عاصمتنا".

تندر واستنكار

موقف نداء تونس من ترشح سعاد عبد الرحيم لمنصب شيخ مدينة تونس كان محل تندر واستنكار التونسيين على مواقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك وتويتر)، حيث كتبت الإعلامية التونسية خولة بن قياس في حسابها الخاص على موقع فيسبوك "التوانسة يعرفو ربي كان في المناسبات! تفكرو ربي توة مع سعاد عبد الرحيم أنها كيفاش تحضر ليلة 27 من رمضان مع الرجال بالجبة! هههههه يعني والله أمركم عجيب، لكن مش مشكل نلبسوها جبة سعاد وكان لزم نزيدوها عمامة وبلغة".

من جانبها كتبت تونسية تدعى فاطمة بن سليمان في الفيسبوك متهكمة على موقف نداء تونس من سعاد عبد الرحيم "لا يجوز شرعًا تولي المرأة رئاسة البلدية، العلامة أبو نداء التونسي". 

وعبر التونسي نبيل شلوف عن استنكاره لكلام قياديي نداء تونس بطريقته، حيث كتب في حسابه على الفيسبوك "المكلف بالاتصال في نداء تونس، ليلة 27 تقصي سعاد عبد الرحيم من منصب شيخ مدينة تونس".

وكتب الإعلامي التونسي المقيم في تركيا نضال حمدي "بالدكتاتورية كانوا مستعدين أن تحكمهم ليلى الطرابلسي شهرت ليلى دجين Gin، وقد بدأوا بالفعل التجهيز لها، بالديمقراطية يرفضون امرأة لمنصب مشيخة مدينة تونس، بالنهاية رئيس بلدية مثلها مثل غيرها، تعللوا لذلك بكل ما يناقض أطروحاتهم الفجة عن النسوية وحقوق المرأة ومكتسبات الحداثة".

فيما كتب التونسي أسامة بوغنجة على حسابه في تويتر "انتخاب رئيس بلدية تونس سيكون اختبارًا حقيقيًا لتمييز القوى الحداثية التقدمية عن القوى الرجعية المتخلفة".

ورجع محمد وليد الجاموسي إلى كلام مؤسس الحزب الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي حين أهان المرأة في وقت سابق بقوله "ماهي إلا مرا"، وكتب الجاموسي "المكلف بالاتصال في نداء تونس حين اعتبر أن المرأة لا يجوز أن تكون شيخ مدينة تونس، فإنه أعاد بطريقة ما عبارة مؤسس الحزب حين قال ما هي إلا مرا". 

وأضاف "وهو ما يكشف ثقافة ذكورية خطيرة متأصلة في الكثير من المحسوبين على الشق الليبرالي الذي انتفض انتفاضًا على وردة الغضبان ذات يوم لأنها قالت بعفوية وجهل "صوت المرأة عورة" ربما لأنها فريسة سهلة، فيما آثر الصمت والبهتة أمام تصريح القيادي في نداء تونس ربما لأن لكل مقام مقال...".

ولمنصب شيخ مدينة تونس وزن كبير في البلاد، ففي عهد الرئيس الحبيب بورقيبة كان يوازي في صلاحياته صلاحيات وزير، وتعود رمزية هذا المنصب إلى ثقل مدينة تونس، باعتبارها تمثل عاصمة اقتصادية وسياسية، إضافة إلى ذلك وزنها من حيث عدد السكان وعمقها الجغرافي.

فرصة للقوى الحداثية

يعتبر العديد من التونسيين أن ترشح سعاد عبد الرحيم لمنصب شيخ مدينة تونس يمثل فرصة للقوى الحداثية والتقدمية في البلاد لإثبات مدى إيمانهم بالحداثة والتقدم وحقوق المرأة بعيدًا عن الشعارات التي ما فتئوا يرفعونها في العديد من المناسبات.

وتروج حركة نداء تونس إلى أنها حامية التقدم في البلاد، والحركة الوحيدة القادرة على الدفاع عن مكاسب الحداثة في البلاد وترسيخ المكتسبات القانونية والاجتماعية للمرأة التونسية التي حققتها على مدى عقود، خاصة أنها تعتبر نفسها امتدادًا لفكر الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة المحرر الرئيسي للمرأة في تونس، حسب قول قيادات الحزب.

تعد تونس من أهم الدول العربية التي تعتبر نفسها الأكثر "إنصافًا" واهتمامًا بالمرأة منذ عام 1956

وكان لفئة النساء الفضل الكبير في وصول الباجي قائد السبسي مؤسس الحزب إلى قصر قرطاج أواخر شهر ديسمبر سنة 2014، حيث كانت أصوات النساء في تونس حاسمة في فوز السبسي في انتخابات الرئاسة على منافسه الرئيس السابق المنصف المرزوقي.

إلى جانب مساهمتها الكبيرة في وصوله إلى قصر قرطاج، كان للمرأة التونسية - التي ترى في السبسي زعيم المشروع الحداثي في البلد المتحرر من الكثير من مظاهر استعباد النساء - فضلًا كبيرًا في تأسيس حزب نداء تونس وتصدره الساحة السياسية بعد أن وعد السبسي بمواصلة حماية مكتسباتها وتعزيز دورها السياسي والاجتماعي.

وتعد تونس من أهم الدول العربية التي تعتبر نفسها الأكثر "إنصافًا" واهتمامًا بالمرأة منذ عام 1956، فقانون الأحوال الشخصية ألغى السماح بتعدد الزوجات والسماح للمرأة بطلب الطلاق، قانون لا يزال حتى الآن يشكل استثناءً في العالم العربي، فلطالما كان لتونس سياسات يعتبرها العالم "إيجابية ومنصفة" في المساواة بين الجنسين، حيث أمسكت بزمام المبادرة في العالم العربي في مجال حقوق المرأة كانعكاس مباشر للتيار التغريبي الذي قاد تونس عقب الاستقلال.